لقد انتهى الأمر، لكنني لستُ الناجي الذي تظنونه. في تلك الليالي التي كان فيها جسدي يلفظ أنفاسه القديمة، حدث التغيير. لم يكن المرض زلزالاً عابراً، بل كان نحاتاً أعاد تشكيل طينتي من جديد. الذين عرفوني قبل، يبحثون الآن في عينيّ عن بقايا ذلك الشخص، فلا يجدون سوى مساحةٍ شاسعة من الصمت والجفاء.
أنا الآن غريبٌ عني، ملامح بصعوبة، لكنني أشعر أن هذا الجسد هو مجرد بدلةٍ ضيقة أرتديها رغماً عني. المرض انتزع مني شيئاً جوهرياً وزرع مكانه شيئاً آخر، شيئاً حاداً، بارداً، وربما مخيفاً. هل كان ذلك السقام هو منزعي الأخير من عالمِ الزيف؟ أم أنه كان الثمن الذي دفعته لأصير كائناً بلا ملامح؟
لا أحد يفهم كيف يمكن للحب أن يكون اغتراباً، وأنا في داخلي أرثي ذلك الإنسان الذي كان يضحك بسذاجة قبل أن يمسه السر. لقد تغيرتُ لدرجة أنني لا أهتز لمصيبة، ولا أفرح لمنحة. أدركت أن القوة ضعف، وأن الضعف كان هو الحقيقة الوحيدة الصادقة.
أنا الآن مصابٌ بالحقيقة. فانظروا في ملامحي جيداً، وأخبروني: هل ترون إنساناً عاد من الموت، أم موتاً قرر أن يمشي في جسد إنسان؟
بقلم فاروق حمدان













