سَفَر الروح بين جلال الألوهيه وأُنْس الرحمانيه !! لأهله
( قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ )
لو كان في هذا الكون إله للجلال وإله للرحمة لتشتتت قلوبنا، لكن عظمة الآية أنها تخبرك بأن القويّ الشديد هو نفسه الحنون الرحيم
حين تقول يا الله،.... فأنت تطرق باب صاحب العظمة والسيادة، الإله الذي يخضع له كل شيء، لتستمد من هيبته القوة والمدد.
حين تقول يا رحمن ....فأنت تلتجئ إلى الودود الذي يفيض كرمًا ولطفًا، الإله الذي وسعت رحمته المؤمن والعاصي، والجماد والطير.
تجلي اسم (الله) يُميت الأنا المقصرة والادعاء بالملك، لأن جلاله قاهر يُشهد العبد فناءه التام وعجز أسبابه الدنيوية.
تجلي اسم (الرحمن) هو النهر العذب (الفرات) الذي يداوي الروح ويرفع عنها وحشة الخوف والتكليف، فيتذوق العبد حلاوة الطاعة والرجاء بلا وسواس.
اسم الرحمن تعلّق ببدء الخلق
فالله خلق الكون برحمته، وأوجدك من العدم برحمته، وأسبغ عليك النعم ظاهرة وباطنة قبل أن تسأله وقبل أن تعبده. فالرحمة سابقة للعمل. ........... الرحمن على العرش استوى
اسم الله يتعلق بالمنتهى والمآل
فهو الحَكَم، والملك يوم الدين، وإليه ترجع الأمور كلها للحساب والجزاء.................لمن الملك اليوم لله الواحد القهار
يقتضي وجود عابد يخضع، ويتذلل، ويمتثل للأمر والنهي.
يقتضي وجود مرحوم يضعف، ويخطئ، ويفتقر ليفيض الله عليه من واسع رحمته ومغفرته.
(. فأنت لست مَلَكاً معصوماً، ولست جماداً مسيراً. )
أنت كائن خُلقت لتجمع في قلبك بين العبودية الخاضعة لجلال الله، وبين الضعف الإنساني المستمِد لرحمة الرحمن ومن عجب هذا السر أن النقص البشري والخطأ يصبحان بوابة لشهود فيضان الرحمة، ولولا هذا النقص لما ظهر أثر اسم "الرحمن" في الوجود.
يدل على ذات الخالق من حيث هو مَألوه (أي معبود، بيده الأمر، ينهى ويأمر، ويحاسب ويجازي). هذا المقام يورث في النفس هيبة قد تصل إلى الخوف من التقصير.
هو المصل الوجودي الذي يداوي هذه الوحشة. هو يدل على أن أصل العلاقة بين الخالق والمخلوق ليست علاقة "قهر وسيطرة" فحسب، بل أصلها رحمة وود
أراد أن يخبرك أن ألوهِيته عين رحمته. فحتى تشريعاته، وأوامره، ونواهيه، وحتى حسابه وعقابه في الكون، كلها تنبع من رحمته. لا توجد قسوة مجردة في أفعال الله؛ بل كل جلال في الكون مبطن بـ جمال رحماني.
حرف (أو) هنا ليس لمجرد التخيير اللغوي، بل هو إذن إلهي برفع الكلفة.
كأن الحق سبحانه يقول لك: "أنا لا أنظر إلى قوالب الألفاظ، بل إلى قلوب العباد
إن تحرّك قلبك بجلال الألوهية فقل يا (الله)،
إن تحرّك قلبك بفيض الرجاء فقل يا (رحمن)..
فالوصول حاصل في الحالتين لأنك تقصد نفس الذات. هذا السر يحرر العبد من وسواس هل دعوت بالصيغة الصحيحة إلى فضاء أنا في حضرة من يسمع السر وأخفى
إن دعوت باسم (الله) مستشعراً عظمته وقهر ملكوته، تجلّى على واقعك بالقدرة، فنسف لك جبال الهموم، وأخضع لك الصعاب.
وإن دعوته باسم (الرحمن) مستشعراً فيضان لطفه، تجلّى على قلبك بالسكينة والبرد والسلام، حتى لو كنت في وسط النيران (كحال إبراهيم عليه السلام).
الله يتجلى عليك بحسب الاسم الذي ينبض به قلبك في لحظة الدعاء. أنت من يختار طبيعة التجلي من خلال عمق يقينك.
أن يتساوى عندك طعم المنع مع طعم العطاء، لأنك تدرك ببصيرتك أن اليد التي تمنعك باسم (الله) الجليل، هي اليد التي تحميك باسم (الرحمن) الحنون.
إن هاجمك الخوف من الغد، أو من طغيان البشر، فاهرع إلى حِصن الله؛ فالسلطان سلطانه، والأمر أمره، والملك ملكه.
إن داهمك الانكسار من ضعفك، أو من ثقل ذنبك، فارتمِ في رِحاب الرحمن فالفيض فيضه، واللطف عادته، والرحمة سبقت غضبه.
ارفع يديك، واطلق صرختك الوجودية: يا الله.. يا رحمن.. واعلم أن الأكوان قد سُخرت لتطبطب على قلبك بمجرد أن يئن قلبك بالطلب. طِب مقاماً وقرّ عيناً، فأنت في رعاية الجلال، ومحاط بأمان الجمال.
لا تنمق كلماتك، ولا ترتبك أمام جلال الموقف. ارفع يديك الآن، واطلق صرخة قلبك بأي الاسمَين شئت.. فالقِبلة واحدة، والباب فسيح لا يُغلق، والرب يسمع نبضك قبل أن ينطق به لسانك.