يوم عرفة ميدان السابقين إلى الله 🤍
من رحمةِ اللهِ تعالى بعبادِه أنْ فاضل بين الأزمنةِ في الفضلِ والشرف، فاصطفى منها ما شاء بحكمتِه البالغة واختار، قال سبحانه: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: 68]. وهذا التفضيلُ من تمامِ فضلِ اللهِ وإحسانِه؛ ليكونَ للمؤمنِ عونًا يتزوَّدُ به من الطاعات، ويُجدِّدُ به نشاطَه، ويزدادُ به قربًا من ربِّه، ورفعةً في درجاته.
غيرَ أنَّ المتأمّلَ في حالِ كثيرٍ من الناسِ يرى غفلةً ظاهرةً عن فضائلِ هذه المواسم، وجهلًا بقيمتِها، ومن أبرزِ دلائلِ ذلك: التفريطُ في اغتنامها، والانشغالُ عنها بما لا ينفع، فيُحرَمُ المرءُ بسبب ذلك خيرًا عظيمًا وأجرًا كبيرًا.
فالسعيدُ من فَقِهَ شرفَ الأوقات، وبادرَ إلى عمارتِها بالطاعة قبل أن تمضيَ ولا تعود.
وها نحن أمام يوم ليس كباقي الأيام، إنه يوم عرفة؛ التاسع من ذي الحجة. يوم تتنزّل فيه الرحمات، وتُكَفَّرُ فيه السيئات، وتُقالُ فيه العثرات، وتُستجابُ فيه الدعوات، وتُسكبُ فيه العبرات، ويباهي الله تعالى بعباده ملائكة السماء. وهو أعظمُ أيام الدنيا شأنًا، وأرفعها قدرًا، وأجلُّها منزلةً عند الله تعالى.
وقد اختصَّ اللهُ تعالى يومَ عرفة بمزيدِ فضلٍ وشرفٍ على سائرِ الأيام، وجعل فيه من النفحاتِ والبركاتِ ما يدعو المؤمنَ إلى تعظيمِه وحسنِ اغتنامه، ومن أبرزِ فضائلِه ما يأتي:
فضل يوم عرفة في القرآن والسنة
أقسم الله تعالى بهذا اليوم العظيم فقال: ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج: 2-3]
قال أكثر المفسرين: الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة.
وما أقسم الله بشيء إلا لعظمته.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اليَوْمُ المَوْعُودُ يَوْمُ القِيَامَةِ، وَاليَوْمُ المَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الجُمُعَةِ.(1)
«سمي يومُ الجمعة شاهداً، لأنه يشهد على كل عامل بما يعمل فيه، وسمي يومُ عرفة مشهوداً، لأن الناس يشهدون فيه موسم الحج، وتشهده الملائكة.(2)»
وقد فُسِّر قوله تعالى:{وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} [الفجر:3]. بأن «الوتر يوم عرفة، والشفع يوم النحر»
يوم عرفة: يومُ إكمالِ الدين، وموسمُ المغفرة
من أعظمِ ما امتاز به يومُ عرفة أنَّ الله تعالى أكمل فيه هذا الدين، وأتمَّ به النعمةَ على المؤمنين، فقال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3].
فاجتمع ليوم عرفة شرف المكان، وفضل الزمان، وكمال الملة.
عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : «أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَؤُنَهَا، لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا. قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا} قَالَ عُمَرُ: قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ»(3).
وفي هذا اليوم اكتمل بناءُ الإسلام، واجتمعت أركانُه، وطهَّر اللهُ البيتَ من الشرك وأهلِه، وأتمَّ نعمته على عباده بالمغفرة والهداية.
يوم عرفة: يومُ عيدٍ لأهل الإسلام
عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ، عِيدُنَا أَهْلَ الإِسْلَامِ، وَهِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ»(4)
غير أنَّ عيدَ المؤمن ليس غفلةً ولهوًا، بل هو اجتماعُ سرورِ القلب بخشوع العبادة، وفرحِ النفس بالقرب من الله.
صيام يوم عرفة يكفِّر سنتين
ومن أجلِّ فضائل هذا اليوم لغير الحاج: صيامُه؛ فقد قال النبي ﷺ: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ»(5)
أما الحاجُّ، فالسُّنَّةُ في حقِّه أن يُفطر؛ اقتداءً بالنبي ﷺ، ولأجل أن يتقوَّى على الذكر والدعاء والوقوف بعرفة.
أعظم يومٍ في العتق من النار يوم عرفة
وهو أعظمُ ما يُرجى في هذا اليوم المبارك؛ أن يُكتب العبدُ من عتقاء الرحمن.
عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، أن النبي ﷺ قال: « مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ »(6).
ليس هناك يومٌ في السنة يُعتق فيه من النار مثل هذا اليوم.
فأيُّ حرمانٍ أعظم من أن يمر عليك هذا اليوم وقلبك غافل؟
قال الإمام ابن عبد البر رحمه الله: «وهذا يدل على أنهم مغفور لهم؛ لأنه لا يباهي بأهل الخطايا والذنوب إلا من بعد التوبة والغفران، والله أعلم. (7)»
يقول الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله: «ويوم عرفة هو يوم العتق من النار، فيعتق الله فيه من النار من وقف بعرفة ومن لم يقف بها من أهل الأمصار من المسلمين، فلذلك صار اليوم الذي يليه عيدا لجميع المسلمين في جميع أمصارهم؛ من شهد الموسم منهم ومن لم يشهده؛ لاشتراكهم في العتق والمغفرة يوم عرفة.(8)»
إن العتق من النار في هذا اليوم ليس للحجاج فقط، بل لكل من تعرض لنفحات الله بصدق. فاجعل همك الأكبر أن يُكتب اسمك في صحائف المعتوقين.
الأعمالُ المشروعةُ في يومِ عرفة
صيامُ يوم عرفة لغير الحاج
لقد منّ الله على من لم يُكتب له الحج في هذا العام بفرصة ذهبية من أعظم القربات في هذا اليوم، لمحو سجلات الخطايا، وتطهير الصحائف.
قال النبي ﷺ: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ»(9)
ولكن تذكر أن هذا التكفير يشمل الصغائر، أما الكبائر فتحتاج إلى توبة نصوح، ومظالم العباد تحتاج إلى رد الحقوق.
الإكثار من الذكر والدعاء يوم عرفة
وهو أجلُّ أعمال يوم عرفة، وأعظمُ ما تُعمر به ساعاته. يوم الإلحاح على الله، والانكسار بين يديه، وسكب العبرات، وصدق المناجاة.
قال النبي ﷺ: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. (10)»
قال الإمام ابن عبد البر رحمه الله: «وفي الحديث أيضا دليل على أن دعاء يوم عرفة مجاب كله في الأغلب، وفيه أيضا أن أفضل الذكر: لا إله إلا الله. (11)»
«قال أسامةُ بنُ زيد: كنتُ رِدْفَ النبيِّ ﷺ بعرفات، فَرَفَعَ يَدَيْهِ يَدْعُو، فمَالَتْ به ناقته، فسقَطَ خِطامُها، فتناولَ الخِطامَ بإحدى يَدَيْهِ وهو رافعٌ يدَه الأخرى.(12)»
وأقرب الحجيج عند الله منزلة أكثرهم له ذكرًا، قال ابن القيم رحمه الله: «أن أفضل أهل كل عمل أكثرهم فيه ذكراً لله عز وجل، فأفضل الصوام أكثرهم ذكراً لله عز وجل في صومهم، وأفضل المتصدقين أكثرهم ذكراً لله عز وجل، وأفضل الحاج أكثرهم ذكراً لله عز وجل. وهكذا سائر الأحوال.(13)»
فينبغي للمؤمن أن يُكثر من:
سؤال الله الجنة والاستعاذة من النار.
الدعاء لنفسه ووالديه وأهله والمسلمين.
وأفضلُ الدعاء ما خرج من قلبٍ منكسر، حاضرٍ، موقنٍ بالإجابة.
التكبير في يوم عرفة وتعظيم شعائر الله
يُشرع في يوم عرفة الإكثارُ من التكبير المطلق في جميع الأوقات، ومن التكبير المقيَّد عقب الصلوات.
قال الله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: 28]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: هي أيامُ العشر.
ويبدأُ التكبيرُ المقيَّد عقبَ الصلواتِ المفروضة، من فجرِ يومِ عرفةَ إلى عصرِ آخرِ أيّامِ التشريق.
ومن صيغ التكبير المشهورة:
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
فالتكبير شعارُ هذه الأيام، وإحياءٌ لمعاني التعظيم والخضوع لله تعالى.
من أعظمِ ما ينبغي للمسلمِ في يومِ عرفة: حفظُ سمعِه وبصرِه ولسانِه عن كلِّ ما يُغضِبُ الله؛ فإنَّ كمالَ العبادة لا يكونُ إلا بصيانةِ الجوارح عن الآثام.
وقد رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: «هذا يومٌ، مَن مَلَكَ فيه سمعَه وبصرَه ولسانَه؛ غُفِرَ له»(14)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وفي إسناده مقال، لكنَّ معناه صحيحٌ تشهد له نصوصُ الشريعة في حفظ الجوارح.
فليحذرِ المؤمنُ في هذا اليوم من الغيبة، والنميمة، وإطلاقِ البصرِ إلى المحرَّمات، والجدالِ والخصومات؛ فإنَّ حفظَ الجوارح من تمامِ تعظيمِ هذا اليوم، ومن أسبابِ نيلِ مغفرةِ اللهِ ورضوانِه.
📌 انشرِ الفائدةَ؛ فالدالُّ على الخيرِ كفاعِلِه.
ولا تنسوا كاتب هذه الكلمات وقارئها وناشرها من دعوة صالحة بظهر الغيب.
أسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، أن يجعلنا وإياكم في هذا اليوم من المقبولين، وأن يكتبنا ووالدينا من عتقائه من النار، وأن يجمعنا مع نبينا محمد ﷺ في جنات النعيم.
وصل اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.