أحيانًا أشعر أنني استنزف نفسي بلا داعٍ. مُنيتُ وابتليتُ في الآن ذاته بانتباهي المفرط وشديد الحساسية للأشياء من حولي. أمشي في دنيا الله أتتبع ببصري قصص البشر المارين حولي، أنتبه، بلا مجهودٍ مني، لكل تفصيلةٍ ظاهرة وآخذها في عين اعتباري وأنا أنسج قصصًا وهيمةً أُسلّي -وأحيانًا أُعزّي- بها نفسي.
يمر بجواري رجلٌ متوسط العمر، رثّ الهيئة ومتهدّل الكتفين؛ فأُشفق لحاله وأقول في نفسي: لعله يُفكر في التزاماته تجاه زوجته وأولاده، لعل ضيق ذات اليد جعله يُهمل هيئته مقابل أن يُسدد مثلًا نفقات دارسة أولاده، لعله يُفكر كيف يُؤمّن لهم مالًا أكثر رغم أنه بالفعل يعمل ورديتين في مكانين مختلفين صباحًا ومساءًا.. لعله رغم كل شيءٍ ممتننٌ لستر الله عليه وعلى أسرته. يا رب ارزقه من واسع فضلك.
أرى شابًا وفتاة يبتسمان لبعضيهما في أُلفة محبين ويتهامسان؛ فأتمنى في نفسي أن تدوم بينهما الألفة إلى الأبد، أن ينتصر حبهما في معارك الزمن، وأن يمر عمرٌ طويلٌ بينهما ويتذكران تلك اللحظة، التي ابتسما فيها بأُلفةٍ وتهامسا، بامتنانٍ صادقٍ لكل قدرٍ قادهما لبعضيهما.
أرى سيدةً تشبه الأمهات المغلوبات على أمرهنّ، تجلس أمامي في المترو، تُسبّح الله، ثم أُفاجئ بها عند اقتراب محطتها تخلع العباءة التي ترتدي تحتها زيّ عاملات النظافة وتُجهز في حقيبتها الأشياء التي ستحتاجها أثناء عملها؛ تأسى لها نفسي وانتبه إلى اعوجاجٍ في إصبع قدمها اليسرى ظاهرًا من الشبشب الذي تنتعله؛ فأقول في نفسي: لعلها أُصيبت بهذا الاعجواج أثناء عملها الشاق، لعلها تُفكّر الآن في أولادها الذين تركتهم في البيت وذهبت كي تؤمِّن لهم وجبة الغداء من يوميتها. لعل تسبيحها لله يكون بابًا لفرجٍ كبير في يومها. يا رب ارزقها من واسع فضلك.
أرى طفلًا صغيرًا يضحك مع أصحابه، يبدو أنهم خارجين لتوّهم من درسٍ ما؛ فابتسم لرؤيتهم سعداء وأدعو لهم في نفسي بألّا تقسو عليهم الدنيا، بألّا تُقابل تلك البراءة سوى بالمحبة الخالصة.. ثم تتلبسني روح الأمومة، وأجدني أدعو لهم بالعلم النافع والصحبة الصالحة وولاد الحلال، وهلُم جرّا.
وهكذا طوال الوقت، أمشي موزّعةً قلبي لعباد الله الذين لا يعرفونني ولا أعرفهم! وأتساءل بعد كل يومٍ: هل بطبيعتي تلك أنا أستنزف نفسي أم أنني -ولأجل طبيعتي تلك تحديدًا- ما زلتُ أجد سبيلًا للنجاة؟