لن أنجب طفلي لأنني أعرفه جيداً, في البداية سيبدو ملائكياً, قليل البكاء, كثير النوم, معجزة بحجم اليد, وليدة حب نظنه عظيماً, و بعد أن يمر وقت ليس بطويل وقبل أن أدرك ذلك, سيقلد طريقة كلامي, و يرث رغما عنه حزن أبيه الغير مبرر و مخاوفي الكثيرة التي ستقض مضجعه ليلاً و تفسد صباحاته مهما كانت جميلة. ولأنه يشبهني سيسألني ما هي حقيقة الحياة يا ماما, سأجيبه بأنني لا أعرف, كل ما لدي هو حكايات قرأتها يوماً, و أفكار تشبه الهذي, و قناعات سرعان ما يفسدها الشك. فيقرر أن يهرب باحثاً عن الحقيقة بنفسه فالحياة الشاسعة في الخارج, سيحبو نحو الشمس و يقرر أن يقفز على ظهرها لحظة الغروب ليكتشف إلى أين ترحل ولأنه مثل أبيه يندفع بفضول ثم يمنعه تردده و حرصه من المضي قدماً لآخر الفكرة سيعدل عنها, ثم سيقضي ليالٍ طوال يتأمل شمساً بعيدة تبث في قلبه احتمالات أمل, و مجراتٍ سحيقة و نجومٍ متلالئة تطلب منه أن يندثر من أجلها, أن يتفتت إلى مئات الآلاف من الذرات كي يلمسها, انها الطريقة الوحيدة كي يفهم كنهها, و بالرغم من اقتناعه بالفكرة يدرك انه أكثر جبناً من تنفيذها تماماً مثل أمه, لذا يشغل نفسه بحب زميلته الجميلة, ولكن سيصيبه ذلك الشعور بالتقزز لأنه يشعر بالذنب تجاه زميلته القبيحة. لكن لن ينل منه الاكتئاب بل ربما شعور مبهم بخيبة الأمل سيصيبه دائماً ولأنه مثل أبيه سيجرب أن يحاربه و يحلم بالسفر بعيداً, لكن فكرة ساذجة ورثها عن أمه بأنه أبداً لن يمتلك العمر الكاف ليلف العالم كله كي تتلامس روحه مع كل البشر ستحبط حماسته. سيرث حب التمشية الطويلة من أبيه, و يمشي كثيراً كثيراً, و ينتابه شعور مزيف بالمعرفة سريعاً ما يحطمه الاحتكاك بالواقع فيعود إلى المنزل خالى الوفاض, ويغرق نفسه في الموسيقى و الرسم و يقرأ كثيراً من الشعر و يبكي كلما لامست كلمة رقيقة قلبه الهش, لكنه سينفر من ذلك كله لأن الرساميين لا يشبهون رسمهم و لأن الشعراء لا شيء مثل كلماتهم و الموسيقى نشوة مؤقتة ولأنه ليس هناك شيء حقيقي و هو يبحث كالمجنون عن شيء حقيقي و دائم يتشبث به, فلا يجد. ابني سرعان ما سيدرك بأن كل الأشياء بليدة و ساذجة و مؤقتة.
يعرف الكثيرين و يعرفه الكثيرون لإنه مثل أبيه يملك وجها يُصلح أن يكون صديقاً للجميع لكن يلتصق به شعور دائم بالميل للعزلة, فيقرر أن ينزوي بغرفته محاولاً التعبير عن أفكاره الغرة بالكتابة لكن بالتأكيد أسلوب كتابته رديء يشبه كتابة أمه فيملّ و يبحث في السماء عن من يتضرع اليه فلا يجد سوى فضاء رماديَ هلاميّ محتشداً بكتل كيميائية, بياضها مدنس بخطايا المدينة تتحرك في ضجر ان اطلت النظر, فيبكي, و يصرخ بأن تلك الحياة التي لا يريد, يبكي لأنه لا يعرف ما هي الحياة التي يريد, و بالرغم من حبه الفطري لى إلا إنه لا ينفك أن يشعر بالضغينة نحوي, حتى أن الكنزة الصوفية التي صنعتها من أجله اصابته بحكة جنونية فمزقها في غضب مكبوت, يحتقرني لأني بالنسبة إليه دمية فتحت رجليها للأب فى خنوع ليفعل ما يشاء دون أن أعي بأنني فى النهاية سألفظ خارج جسدي ذلك الكم الهائل من الأسى من غير أن أحظى بما يكفي من الحكمة كي أتعامل معه.