( إنَّهُ لَكُم عَدوّ مُبين )
كان من تمام مكر الشَّيطان لابن آدم وشدَّة عدائه له قوله حين قال: (ثُمَّ لَأٓتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ وَعَنۡ أَيۡمَٰنِهِمۡ وَعَن شَمَآئِلِهِمۡۖ وَلَا تَجِدُ أَكۡثَرَهُمۡ شَٰكِرِينَ)
وها هو جاهد في تحقيق ما وعد به، مستدرجًا عباد الله بخطوات ماكرة لمرام مهلكة، داعيًا إيَّاهم بضعف إيمانهم لتتبُّع خطواته، صغيرة حتى تعظم وتكبر ! متسلحًا بمداخل مضلَّة مغوية.
ومن مكره أنَّه لا يُلقي جميع ما في جعبته بين يديك، بل يستدرج ابن آدم رويداً رويداً، فيبدأً به بالتَّوسُّع في المباحات، ومنها يهوِّن في قلبه الصَّغائر حتَّى يقع بها، وتكون بوابته إلى الكبائر، ثمَّ إلى أعظمها وهو الكفر بالله (يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشَّيطان).
فلا تغفل عن تحوُّلاتك وتنازلاتك، حتَّى لا تستيقظ وأنت على شفا الهاوية.
ولأنَّ التَّوبة تهدم كلَّ بنيان بناه وسيَّجه، أو جسر إلى جهنَّم رفعه وشيَّده فإنَّه يحاول أن يغشي على عينيك حجابًا من اليأس والقنوط من رحمة الله، وأنَّك لن تستطيع التَّخلُّص، فإن وجد منك إصراراً وعزيمة، خدَّرك بالتَّسويف وطول الأمل، وما ذاك إلَّا ليذلَّك؛ فتبقى أسيراً عنده، ذليلاً لشهواتك ورغباتك.
وكم من مغترٍّ بدينه، متوهمٍ صلابته، نفخ فيه الشَّيطان أوهاماً من القوَّة والقدرة، فبانت عجزاً وخوراً عند أوَّل فتنة، فاعرف ضعفك وإنسانيَّتك.
ولا أتقن منه لتبرير الأقوال وتسويغ الأفعال، فيوقعك في شراكه وأنت تظنُّ نفسك على خير وبرٍّ.
وكم هوَّن من أثر المعصية في قلب العبد، وأوهمه أنَّها تضيع في بحور الحسنات، حتَّى إذا ذاق حسرتها واصطلى بنارها، قال إنِّي بريء منه.
ولعلَّ أقوى مكائده وأخطرها أن يجعل طاعتك وعبادتك تثقل من كفَّة سيئاتك، فيبذر في قلبك إعجاباً بنفسك أو مراقبة لنظر النَّاس وإعجابهم بقدرتك وصلابتك في الكفِّ عن المحارم، فينقض الإخلاص في قلبك، ويجعل عملك وبالاً عليك، وأنت تحسب أنَّك تحسن صنعاً.