د. جمال حمدان بقلم د. المسيري
كل كتابات جمال حمدان، ليست دراسات أكاديمية بالمعنى السلبي للكلمة، أى الدراسة التى يكتبها أحد المتخصصين الأكاديميين دونما سبب واضح، ولا تتسم بأى شئ سوى أنها ” صالحة للنشر” لأن صاحبها اتبع مجموعة من الأعراف والآليات البحثية ( من توثيق ومراجع وعنعنات عملية موضوعية) تم الاتفاق عليها بين مجموعة من المتخصصين والعلماء. والهدف عادة من مثل هذه الكتابات (التى يُقال لها ” أبحاث ” مع أنها لا تنبع من أية معاناة حقيقية ولا تشكل “بحثا” عن أى شئ) هو زيادة عدد الدراسات التى تضمها السيرة العلمية للأكاديمى صاحب الدراسة، فتتم ترقيته، فالصالح للنشر هو عادةً ما يؤهل للترقية. قد تقوم الدنيا ثم تقعد وقد يُقتل الأبرياء وينتصر الظلم وينتشر الظلام، وصاحب “البحث” لا يزال يكتب ويوثق ويعنعن وينشر، ثم يكتب ويوثق ويعنعن وينشر، وتدور المطابع وتسيل الأحبار ويخرج المزيد من الكتب، ثم يذهب صاحبنا إلى المؤتمرات التى تُقرأ فيها أبحاث أكاديمية لا تبحث عن شئ ليزداد لمعاناً وتالقاً، إلى أن يُعيَّن رئيس المجلس الأعلى لشئون اللاشئ الأكاديمي، يتحرك فى عالم خال من أى هموم إنسانية حقيقية – عالم خال من نبض الحياة: رمادية كالحة هى هذه المعرفة الأكاديمية، وذهبية خضراء هى شجرة المعرفة الحية المورقة.
النموذج المعلوماتي التراكمي:
كتابات جمال حمدان ليس دراسات أكاديمية بهذا المعنى، وإنما هى دراسات عميقة كتبها مثقف مصرى ” صاحب موقف” لا يكتب إلا انطلاقاً من لحظة معاناة وكشف. وهو لاشك يتبع معظم الأعراف الأكاديمية ويستخدم كل الآليات البحثية من توثيق وعنعنة، ولكن الآليات هى مجرد آليات، والوسائل لا تتحول أبدأً إلى غايات، والمعلومات موجودة وبكثرة (وربما تفوق بمراحل ما تأتي به المراجع المعلوماتية) ولكنها مجرد معلومات. فنقطة البدء هى قلق وجودي عميق أدى إلى ظهور مشروع فكرى متكامل، والهدف يظل دائماً هو الوصول إلى الحقيقة وكيف يمكن تحويل الحقيقة إلى عدل.
ولذا فكل دراسات جمال حمدان هى دراسات إشكالية، محاولة للإجابة عن سؤال ما، وتصب كل الأسئلة فى مشروع فكرى واحد، محوره مصر. فجمال حمدان صاحب فكر وليس ناقلاً للأفكار مثل عدد لا يُستهان به ممن يسمون بالمفكرين في بلادنا، ممن جعلوا همهم نقل آخر فكرة وآخر صيحة، عادةً من الغرب “أولئك الذين يرون أن العالم هو الغرب … ولا شئ سواه، وهى النظرة الاستعمارية التى سادت طويلاً، والتى تركز على أن الدنيا هى أوربا Euro – Centric والآن على أوربا وأمريكا معاً Atlanto Centric أو الغرب بعامة “West Centric (ثلاثية حمدان، ص 23). صاحب الفكر هو إنسان قد طوَّر منظومة فكرية تتسم أجزاؤها بقدر من الترابط والاتساق الداخلى (فهى تعتبَّر عن قلقه وآماله)، ويكمن وراءها نموذج معرفى واحد – رؤية واحدة للكون. أما ناقل الأفكار، فهو إنسان ينقل أفكاراً متناثرة لا يربطها بالضرورة رابط، وتنتمي كل فكرة إلى منظومة فكرية مستقلة. وما يحدث فى كثير من الدراسات الأكاديمية أن كاتبيها يقومون بنقل الأفكار المتبانية ويعرضون لها، دون إدراك للنموذج المعرفى الكامن وراءها، أو مع إدراك كامل له دون أن يكترثوا بتضمنياته وتطبيقاته، فمهمتهم هى النقل (حتى نلحق بركب الحضارة الغربية) – نقل كل شئ بأمانة شديدة وحياد أشد، وموضوعية متلقية هى فى واقع الأمر تعبير عن موت القلب والعقل والضمير والهوية، والقدرة على الاجتهاد. فى هذا الإطار يحل السرد المباشر للأفكار محل عمليات التفسير بما تتضمنه من تفكيك وإعادة تركيب، ويختفى المنظور النقدي، فتتعايش الأفكار المتناقضة جنباً إلى جنب ولا يمكن التمييز بين الجوهري منها والهامشى. ونقل الأفكار ورصها دون إدراك لتضميناتها الفلسفية لا يختلف كثيراً عن نقل المعلومات ومراكمتها دون إدراك للمعنى الكامن وراءها والتحيزات القابعة داخلها والسياق الذى نبعث منه. ولذا فمثل هذه الدراسات “قد تنقل عمداً أو عن غير عمد وجهات نظر محدودة ومحسوبة سياسياً” (كما يقول جمال حمدان ص7) وهكذا يتحول المثقفون إلى أعضاء فى شركات نقل الأفكار التى لا تختلف كثيراً عن شركات نقل المعلومات أو حتى البضائع.
جمال حمدان لا ينتمي إلى هذه المدرسة المعلوماتية التراكمية التى استشرت تماماً فى صفوف الباحثين بسبب سهولة الإنتاج العلمى من خلالها ( استبيانات – جداول – تحليل سطحي للمضمون – استطلاع رأى – أرقام). ولا شك أن غياب المشروع الحضاري المستقل يزيد من انتشار هذا النموذج، إذ يحل التفكير السهل المباشر من خلال الكم المصمت محل التفكير المركب من خلال الرؤية والهوية والحلم والأمل، ويصبح التلقى المهزوم والإذعان (الموضوعى) للأمر الواقع بديلاً لمحاولة رصد الواقع بأمل تغييره وإعادة صياغته. وقد زحف هذا النموذج على المقررات المدرسية وفلسفة التعليم فى مدارسنا، ومن هنا التلقين، والدروس الخصوصية التى لاتعلَّم الطالب شيئاً، إذ أن المهارة الأساسية التى يكسبها هى مهارة اجتياز الامتحانات.
إن المدرسة المعلوماتية التراكمية معادية للفكر والإبداع، تدور فى إطار الموضوعية المتلقية السلبية، العقل عندها آلة ترصد وتسجل، وليس طاقة إنسانية مبدعة تعيد صياغة العالم، وهى لا تكترث بالحق أو الحقيقة لأنها غرقت تماماً فى الحقائق والوقائع والأفكار المتناثرة، ترصدها من الخارج دون تعمق ودون اجتهاد وكأنها أشياء مرصوصة، كمُُ لا هوية له، ولذا تفقد الظواهر شخصيتها ومنحناها الخاص.
من مقدمة الدكتور عبدالوهاب المسيري لكتاب اليهود: انثروبولوجيا للدكتور جمال حمدان.














