ما أتحدث عنه حين أتحدث عن الرياضيين
علينا جميعًا أن نصبح رياضيين، والآن. ولا أعني بذلك الجانب البدني فقط -على الرغم من أهميته- بل أعني أيضًا الجانب الذهني وأسلوب الحياة الذي يتميز به الرياضيين عن غيرهم.
في كل مرة أشعر فيها بتشتت الطريق أمامي وتفرّعه، أجدني بشكل أو بآخر منجذبة إلى عالم الرياضيين دون أن أدرك ذلك. أبحث وأقرأ وأتابع استراتيجياتهم وتحليل نتائجهم وإحداثيات جداولهم، بدءًا من عدد ساعات التمارين والأساليب الجديدة التي يتبعونها، وصولًا إلى نظامهم الغذائي وأوقات الراحة. لا شك أن مقدار الجهد البدني الذي يبذله أي رياضي في أرض الملعب أمر مثير للإعجاب، لكن الأداء الذي نراه في المباريات ما هو إلا انعكاس لعمل ذهني تمت دراسته وتكراره باستمرار حتى يصل إلى أعلى المستويات.
تشير الدراسات إلى أن أساليب الألعاب وسرعتها ولا سيما في رياضة الجري، ربما تكون قد بلغت حدها الأقصى تقريبًا، واقترب الرياضيون من أقصى سرعة يمكن للإنسان تحملها والوصول إليها. وهذا ما سيُصعب على الرياضيين مهمة تحقيق أرقام قياسية جديدة. ومن هنا، بدأ تركيز الباحثين يتجه بشكل أكبر إلى الجوانب الذهنية التي قد تُحدث فرقًا في الأداء.
فالقدرة الذهنية لا تقتصر على التخطيط أو التركيز فقط، بل تظهر بوضوح في اللحظات الحرجة، حين يقف جسد الرياضي كعائق أمامه من إكمال السباق، لكن رغبة الوصول إلى خط النهاية تطغى على ذلك الألم، ويستمر بالركض باعتماد كلي على دافعه الداخلي وإيمان تام بأن هذا الألم سيتفاقم إذا استسلم الآن، أو كما يقول هاروكي موراكامي: الألم حتمي، لكن المعاناة اختيار.
أما على الصعيد الشخصي، فإن الرياضيين يتفوقون على غيرهم في الجدية والصدق مع الذات. فهم يمتلكون وعيًا واضحًا بأهدافهم، ويضعون لأنفسهم خططًا دقيقة تضمن وصولهم إلى أفضل النتائج. ويتبعون أسلوب حياة منظم، حيث يلتزمون بجداولهم بصرامة، مما يساعدهم على تحقيق الاتزان النفسي والجسدي. هذا التنظيم ينعكس على شخصياتهم، فتجدهم أكثر انضباطًا في التعامل مع العقبات، وأكثر قدرة على مواجهة الصعوبات دون تهرّب أو تردد. كما أن وضوح مراحل حياتهم ينعكس على ملامحهم، ففي أوقات النجاح، تظهر الإشراقة والثقة في أعينهم، بينما تحمل أيامهم العادية طابع الاستقرار، أما فترات التحديات فتظهر كما هي، دون تزييف أو تهوين. وهذه الصراحة مع النفس تساهم في ثباتهم، وتجعلهم أكثر قدرة على التقدم، حتى بعد الإخفاقات.
وربما كل ما نحتاج إليه هو أن نتحلى بجزء من هذه الشجاعة، ونسقط الدروع التي نحتمي بها خوفًا من خيبات وهمية، قبل أن نخوض غمار تجربة الفوز والخسارة بكل ما تحمله من دروس.

















