أستذكر عام 2020 السنة الماضية التي كان المميز بها رقمها ليس إلا، أما كل جوانبها الأخرى كانت مخيفة، كئيبة، مريعة انطبعت في ذاكرة كل منّا بكل ما حملته من سوء، كأنها أغنية شديدة الحزن عُزفت بالإنفجارات، و لُحنت بالكمامات، و وزعت في المستشفيات. هزت كيان العالم بأكمله، وجعلتنا صغار كالنمل نختبىء في جحورنا، من أقوى دولة بأسلحتها و إمكانياتها الى أصغر دولة، لم يقوى عليها مفتول العضلات ولم تنفع معها الأسلحة النووية التي يسعى العالم كله نحوها، فيروس جمد الحياة و جعلنا كالإنسان البدائي في حياة الكهوف، لكن ليس هذا كل شيء و ليس هذا المهم، المهم ما الذي تعلمناه من هذي الأزمة الكارثية؟
عن نفسي شخصياً تعلمت و فهمت و استوعبت و فطنت إن الحياة التي نعيشها تافهة لأبعد الحدود و لا تستحق منا يوماً واحداً من الحزن، و تعلمت أن الحياة لحظة قد تزول بثانية مثلما يأخذ الرياح حبة البذور و يقتلعها معه، تعلمت ان تقصيرنا تجاه ديننا خسارة كبيرة قد يفوت الأوان قبل أن نعوضها، تعلمت أن الحياة رحلة مؤقتة لا تضيعها بالحزن بل إفرح كلما حل يوم جديد، تعلمت منها أن الأهل أغلى مايملكه الإنسان فإجلس معهم و أعطهم وقتك و شاهد وجوههم الجميلة و تبارك في وقتك معهم فهنالك أشخاص يتمنون الأب و الأم، فلا تجحد بالنعمة و استمتع معهم قبل فوات الأوان، تعلمت أيضاً ان كان في نفسك شيء تود فعله فلا تأجله أبداً فلا تعلم ماذا سيحدث غداً أو حتى بعد ساعة، فلو كنت تريد شراء المثلجات اشتريها فوراً و تلذذ بها، ان كنت تريد لقاء عمك و عمتك اذهب و زرهم في نفس اليوم، وان كنت ترغب في السفر لبلدة معينة ادخر مالاً من الآن لكي تسافر و تعيش التجربة، فبإختصار لا تجعل من أي شي أمنية معلقة
و أكثر ما تعلمته هو "الحب" الحب بكافة أنواعه ومفاهيمه، حبوا بعضكم، حب الزوج لزوجته، حب الصديق لأصدقائه، حب الأبن لأمه و أبوه، و حب الأسرة لأبناءها، و الأغلى حب الغير الغرباء الذين نتعامل معاهم بشكل يومي مثل مندوب توصيل الطعام بإمكانك تحيته بشكل لائق و تخبره شكراً وحتى لو كانت هذه هي وظيفته يتلقى عليها راتباً، لكنك تشكره لتسعده و تسعد أنت بسعادته، و إن كان بإمكانك إعطائه بقشيش أو اكرامية فوقعها عليه جميل جداً و كأنك أعطيته الدنيا بأكملها، و لمن تصادفه في مكان عام او وانت داخل الى الأصانصير ان تحييه بتحية الاسلام السلام عليكم (تتمنى أن يكون بأمن و سلام) ولا تقتصر عمل هذه الاشياء للاشخاص العرب او من حالهم عالي اجتماعيا، لا بل سلم على حتى عامل النظافة و كاشير البقالة و كل جنسية، فنحن لسنا أفضل منهم ولا أعلى عنهم، كلنا بشر وكلنا سواسية، عطاء هذا النوع من الحب للناس هو أعظم حب. أما أغلى من أغلى حب هو حب الله، ستجد فيه راحة نفسية و أمان و طريق للسعادة و مزيل للهموم و اكتمال للنظافة الروحية ستجد كل هذه الأمور و أكثر مع الله فقط، فإستحالة تجد هذه الرابطة القوية بين بشر، أما مع الله هو حافظك الذي يحبك ويثق فيك و حتى لو أخطأت يظل يحبك و ينتظرك أم تعود له، فهو دائماً هناك يملأ الكون رحمة و عدل، انا لست شديد التديّن لكني أعرف ان السعادة الحقيقية لا تتحقق بالماديات و بالبشر، فنحن محدودين ضعفاء، السعادة الخالصة هي مع الله فقط، فإن كنت في ضيقة وهم إدعي له بقلب خاشع مخلص إطلب حاجتك أن يفرجها لك، و إن كنت مشوّش الفكر محتار في أمر زواجك أيضاً توجه لله ليساعدك و يلهمك، و ان كنت مريضاً لن يشفيك الدوا فقط ولا أفضل الأطباء سيشفيك الله فتضرع له، وكن دائم الحب مع الله، فحب الله ليس له حدود، وحب الله أسمى و أرقى حب
في الخلاصة، سنة ألفين و عشرين علمتني درساً رسخ في عقلي لا أنساه، أن حياتنا التي نعيشها بسيطة للغاية لا تستحق الزعل ولا العتب ولا اللوم ولا الهجران و لا الكره و لا القطيعة ولا العنف ولا التنمر ولا العنصرية ولا الخيانة، هي حياة الله خلقنا لنعيش فيها لفترة مؤقتة، فلنستمتع بكل نعمها و مباحاتها و نبتعد قدر المستطاع عن المبيقات، نتقرب من الله و نتقرب من انفسنا و أهالينا و أصدقائنا، فسيأتي وقت لا تفيد في كلمة "ياليت" او "لو" (ياليتنا جلسنا معاً، ياليتني لم أزعل صديقي، لو أستطيع أن أجلس معهم الآن، لو يعود الوقت للوراء، لو نفذت ذلك المشروع، لو سافرت للدولة التي أحبها قبل أن أصاب بالشيخوخة، ياليتني لم أجرحه بكلمة، ياليتني أعتنيت بأهلي، ياليتني تقربت الى الله)
في النهاية كما قال سعد عبد الوهاب و قالها بعده محمد منير "الدنيا ريشة في هوا" فعلاً هي كذلك تطير عما بسرعة، إما أن تلحقها و تعيشها بكل مافيها، أو يفوتك كل شي وتطير عنك ولا تعد تراها بعد الآن.




