لم أكن أعرف متى بدأ المطر في تلك الليلة، ولا متى بدأت هي. ربما جاءا معاً، كما تأتي أحياناً الأشياء التي لا تستطيع تفسيرها إلا بعد أن تفقدها. ربما هي الاشياء هكذا تحمل غموضها معا في لحظة فارقة في الزمن، تأتي الاشياء تباعا مثل قطرات مطر تتسابق للوصول الى الارض الجافة ..
كانت تجلس قرب النافذة، لا تنظر إلى الخارج بل تُنصت إليه، كأن المطر يقول شيئاً تعرفه منذ زمن طويل وتحبّ أن تسمعه مرة أخرى. على الطاولة أمامها كوب شاي لم يبرد تقدر ان تشم فيه رائحة النعناع والهدوء ، وكتاب مفتوح على صفحة لم تكملها، وشيء آخر ، نوع من الدفء الذي يملأ الغرفة قبل أن تُدرك أنك كنت بارداً. قبل ان تعرف ان البرد كان يحتل تلك الغرفة لشهرين متتابعين، حين كان يسكن صوت اللاشيء في بقعة تحيا مع ذاتها كأنها ولدت مع الزمن نفسه ..
قالت دون أن تلتفت: "المطر يشبه الشعر. لا تعرف أين يبدأ، ولا تريد أن تعرف أين ينتهي."
لم أردّ. كانت تلك الجملة من النوع الذي لا يحتاج رداً ، يحتاج فقط أن تتركه يستقر في داخلك كالماء في التراب ، جملة تسقط على قلبك مثل دفئ مفاجئ بعد برد عميق مثل لحظة سكون بعد يوم متعب.
كتن ثمة مساحة في داخلها تتسع لأشياء لا تسع عادةً في إنسان واحد: أمانيها وأمانيك وأماني الغرباء الذين قابلتهم لثوانٍ في الشارع ونسيتَهم، هي لم تنسَهم. كانت تحمل الناس معها إلى البيت دون أن يعرفوا. كانت تحمل ذاكرة هشة ولكنها مليئة بالاماني والاحلام، تحمل معها فقط اغلى الافكار والاحلام والرؤى والذاكرة تبدو معها حالة خاصة مثل صندوق ثمين يجمع كل الأشياء برتابة وحب ..
أحبّت المطر بطريقة لا تشبه أحداً أعرفه. لم تحبّه لأنه رومانسي أو لأنه يُلهمها — أحبّته لأنه يسقط على الجميع بالتساوي. على الأثرياء والفقراء، على المحبّين والوحيدين، على السعداء الذين لا يستحقون كل هذا السعادة والحزانى الذين لا يستحقون كل هذا الحزن. قالت لي مرة: "المطر لا يسأل أحداً إن كان يريده." وابتسمت بتلك الطريقة التي تجعلك تشعر أن الكون أوسع مما ظننتَ بثلاث درجات على الأقل....
في الليل كانت تكتب. لا أعرف ماذا بالضبط — حروف أو كلمات أو شيء بينهما او شيئا مبهما او نصوصا تلدها هي بأنامل من حرير. كنتُ أراها من بعيد وأفكر أن يدها على الورقة تشبه يد شخص يضع راحته على وجه محموم ليسكّن الحرارة. كان للكتابة عندها دفء جسدي، شيء تشعر به في الهواء لا في الكلمات. كانت اصابعها الرقيقة تكتب وهي تستعيد الكلمات الضائعة في عقلها تبحث عن أفضل تعبير، لا بل كانت التعبيرات الادبية تجيئها مرغمة، كأنه اناملها كانت تبحث عن شيء أعمق من الكلمة، عن حرف لم يوجد بعد عن معنى لم يتكون في العالم، عن دهشة لم تخرج الى كنف الحياة ..
كانت تؤمن بأشياء بسيطة بجدية عميقة: أن للأماني وزناً حقيقياً وأن على المرء أن يحملها بحذر حتى لا تتكسّر، أن الشعر ليس ترفاً بل هو الطريقة الوحيدة التي يفهم بها القلب ما يعجز عنه العقل، أن المطر يغسل الهواء مما علق فيه من أحزان الناس طوال اليوم. كانت تقول هذا وعيناها جادتان تماماً، وأنا كنت أصدّقها تماماً، وهذا كان يُدهشني أكثر منها.
تلك الليلة، حين اشتدّ المطر على الزجاج، أغلقت الكتاب ونظرت إليّ أخيراً. كان وجهها في نصف الضوء شيئاً لا أعرف له اسماً بالضبط ، لم يكن جميلاً فقط، بل صحيحاً. كأن وجهها هو الإجابة لسؤال كنتَ تحمله منذ زمن دون أن تعرف أنك كنت تسأل. كان وجها من الوجوه التي تريد ان تسرح في تأملها لوقت طويل ، وجه تريد ان تقبله ان تعانقها وهو في مرمى بصرك، تخيل ان تقبل انسان وانت مازلت ترى كل وجهه، كأنك تعلو بعدك وتعيش في بعد آخر يتيح لك التقييل ورؤية وجه المحبوب معا ..
قالت: "أنا أسمع فيه كل الأشياء التي أتمنى أن تحدث ولم تحدث بعد."
وأدرتُ وجهي نحو النافذة حتى لا أُفسد اللحظة بأي شيء. بالخارج كانت المدينة تنام تحت المطر كطفل يغطيه أحد بعناية دون أن يوقظه، والمطر يسقط على الجميع بالتساوي، كما قالت هي، دون أن يسأل أحداً إن كان يريده!!
وأنا كنت أريده. كنتُ أريد كل شيء في تلك الغرفة — الشاي والكتاب المفتوح والضوء الواحد وصوت المطر وهي، خاصةً هي، بأمانيها الثقيلة وقلبها الأكبر من العالم ودفؤها الذي يؤلم ، انه يؤلم لأنه غير محسوس لأنه حالة تشبه الطيوف الساكنة تشبه رذاذ المطر وعناقيد الليل المضيئة، وحتمية الصمت في حضرة الجمال..
ذلك الكتاب الذي تدفق من بين اناملها لتضعها على الطاولة وتزيحه قليلا الى الامام وتلك التنهيدة التي خرجت لتعانق الليل، في الخارج الكائنات ساكنة والاشجار تتمايل والحروف تذوب في الكتاب على هيئة اضواء صغيرة، الكائنات تبدو في حالة عدم وصوت الحطب يغازل الصمت ويذكرنا بحتمية الزوال، قالت لي : من الأشياء التي تعذبنا في الحياة هي أننا لا ندرك الا بعد فوات الاوان، قالت ان الناس يعذبهم دائما ان يدركوا الاشياء بعد ان تحدث، ذلك يعذب النفس البشرية اشد عذاب لأنه كان دائما في متناول اعينهم وحواسهم ..
بدأ الليل ينثر غباره الاسود على المشهد وبقيت هي بضوءها والحطب الاسود المشتعل ونغمات المطر تذوب في رقصة من الشك واليقين معا ..