'' بريق الأمنيات.. وثقل الخسارات ''
ومن بين بريق يتلاشى ووجع يرسو يولد الفهم على مهل، ليس الفقد أن يرحل شيء من حياتك فحسب، بل أن يظل حضوره فيك قائماً
كأن الغياب لم يجرؤ يوماً على الاكتمال
نُطفئ أعماراً بأكملها في دواخلنا ونقنع أرواحنا أن ما انقضى قد انمحى
بينما الحقيقة الأشد قسوة أن بعض ما يرحل لا يغيب، بل يترسب في طبقات الروح، ويعيد تشكيل ملامحها في صمت لا يرى
كبرنا . .لا لأن الزمن مر بنا، بل لأننا حملنا في صدورنا ما يفوق قدرتنا على الاحتمال وأجلنا الانكسار إلى أن صار جزءاً من ملامحنا، صرنا نتقن الصمت أكثر مما نتقن البوح لأن اللغة مهما اتسعت، تظل أضيق من اتساع ما فينا من تعب، ولأن بعض الخيبات، حين تروى تفقد ثقلها الظاهر ولا تنصف عمقها الكامن، وما أشد المرارة حين تتحول الأمنيات التي كانت تمدنا بالحياة إلى أطلال نتجنب المرور بها
وكأن النظر إليها استدعاء لجراح لم تندمل
وفي لحظة لا يدرك الإنسان متى جاءت، ينكشف له أن الخذلان لم يكسر قلبه حين وقع، بل حين اكتمل فهمه له
حين أدرك أن ما ظنه وطناً لم يكن سوى محطة عابرة، وأن ما اعتقده يقيناً، لم يكن إلا احتمالاً تزين بالرجاء
ثم تمضي الأيام، ويخفت الضجيج في ظاهر الحياة، لكن في العمق يبقى ثمة موضع لا يهدأ، ركن بعيد في الروح لا يعرف السكون ولا يؤمن بالعودة
لكنه لا يكف عن النزف الصامت كلما مرت الذكرى، وما أقسى الحقيقة حين تتجلى متأخرة، أن الخسارات العظمى لا تأتي من الكبر، بل من الأشياء التي وثقنا بها حد اليقين وأقسمنا سراً أنها لن تخذلنا
ومن أشد أشكال الفقد فتكاً، أن لا تفقد الأشياء وحدها، بل أن تفقد قدرتك على الإحساس بها، أن تمر على الوجوه ذاتها، والأماكن ذاتها، والسماء ذاتها ولا يتردد فيك صدى الشعور القديم كأن جزءاً منك انسحب بهدوء ذات ليلة وترَكك مكتمل الهيئة من الخارج فقط
نحن لا نحزن على ما غادرنا فحسب بل نحزن على ذواتنا التي غادرت معه
على القلب الذي كان يثق بلا حساب
ويمنح بلا خوف ويؤمن أن النقاء كاف ليحمي صاحبه من الانكسار
ثم نتعلم لا لأننا أردنا .. بل لأننا أُجبرنا
أن الحياة لا تنصف الأكثر صدقاً دائماً
ولا تعيد التوازن إلى القلوب النقية
ولا تعتذر عما تركته خلفها من شظايا
وأشد ما يرهق الإنسان ليس ما ينجو منه، بل ما يبقى منه بعد النجاة ذلك الأثر الذي لا يرى والذي يعيد صياغة نظرته للعالم دون أن يشعر
فبعض الجراح لا تنزف دماً بل تنزف الإيمان وتسرق الدهشة وتترك في الداخل فراغاً يتقن التمثل بالحياة
وفي الليالي التي يخفت فيها كل شيء
لا نبكي ضعفاً بل لأن التماسك طال أكثر مما ينبغي ولأن الصمت امتلأ بما لا يقال حتى غدا البوح مستحيلاً
ثم يأتي الإدراك الأخير كحد فاصل بين ما كنا عليه وما صرنا إليه أن بعض الأمنيات لم تتأخر بل لم تخلق لنا أصلاً، وأن بعض الأبواب لم تكن مغلقة فقط، بل لم يكن خلفها أحد منذ البداية
وعندها . .لا يقع الانكسار بصوت، بل بانطفاء بطيء كشعلة أدركت متأخرة
أنها كانت تضيء وحدها في عتمة لم تردها
ويبقى الإنسان بعدها يمضي بهيئة الحياة ذاتها لكن بروح خفت نورها
يبتسم حين يلزم الابتسام ويتحدث حين يطلب الكلام ويبدو مكتملاً في أعين الآخرين . .
إلا أنه في الداخل يحمل فراغاً لا يملأ
وغياباً لا يعوض وجزءاً منه انطفأ دون أن يعلن رحيله أحد . . 🍂...&⚘️🎥 𝄞𝐍 𝄞 𓂆 1:15م