لا أريد أن أستعجل الزواج لأني لا أود أن أقول بعد مضيِّ بضع سنوات ، لا شيء يدفعني للبقاء مع زوجتي سوى أولئك الأطفال الصغار الذين أنجبناهم .
لا أريد أن أستعجل الزواج لأني لا أود أن تمضي حياتي على نحوٍ روتينيٍّ قاتل، فأقضي صباح يومي في الكد ومساءً أعود كمجمل العائلات المغربية، أنتظر زوجتي لتعد لي العشاء، أتناوله وأنا أتابع نشرة الأخبار المسائية ثم أنام .
لا أريد أن تمضي حياتي في مطاردة أسواق الخضروات والفواكه، لأرضي زوجةً حين أعود للمنزل تنظر لما أحمل في يدي قبل أن تنظر إليّ.
لا أريد زوجةً لا تجادلني إلَّا في ضرورة التقشف لزيادة طابقٍ جديدٍ في منزلنا ، أو تغيير شيء من أثاثه .
أؤمن أن الحياة الزوجية تقتضي وضع الرأس فوق المقصلة طوعًا والتخلي عن كثير من الأحلام لتعويضها بالضروريات، ولست أكتب هذا النص للهروب من المسؤولية .
لكن ما أراه في المجتمع لا يطاق، أتساءل اليوم عن كمية الأزواج الذين لم يعد يربطهم ببعضٍ شيء غير أطفالهم كم..؟! وعن أولئك الذين كلما جلسوا على الطاولة للعشاء، لا يتحدثون إلَّا عن الماديات، هذا إن لم يتخاصموا أصلا .
ثم نكذب على أنفسنا، يظن الزوج أنه بخير مادام يقوم بدفع فواتير الإيجار ويؤمِّنُ الأكل والشرب للعائلة، وتظن الأم أنها كذلك مادامت تكنس وتطبخ وتعتني بالبيت .
وتمضي حياتهما على هذا النحو، دون أن تجمعهما جلسةُ نقاش واحدة حقيقية، دون أن تجمعهما لحظة عاطفية حقيقة، دون أن يتفقا ولو لمرةٍ على تأجيل شيء في مقابل تعويضه بسفر مجنون ..!
والكارثة أنهما يتصوران أنهما من أنجح الأزواج على الإطلاق،
وأنهما سعداء وبألف خيرٍ فقط لأنهما لا يتعاركان.
أهذه هي الرابطة المثينة؟! إن كانت كذلك فلا أريدها.
أتساءل فقط، ماذا سيحدث لو تراجع الزوج عن التفكير في تغيير سيارته، أو تأجيل صباغةِ المنزل في مقابل إستثمار المال في السفر؟! في إقتناء هدايا للزوجة والأطفال..؟! في تغيير الأجواء وعيش لحظة سعادة خالصة ؟! في مجارات الأطفال ومنحهم ما يودون دون التذمر من متطلباتهم، والقول أن ثمن هذه الألعاب باهظة . فأنا أتحدث عن لحظة لا تأتي يوميًا..؟! لما لا نجعلها إستثنائية، لما ننغصها دائما وكأننا لا نفعل ذلك عن طيب خاطر، بل مجبورين جبرًا؟!
أعلم أن أسرًا كثيرة تسافر ، ولكن دعوني أطرح سؤالًا، كم عائلة تسافر سفرًا حقيقيا ؟!
والسفر الحقيقي يقتضي أن تسافر الروح قبل الجسد، أن نترك الهموم والمشاكل والصراعات كلها جانبًا ونغتنم لحظتنا، حتى لو كان مابيننا خصاما ودمًا، نغير كل شيء فجأة ونحاول أن نلين، وأن نتبادل المشاعر الصادقة حتى تعود المياة لمجاريها.
أتساءل كم عائلة تجد فيها الزوج يخرج من الروتين اليومي القاتل ويغير طبعه الحاد، بهدية بسيطة، موقف جميل، كلمات رقيقة..؟!
أتساءل كم عائلة في المغرب تجد فيها الزوجة تُشعر زوجها بأنه ليس مجرد خادمٍ يشقى ويكد بالخارج، وأنه مايزال - ولو مرَّ عقد من الزمن على زواجهما- يحظى بمكانة خاصةٍ، مكانة الأمير المدلل وسط بيته، الأمير الذي تلتف حوله زوجته وتهبه من خالص دفئها وعاطفتها وجياشة مشاعرها الشيء الكثير.
أتساءل كم زوجًا يجعل زوجته تشعر أنها ماتزال صغيرته وطفلته المدللة، يحتوي ضعفها، ويسند ظهرها ليؤكد لها أن السنوات ولو مضت لن تغير في علاقتهما شيئا، فعبقها الفواحُ سيظل، وبريقها المتوهج لن يأفل، وأنها لن تكون مطلقًا محض كراكيب منزلية لا فائدة من تواجدها.
وأقول أخيرًا أن التعود ليس حبًا، وأن تحمل المسؤولية المادية لا يمنح دفئا، وأن الأسرة تبنى بالسكينة والإلتئام قبل الجدران والسقف.
#خالد_لخصيم


















