$LAYYYTER

⁂

★
🪼

pixel skylines
YOU ARE THE REASON
almost home
No title available
Sweet Seals For You, Always
h
i don't do bad sauce passes
One Nice Bug Per Day
Monterey Bay Aquarium
hello vonnie
sheepfilms

祝日 / Permanent Vacation

blake kathryn

if i look back, i am lost
Today's Document
2025 on Tumblr: Trends That Defined the Year
seen from Brazil
seen from Mexico

seen from Brunei

seen from United Kingdom

seen from United Kingdom
seen from China
seen from United States

seen from Malaysia
seen from United States

seen from Brazil

seen from United States

seen from United States

seen from United States
seen from United States
seen from Argentina

seen from Canada

seen from United Kingdom

seen from United States

seen from Malaysia
seen from Germany
@1177u
كود خصم ايهيرب
iherb discount code
#shipping #savings #vitamins #herbs #teas #supplements #promocode #rewardcode #iherb #iherb discount code 👇 📳DKZ5455📳 #كود_خصم_ايهيرب #ايهيرب #كود_ايهيرب https://www.instagram.com/p/CWw_c3_DCyb/?utm_medium=tumblr
#iherb discount code👇
DKZ5455
لن يفوتك ما قسمه الله لك ، كل ما فاتك لم يكن من نصيبك
👇
#كود_خصم _ايهيرب
👇
DKZ5455
التغيير سنة كونية
كل المخلوقات في الكون تتغير، فالتغيير سنة كونية: النجوم تولد و تموت و أعمارها متفاوتة، و الإنسان يولد و يموت و أعماره متفاوتة، و الليل و النهار يتعاقبان و يزيدان و ينقصان في الزمن على حساب بعضهما، و الزمن في السنة يتغير من خريف إلى شتاء إلى ربيع إلى صيف.
قال تعالى: { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ } [آل عمران-190].
و الإنسان يعيش في ذاته تَغَيُّرًا حتميا: فالخلايا في جسمه تولد و تموت و تتجدد، و يُخْلَق الإنسان من نطفة ثم يولد رضيعا ثم يكون طفلا ثم شابا ثم كهلا ثم شيخا في أرذل العمر ثم يموت، قال تعالى: { ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ } [المؤمنون-14].
الإرادة الكونية القدرية و الإرادة الدينية الشرعية
علماء السنة يقولون: الإرادة في كتاب الله نوعان: إرادة كونية قدرية، و إرادة دينية شرعية.
و الفرق بينهما أن الإرادة الكونية القدرية لا بد أن تقع، و أنها قد تكون مما يحبه الله كالطاعات، و قد تكون مما يبغضه الله كالمعاصي، و هذه الإرادة هي المطابقة لقولنا: ما شاء الله كان و ما لم يشأ لم يكن، أي لا يقع في الكون خير أو شر إلا بمشيئة الله.
و أما الإرادة الدينية الشرعية فلا تكون إلا مما يحبه الله، و قد تقع و قد لا تقع، لأن الله تعالى أعطى العبد اختيارا في الطاعة و المعصية. ولذلك أرسل الله تعالى رسله ليبينوا لعباده طريق الحق فيتبعوه و طريق الباطل فيتقوه، فالدين لا إكراه فيه، فقد يختار البعض طريق الطاعة، و يختار البعض الآخر طريق المعصية، و كل واحد مسئول عن اختياره يوم الحساب.
فالله سبحانه تعالى خلق الإنسان من عدم و سَخَّر له الكون و كَرَّمَهُ بحمل أمانة الاستخلاف في الأرض، و هو مُبْتَلَى و مُمْتَحَنٌ فيها بالخير و الشر، ثم هو ميت بعد ذلك ليلقى جزاء عمله في الآخرة، قال تعالى: { الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ } [الملك-2].
قانون التغيير الإلهي
إن الإنسان مجبول على سلامة وجوده يحب الخير لنفسه و يدفع الشر عنها، و هو مجبول على بقاء وجوده يحب الدنيا إلى درجة ينسى أنه سيموت و يفارقها، و يحب كمال وجوده يحب أن يمتلك كل شيء: وظيفة عالية، زوجة جميلة، اولاد أذكياء، قصر و خدم، سيارات و يخت في البحر، ضيعات و أموال في البنوك...
و لتحقيق كل تلك الرغبات قد يتنكر الإنسان لقيمه و أخلاقة، و ضميره و دينه، فيلهث خلف النجاح السريع و الكسب الحرام، فيفتح له باب الشهوات على مصراعيه، و ترتوي نفسه من اللذة الحرام حتى الثمالة. و فجأة يستيقظ الضمير، و ينادي منادي الدين في أعماق نفسه، يفتح عينيه، يريد أن يتغير... لا يستطيع التحرر من قيوده، كبلته الدنيا بأغلال محكمة: الشهوات!
التغيير حركة قلبية
يقول الله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ [سورة الرعد-11].
و يقول الله تعالى: { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ [سورة الأنفال-53].
فالتغيير نوعان: تغيير إيجابي: من المعصية إلى الطاعة (الذي ذكرته الآية الأولى) و تغيير سلبي: من الطاعة إلى المعصية ( أشارت إليه الأية الثانية).
دعامات التغيير الإيجابي
1- العلم
نحن نملك تصورات خاطئة عن آلاف القضايا و الموضوعات، هذه التصورات الخاطئة هي التي تحكم سلوكنا، و التصور الخاطئ يؤدي إلى سلوك خاطئ، و السلوك الخاطئ يؤدي إلى دمار في الدنيا و الآخرة.
فالتصورات الخاطئة تنشأ من مفاهيم مقلوبة تنتجها الثقافة الغالبة في المجتمع و يروج لها بكونها من سمات التطور و مهارات العيش الراقي في عصر الحداثة.
عن أبي هريرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ( سيأتِي على الناسِ سنواتٌ خدّاعاتٌ؛ يُصدَّقُ فيها الكاذِبُ، و يُكذَّبُ فيها الصادِقُ، و يُؤتَمَنُ فيها الخائِنُ، و يخَوَّنُ فيها الأمينُ، و ينطِقُ فيها الرُّويْبِضَةُ . قِيلَ : و ما الرُّويْبِضةُ ؟ قال : الرجُلُ التّافِهُ يتَكلَّمُ في أمرِ العامةِ ) [الألباني-صحيح الجامع).
هناك الكثير من الناس في عصرنا الحالي ممن يُزينون الباطل، و يُصدقهم الناس، يُصدَق الكاذب و يُكذَبُ الصادق، يؤتمن الخائن و يخون الأمين. المفاهيم انقلبت، و المقاييس انعكست، و الموازين اختلت، الإنسان الذي حصل على مال وفير من طريق غير مشروع يسمى شاطراً، و الإنسان الذي يرضي جميع الناس و ليس له قرار و لا مبدأ و لا عقيدة يسمى لبقاً، هو منافق، و الإنسان الذي يتفلت من منهج الله يعد من المجتمع المثقف المخملي الراقي.
و الرويبضة هم التوافه من الناس الذين يقولون أقوالاً باطلة على الله تعالى، كادعاء بعضهم أنّ القرآن ما نزل إلا لزمن مُعين، و لا يصلح للعمل به في زمن التكنولوجيا و التقدم، لا شك فهذا مُخالف لكتاب الله و لسنة نبيه، هؤلاء الأشخاص التافهين يؤثرون في غيرهم من الناس الذين ليس لهم إلمام بتعاليم الدين.
فالعلم هو بداية طريق التغيير و الانتقال من الضلال إلى الهدى، من الظلام إلى النور، و من الشقاء إلى السعادة.
فإذا أردنا الدنيا فعلينا بالعلم، و إذا أردنا الآخرة فعلينا بالعلم و إذا أردناهما معاً فعلينا بالعلم. و العلم لا يعطينا شيئا إلا إذا أعطيناه أنفسنا كلها، لأن طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا، فيربحهما معاً، و الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة، فيخسرهما معاً. فالجهل أعدى أعداء الإنسان، الجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به.
و مفتاح العلم السؤال، قال تعالى:{ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ [الأنبياء-7] فإذا أردنا معرفة منهج الله تعالى و أصوله و فروعه فعلينا أخذ هذه المعرفة من العلماء الربانيين.
2- هَجْرُ البيئة الفاسدة
من البديهي أن البيئة الفاسدة تحارب كل محاولة إصلاح أو صحوة أو يقظة لتغيير النفس و سلوك طريق الحق.
كل فاشل يحاول أن يُحْبِط الناجح، و كل فاسق يحاول فتنة الصالح، يحاول أن يحبط من أراد التغيير، إذا كانت هذه البيئة الاجتماعية تثبطنا نهجرها، ولو كان لنا فيها الصديق الحميم، إذا كانت هذه البيئة الاجتماعية تدعونا إلى المعصية نبصق عليها، إذا كانت هذه البيئة الاجتماعية تبعد همتنا عن طاعة الله نركلها بأقدامنا، المهم أن نتحرك، أن نقاوم بشدة و إصرار، فالطريق مليء بقطاع الطرق الذين يترصدون للحق لِيُدْحِضُوه، فليكن، المهم أن نتابع المسير و لا نلتفت إليهم، فوجهتنا إلى الله الذي فطر السموات و الأرض فهو حسبنا و عليه توكلنا، قال تعالى: { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾[العنكبوت-69].
فإذا هجرنا البيئة الفاسدة و خرجنا من ظلماتها، فلنتسلح بأسلحة التقوى و الصلاح: نقرأ و نتعاهد القرآن الكريم، نتصل بالله عز و جل، نذكر الله عز و جل، نعمل عملاً صالحاً، نُعَمَّر المساجد، نكون مع أهل العلم، إذا أحطنا أنفسنا ببيئة صالحة تدعونا إلى الله نجد انفسنا مساقين إلى الله، أما إذا أحطنا أنفسنا ببيئة فاسدة مُتَفَلِتَة مُحْبِطَةٌ ستحبطنا و تبعدنا عن الحق، فالحذر..الحذر..!
و قد حكى أحد العلماء أنه عرف رجلاً مدمن خمر، ذهب إلى بيت الله الحرام، و تاب توبة، و عاد إلى أصدقائه القدامى، و في بعض السهرات ألحوا عليه أن يشرب، فقال: معاذ الله، أنا تائب، فقال أحدهم: هذه خمسون ألف ليرة ثمن حجة أخرى، اشرب، فشرب، و انتهى الأمر، نَقِضَتْ حجته.
هناك فئة من الْمُحْبِطِين الْمقَنَّعِين يَدَّعُونَ الانتماء إلى أهل الصلاح، و لكنهم يتمسكون بمقولة: ساعة لربك و ساعة لقلبك! فالدين -حسب هذه المقولة- يسر، و الاعتدال في الدين غاية في الحياة كلها، و الإنسان خُلِقَ من طين و ليس مَلَكًا.. و كلها مفاهيم محرفة و مدسوسة من النظرة الجزئية للدين التي تطبق ما يحلو لها و يوافق هواها، فالإيمان في نظرهم محله القلب و الله لا ينظر إلى صورنا و لكن ينظر إلى قلوبنا، قال تعالى: { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَ مَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } [البقرة-85].
و هؤلاء هم المتنورون أنصار تحرير المرأة: فهي سيدة قراراها إذا شاءت ارتدت الحجاب و إذا شاءت خلعته فالإسلام دين الرحمة، و هؤلاء هم الذين فتنوا المغنية الأمريكية جنيفر غراوت التي أسلمت و كانت عازمة على السير في الطريق المستقيم حين التزمت بالحجاب و تركت الغناء لمدة ثلاث سنوات، و لكن ذئاب البيئة الفاسدة أفتوها بأن الغناء فيه اختلاف بين الفقهاء و الاختلاف رحمة، و هذا حق أريد به باطلا، فأقنعوها و فتنوها و عادت إلى الغناء ثم خلعت الحجاب و قالت إنها لن تغير دينها و ستبقى مسلمة، ثم وقع طلاقها من زوجها المغربي، و عادت مع ابنتها إلى موطنها في أمريكا، و صرحت للصحافة بأنها ستربي ابنتها و تعلمها ما تعلمته، و ستترك لها حرية تقرير مستقبلها: تكون مغنية أو حتى راقصة، فهي حرة في حياتها.
إن هذا تصرف و تفكير شخص يُحْتَمَلُ أن يكون رد فعل على صدمة تلقاها في بيئة متناقضة مزدوجة: ظاهرها الاستقامة و باطنها الفساد. و الله عز وجل أعلم بأحوال العباد. ندعو الله جل جلاله أن يردها ردا جميلا إلى مقام التقوى و الإحسان، و أن يريها الحق حقا و الباطل باطلا.
إن المحبطين المقنعين في البيئة الفاسدة هم أكثر خطورة من المحبطين الذين يظهرون على حقيقيتهم. يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله: "الفساد في الأرض هو أن تعمد إلى الصالح فتفسده، و أقل ما يطلب منك في الدنيا، أن تدع الصالح لصلاحه، و لا تتدخل فيه لتفسده، فإن شئت أن ترتقي إيمانيا، تأتي للصالح و تزيد من صلاحه، فإن جئت للصالح و أفسدته فقد أفسدت فسادين، لأن الله سبحانه و تعالى، أصلح لك مقومات حياتك في الكون، فلم تتركها على الصلاح الذي خُلِقَتْ به، و كان تركها في حد ذاته بعدا عن الفساد، بل جئت إليها و هي صالحة بِخَلْقِ الله لها فأفسدتها، فأنت لم تستقبل النعمة الممنوحة لك من الله، بأن تتركها تؤدي مهمتها في الحياة، و لم تزد في مهمتها صلاحا، و لكنك جئت إلى هذه المهمة فأفسدتها".
3- الصبر عن المعصية
الإيمان نصفان: صبر و شكر، و لما كان كذلك كان حريا بنا أن نعرفهما ونتمسك بهما، و أن لا نعدل عنهما، و أن نجعل سيرنا إلى ربنا بينهما، و الصبر في القرآن الكريم جعله الله جوادا لا يكبو و صارما لا ينبو و جندا لا يهزم، و حصنا لا يهدم. فالنصر مع الصبر، و الفرج مع الكرب، و العسر مع اليسر، قال الله تعالى: { وَ الَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَ عَلَانِيَةً وَ يَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ } [الرعد-22]. و هذه الأية تشير إلى حقيقة هامة جداً و هي أن صبغة الأخلاق ربانية فهي ليست أخلاقاً وضعتها قوانين بشرية أو مادية، و إنما أخلاق ربانية مصدرها الله سبحانه و تعالى، و الدافع إليها إرادة وجه الله تعالى. فالعبد لا يفعلها تحت رقابة بشرية حين تغيب ينفلت منها، بل يفعلها كل حين و على كل حال لأن الرقابة ربانية.
و قيل الصبر ثلاثة: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، و صبر على أقدار الله المؤلمة، و كل الأخلاق التي ذكرها الله عز و جل في كتابه الكريم تدور حول دعامة الصبر في مقامات الدين:
فالعفة: صبر عن شهوة الفرج والعين المحرمة،
و شرف النفس: صبر عن شهوة البطن،
و كتمان السر: صبر عن إظهار مالا يحسن إظهاره من الكلام،
و الزهد: صبر عن فضول العيش،
و القناعة: صبر على القدر الكافي من الدنيا،
و الحلم: صبر عن إجابة داعي الغضب،
و الوقار: صبر عن إجابة داعي العجلة و الطيش،
و الشجاعة: صبر عن داعي الفرار و الهرب،
و العفو: صبر عن إجابة داعي الانتقام،
و الجود: صبر عن إجابة داعي البخل،
و الْكَيْسُ: صبر عن إجابة داعي العجز و الكسل.
و هذا يدل على ارتباط مقامات الدين كلها بالصبر،
فقد اختلفت الأسماء و اتحد المعنى! و من هنا ندرك كيف عَلَّقَ القرآن الفلاح على الصبر وحده، قال تعالى: { وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَ حَرِيرًا } [الإنسان-12]، و قال تعالى: { أولئك يجزون الغرفة بما صبروا، و يلقون فيها تحية و سلاماً } [الفرقان-75]، و قال تعالى: { سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار } [الرعد-27].
فالصبر عن المعصية أشد أنواع الصبر وطأة على نفس المؤمن، و خصوصا المؤمن التائب الذي عزم على تغيير منهج حياته، و نقل هذا المنهج من الظلام إلى النور. صبر شديد و ثقيل عليه لأنه يواجه في طريق التغيير ثلاثة أعداء مجندين بخيلهم و رجلهم لأحباط صحوته الإيمانية: نفسه الأمارة بالسوء، و شيطان الجن، ثم شيطان الإنس الذي تدرب و تخرج من مدرسة البيئة الفاسدة. هذا الثالوث المخيف هو كابوس كل مؤمن يتوب إلى الله تعالى، و يعقد النية الصادقة على ملازمة الطاعة و البعد عن المعصية. فأهل الإيمان أشد الناس حاجة إلى الصبر لأنهم يتعرضون للبلاء والأذى والفتن، قال تعالى: { أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ } [العنكبوت-2].
مجاهدة النفس الأمارة بالسوء
من قواعد السلف المجمع عليها بينهم: أن النفس حجاب بين العبد و بين الله و أنه لا يصل إلى الله حتى يقطع هذا الحجاب. فالنفس تدعو إلى الطغيان و إيثار الحياة الدنيا و الرب تعالى يدعو عبده إلى خوفه و نهي النفس عن الهوى و هذا موضع المحنة و الابتلاء.
قال ابن القيم رحمه الله: " ففي النفس ثلاثة دواعي متجاذبة: داعٍ يدعوها إلى الاتصاف بأخلاق الشيطان من الكبر و الحسد و العلو و البغي و الشر و الأذى و الفساد و الغش، و داع يدعوها إلى أخلاق الحيوان و هو داعي الشهوة، و داع يدعوها إلى أخلاق المَلَك من الإحسان و النصح و البر و العلم و الطاعة" (مدارج السالكين). و لذلك قيل: أكبر الجهاد جهاد النفس، سأل رجل عبد الله بن عمر رضي الله عنه عن الجهاد؟ فقال: ابدأ بنفسك فجاهدها، و قال أبو الحسن السُّرى رحمه الله: " أقوى القوة غَلَبَتُكَ نفسك، و من عجز عن أدب نفسه كان عن أدب غيره أعجز " (ابو السري من علماء أهل الجماعة و السنة في القرن الثالث الهجري) و قال أيضا: " أحسن الأشياء خمسة: البكاء على الذنوب، و إصلاح العيوب، و طاعة علام الغيوب، و جلاء الرين عن القلوب، و أن لا تكون لما تهوى ركوب".
فمن ملك نفسه و قهرها و دانها عَزّ بذلك لأنه انتصر على أشد أعدائه و قهره و أسره و اكتفى شره قال تعالى: ﴿ وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [التغابن-16].
مجاهدة شيطان الجن
تتلخص مجاهدة شيطان الجن في الخطوات التالية:
- تصحيح المنهج و الاعتقاد و الفهم، باتباع كتاب الله عز و جل، و الاقتداء بالنبي صلى الله عليه و سلم على منهج السلف الصالح.
- اجتناب البدع و ذلك بالعلم ومعرفة السنن.
- التزام الجماعة التي تعتني بتصحيح المنهج و الاعتقاد، و الفهم و السلوك.
- تحقيق الإخلاص.
- الاستعانة بالله تعالى خير سبيل للاحتماء من الشيطان و جنده، هو الالتجاء إلى الله و الاحتماء بجنابه ( الاستعانة تكون بالقلب).
- الاستعاذة بالله تعالى من همزات و نزغات و وسوسة الشيطان ( الاستعاذة تكون باللسان).
- ذكر الله تعالى عمومًا يبعد الشيطان و يُنفره؛ قال الرسول صلى الله عليه و سلم: ( إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات، أن يعمل بهنَّ و يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهنَّ)؛ منها: (و آمركم بذكر الله كثيرًا، و مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعًا في أثرِه، حتى أتى حِصنًا حصينًا، فأحرَز نفسه منه، و كذلك العبد لا ينجو من الشيطان إلا بذكر الله)؛ [رواه أحمد والترمذي وابن حبان، وغيرهم، وصححه الألباني].
مجاهدة شيطان الإنس
شيطان الإنس لايوسوس كما يفعل شيطان الجن، و إنما يأتي عيانا و يدعو إلى المعاصي. ففي تفسير القرطبي: قال مالك بن دينار: إن شيطان الإنس أشد علي من شيطان الجن، و ذلك أني إذا تعوذت بالله ذهب عني شيطان الجن، و شيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى المعاصي عياناً.
و قد بين الله ما على المسلم أن يعامل به كلاً من شياطين الإنس و الجن، ففي أضواء البيان للشيخ الشنقيطي عند تفسير قول الله تعالى: { خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ، وَ إِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } [الأعراف: 199-200] بين الله تعالى في هذه الآية الكريمة ما ينبغي أن يعامل به الجهلة من شياطين الإنس و الجن. فبين أن شيطان الإنس يعامل باللين، و أخذ العفو، و الإعراض عن جهله و إساءته. و أن شيطان الجن لا منجى منه إلا بالاستعاذة بالله تعالى منه.
4- تزكية النفس
إن التزكية تشمل في معناها: أولا التخلية أي تطهير النفس من الرذائل و القبائح، ثانيا التحلية أي القيام بالطاعات و القربات وأعمال البر، و يرى علماء الاخلاق الإسلامية أن التخلية تسبق التحلية، إلا أن بعضهم عكس العبارة و قال: التحلي قبل التخلي، لأن ذلك أيسر و أسرع تنفيذًا، و أكثر أملًا للنفس التي فعلت خيرًا، فيدفعها إلى فعل المزيد من الخير لقوله تعالى:{ وَ الَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَ آتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾ [محمد-17].
غير أنهم قالوا إن مُزاحَمةُ المَعاصي القلبيَّة بطاعاتٍ قلبيَّة فتُجْدِي فيها دون أدنى شكٍّ التخْلِيَة قبل التزكية، كما في الأعمال الظاهرة تمامًا، فلا تجتمع المعصية القلبية و العمل القلبي الواجب، و لا يجتمع الحق و الباطل، و الهدى و الضلال، و الغي والرشاد، و الصدق و الكذب، و الصلاح و الفساد، فمَن والى الكفار عادى المؤمنين، و العكس بالعكس.
و القرآن الكريم قد بيَّن أنه ليس للعبد قلبان يطيع بأحدهما و يعصي بالآخر؛ قال تعالى: ﴿ مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ﴾ [الأحزاب-4]، و عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يجتمع الإيمان والكفر في قلب امرئٍ، و لا يجتمع الصدق والكذب جميعًا في قلب مؤمنٍ، و لا تجتمع الخيانة و الأمانة جميعًا ) [السلسلة الصحيحة].
و قال العلامة ابن القيم رحمه الله: "... فأنت تجد تحت هذا اللفظ أن القلبَ ليس له إلا وجهةٌ واحدة، إذا مال بها إلى جهةٍ لم يَمِلْ إلى غيرها، و ليس للعبد قلبان يطيع الله و يتبع أمره و يتوكل عليه بأحدهما، و الآخر لغيره، بل ليس له إلا قلبٌ واحد، فإن لم يُفْرِدْ بالتوكل و المحبة و التقوى ربَّه، و إلا انصرف ذلك إلى غيره" (روضة المحبِّين و نُزهة المشتاقين).
و في مباشرة العبد و معالجة قلبه بالتزكية، يقول شيخ الإسلام ابن تيميَّة رحمه الله : "و إذا قامَ بالقلب التصديقُ به و المحبةُ له، لَزِمَ ضرورة أن يتحرك البدَنُ بموجب ذلك مِن الأقوال الظاهرة و الأعمال الظاهرة، فما يظهر على البدَن مِن الأقوال و الأعمال هو مُوجَب ما في القلب و لازِمُه و دليلُه و مَعْلُولُه، كما أنَّ ما يقوم بالبدن مِن الأقوال و الأعمال له أيضًا تأثيرٌ فيما في القلب، فكلٌّ منهما يؤثِّر في الآخر، لكنَّ القلبَ هو الأصل، و البدَنَ فرعٌ له، و الفرعُ يستمدُّ مِنْ أصله، و الأصلُ يَثْبُتُ و يقوى بفَرْعه؛ كما في الشجرة التي يُضْرَب بها المَثَلُ لكلمة الإيمان" (مجموع الفتاوى (7/ 541).
فأعمالُ الخير - كل الأعمال - سواءٌ أعمال قلوبٍ، أو أعمال جوارح - كلما تحلَّى المرء بها، و امتلأ العقل و القلب و الجوارح بها أزاحتْ نسبة هذا الخير ما يقابلها تلقائيًّا و تدريجيًّا، و بدون عناءٍ، أو مجهودٍ يذكر؛ و كذلك كلما خلا القلبُ الذي هو مَلِك الجوارح و هي له تبعٌ - كلما خلا مِن الشر - حلَّ محله نسبة خيرٍ مساويةٍ للشر الذي قلع منه، و هذا أمرٌ يلْحَظُه كلُّ إنسانٍ منا في نفسه التي بين جنبيه يوميًّا، كلما فعل خيرًا شعر بنسبة سعادةٍ و اطمئنانٍ على قدر الخير الذي فعله، و شعر بنقصانِ نسبةٍ مساويةٍ تقريبًا من التعاسة و القلق الذي كان.
السلوك البشري هو قرار القلب
دائما و نحن نقرأ و نتعلم التزكية تطفو أمامنا بين السطور كلمات: القلب، العقل، الفؤاد، الجوارح، فكيف نفهم أن القلب مَلِك الجوارح و هي خدم له؟ و كيف يؤثر العقل في القلب؟ و كيف يؤثر الهوى في القلب؟ و كيف تتفاعل هذه العملية العجيبة داخل النفس؟ فمعرفة و فهم مكونات النفس، تساهم في الوعي بالسلوك البشري و ضبطه على منهج الإيمان.
و من أجمل التعاريف الجامعة لمكونات النفس: “القلبُ سلطانٌ يملكُ فارساً إسمه العقل ، و جواداً إسمهُ الفؤاد، وَ إدراك مدى صَلاحُ هذهِ المملكةٍ وَ دمارها يَتْحَدّد عِنْدَما يَرْكَبُ أحَدَهُما على الآخر“ (عدنان الغامدي).
ففي الحديث الذي رواه أبو عبد الله النعـمان بن بشير رضي الله عـنهما أنه سمع رسـول الله صلي الله عـليه و سلم يقول: ( ...ألا و إن في الجـسد مضغة إذا صلحـت صلح الجسد كله و إذا فـسـدت فـسـد الجسـد كـلـه ألا و هي الـقـلب). و إنما جيء بالقلب (المقصود هنا قلب جوهر النفس و ليس العضلة الصنوبرية) هنا لتقريب المفهوم للصحابة بأن النوايا الخفية و ما تحويه نفس الإنسان هي مناط صلاح العمل و فساده، فالعمل إن كان خالياً من النفاق و سوء النية فإنه يقبل و يصلح، و إن كانت النية فاسدة و النفس خبيثة أفسدت العمل كله، و هذا مصداق حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : ( إنما الأعمال بالنيات و إنما لكل امرئ ما نوى ) [رواه البخاري ومسلم.
ماهية القلب
قال تعالى: { أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَ لَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ } [الحج-46] فالقلب يعقل و يسمع و يبصر في حال الهدى، و العكس صحيح في حال الضلال.
فالقلب: هُوَ جِماع العقل وَ الفُؤَاد و قائدهما يُرَجِّحُ و يتبع العَقْل عندما يعتلي عَلى الشَّهْوَةِ (الفُؤَاَدْ) أو العَكْس ، و هو مَنَاطُ الإدْرَاكِ وَمَنْشَأ الفِعل و القَرار.
و سُمِّيَ القلب قلبا لكونه جوهر النفس، و لِتَقَلُّبِهِ بين الطاعة و المعصية.
وهذا مثال؛ كيف يتخذ القلب قراره:
قال تعالى: { خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَ عَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَ عَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ۖ } [البقرة-6].
هنا نلاحظ ارتباط القلب بالسمع و البصر و هذا يتسق مع القول بأن طغيان الفؤاد و استعلاءه حتى يصبح مصدر القرار الوحيد هو مناط النفاق و الكفر و السوء ، فالأفئدة التي يعد السمع و الأبصار منافذها تترك الحق و تتبع الباطل حين تكون الشهوة مقدمة على العقل فيكون الحق الذي يلج الفؤاد من السمع و البصر مكبوتا بفعل الغشاوة التي تقدم الشهوات و تحجب الحقائق عن الرؤية و السماع فيكون القلب مغلفا بغشاوة الفؤاد و هيمنته.
ماهية العقل
قال تعالى: { كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } [البقرة-242].
فالعقل: هُوَ وِعَاَءُ الْفطرة وَ أدَاةُ ضَبْطِ السُّلُوك البَشَري المَبْنيّ عَلى تَحْقِيْقِ فهم المُحِيْطِ المادّيّ ،وَ العَقْلُ السَّليم هو مَنَاطُ كُلَّ فِعْلٍ حَسَنْ إذا اسْتَعْلَى فِيه عَلَى الفُؤَادِ و ضَبَطَ سُلُوكَه.
و سُمِّيَ العقل عقلا لانه يعقل أي يقيد و يمنع الفؤاد من الطغيان. و العقل هو الفطرة التي تعرف الحق تلقائيا إذا سَلِمَتْ من تاثير البيئة.
وهذا مثال؛ كيف يؤثر العقل في قرار القلب:
قال تعالى: { أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ } [البقرة:75].
فيقول الله عز و جل مخاطباُ المسلمين ، أتأملون في اليهود خيراً و هم الذين كانوا يسمعون كلام الله و يستقر في عقولهم و يتسق مع فطرتهم و عقولهم ثم يعلون أفئدتهم و يقدمون شهوتهم و يكبتون صوت عقولهم فيعتدون على النص و يغيرون و يحرفون برغم علمهم بالحق الذي جائهم ، فإن كانوا كذلك فيما جيء به إليهم فكيف سيكون حالهم مع ما نزل إلى غيرهم ؟.
ماهية الفؤاد
قال تعالى: { وَ هُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصَارَ وَ الْأَفْئِدَةَ ۚ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ } [المؤمنون-78]
فالفؤاد: هُوَ وِعَاءُ الحَاَضِرِ الّذي يَتَلَقَّىَ مَاَ يَلِجُ فِيِهِ مِنْ خِلَالِ الحَوَاسّ، وَ هُوُ مَنَاَطُ العَواطف و الشُّعور مِنْ خَوْفٍ وَ حُبٍّ وَ رَجَاءٍ وَ بُغْضٍ وَ حِقْدٍ وَ رِضًىً وَ شَهْوَةٍ وَ سَعَادَةٍ وَ حُزْنٍ وَ نَحْوَ ذَلِكَ مِنَ المَشَاعِرِ البَشَريّة ، وَ هُوُ مُتَعَلّقٌ بِكُلِّ فِعْلٍ قَبِيْحْ إذا اسْتَعْلَى عَلَىْ العَقْلْ وَ تَقَدَّمَ عَلَيْه.
و سُمِّيَ الفؤاد فؤادا لتفؤده أي توقده و اشتعاله مثل النار
و هو لدى الشيطان أعلى قيمة و أقرب إليه.
وهذا مثال؛ كيف يؤثر الفؤاد في قرار القلب:
قال تعالى: { وَ أَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } [القصص-10].
و طالما كان الفؤاد مناط العاطفة فقد كادت أم موسى أن تبدي ماحدث لوليدها فرقاً و خوفاً عليه فكان الفؤاد سيفسد الأمر لولا أن الله أعلى العقل و مكنه على الفؤاد فحصل الربط على القلب فيتحقق الإيمان.
ما يظهر لنا من سلوك بشري إنما هو قرار القلب الناتج عن تمازج العقل و الفؤاد و تفاعلهما، فالعقل لا يطرح للقلب إلا الحق أما الفؤاد فمصدر رأيه العاطفة و الشهوة و الهوى و القلب يختار بينهما.
و خضوع القلب للشهوة خاصة و لبقية المشاعر عامة ينتج عن إعلاء الفؤاد على العقل فيجترح الباطل و يكبت صوت العقل و الفطرة ، فالقلب إما أن يأخذ من الفؤاد فيخضع قراره للعاطفة و الهوى و الشهوة ، أو يجعل العقل حاجزا بينه و بين الفؤاد فلا يمر شيء إلا أخضعه للعقل و وزنه بميزانه.
و الفؤاد ليس شراً محضاً فلولاه لفقد البشر قيماً سامية كالشفقة ، و المحبة و السعادة ، و قيماً حيوية كالخوف و الشجاعة و الحذر ، فيكون عضوا قيِّماً و سامياً عندما ينقاد و يخضع للعقل ، و يصبح بهيميا شهوانيا عندما يستعلي الفؤاد على العقل ، و كل ذلك بقرار القلب و رضاه.
قيمة الفؤاد لدى الشيطان أعلى من قيمة العقل فكان علو الفؤاد لديه سببا في حصول الكبر و الحقد و البغض في نفسه فمن أعلى قلبه الفؤاد و أقصى العقل كان من الشيطان أقرب بل و أسوأ ، و من أعلى قلبه العقل و أقصى الفؤاد كان إلى الملائكة أقرب بل و أفضل.
لذلك نفهم كيف أن هذه المشاعر مرتبطة بالتفؤد و الاشتعال و بالتالي فهي الموضع المفضل للشيطان الذي يشبهه في مادة خلقه و هي النار ، و لذا كان جريانه في ابن آدم مجرى الدم ، كما جاء في الحديث النبوي. فهذه المشاعر المتفئدة المشتعلة إذا غيبت العقل و انساق القلب خلفها أفضت لارتكاب الزلل والخطأ.
تقلب القلب
عن عبدالله بن عمرو قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ( إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء ) [صحيح مسلم].
و في رواية :ما من قلب إلاّ هو بين اصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أن يقيمه أقامه و إن شاء أن يزيغه أزاغه ، فكان العقل مناط الإقامة و الصلاح و كان الفؤاد مناط الهوى و الزيغ.
فقد أشار مفهوم الأصبعين إلى قدرتين أودعهما الله في قلب ابن آدم هما القلب و الفؤاد يقلبان رأي العبد و يغيران اتجاهه من عقيدة إلى أخرى و من سلوك إلى سلوك ، و إن أراد الله هداية عبد من عباده كبت فؤاده و أعلى عقله فلا يرى القلب أمامه سوى الحق فيذعن ، و العكس صحيح ، و في نهاية الأمر فإن القلب مالك الإرادة فهو ينوب عن النفس في الاختيار بين السبيلين (عدنان الغامدي).
الله تعالى يخاطب عقول العباد
و هنا نتمكن من فهم الرسالات ، فالله يخاطب برسالاته عقول العباد و يستحثها على الوقوف و التقدم على الهوى و العاطفة و الشهوة فينقلب قلب العبد من المعصية إلى الطاعة و من الكفر إلى الإيمان ، فإن أبى و فضل الركون للفؤاد و العاطفة فإن الله يمده بالقوة و المال و الحفظ و الخيرات ، فيظن المسكين أن منهجه حق و لولا ذلك لانتقم الله منه فيتمسك بكفره و يعتو عتواً شديداً ، و هنا يحق عليه القول فيبدو ما يحدث و كأن الله أضله و لكن الحقيقة أنه ضل بإرادته و رغبته بلا جبر و لا إرغام. قال تعالى: { فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ } [الأنعام-44].
5- ذكر الموت حافز للتغيير
إن بداية النجاح في التغيير تبدأ من تصور النهاية، لماذا قال عليه الصلاة و السلام: ( أكثروا ذكر هادم اللذات ) [ أخرجه الترمذي] يَعْنِي الْمَوْتَ.
مهما جمعنا من مال وفير فنحن على شفا حفرة في مقبرة، و هذا هو المصير، و نقرأ كل يوم نعياً لميت، و سيشيع هذا الميت إلى قبره، مهما اعتنينا بدنيانا فالموت يأخذنا إلى القبر.
حينما نبدأ من النهاية، حينما نبدأ من مغادرة الدنيا، ماذا ينفعنا المال الحرام إذاً؟ ماذا ينفعنا أن ننغمس في الملذات غير المشروعة؟ ماذا يمنعنا أن نعتدي على الآخرين؟ ماذا ينفعنا الكبر و احتقار الناس؟ ماذا ينفعنا القصر الواسع و السيارة الفخمة و الخدم و الحشم؟
قد نمر على ملهى، رُكِنَتْ أمامه عشرات السيارات، ماذا يوجد في الداخل؟ مطرب و راقصة، و خمر و طعام، هؤلاء لماذا دخلوا إلى هذا المكان؟ دخلوا لأنهم يتصورون أن هذا المكان يسعدهم، يتمتعون بأشياء كثيرة، لو أنهم علِموا علْمَ اليقين أنهم إذا تعرفوا إلى الله تعالى، و أنهم إذا أطاعوه، و أنهم إذا تقربوا منه، لغمرتهم سعادة لا يعلمها إلا الله، لسعوا إلى الله، هم يبحثون عن لذة، لو علموا ما في الدين من سعادة لتركوا هذه المعاصي، و اتجهوا إلى طاعة الله عز و جل، هذا هو الخطأ في التصور، لذلك أهل النار و هم في النار يقولون: ﴿ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾ [الملك-10] في الدنيا عطلوا أدوات معرفة الله: العقل و السمع باتباع الهوى و ما زينه لهم الشيطان، و في الآخرة حين وجدوا أنفسهم في النار، علموا أن أن هلاكهم كان في ترك الحق الذي عرفه العقل ، و الصمم الذي ضرب على آذانهم بسبب الهوى منعهم من تلقي آيات الحق و هي تتلى عليهم و قد وعاها السمع و لم تصل إلى القلب!
ففي ذكر الموت تصحيح للتصور، و في ذكر الموت محاسبة للنفس، و في ذكر الموت مرونة في السلوك و التغيير.
حينما ننشأ على تصورات غير صحيحة، و لا نغير و لا نبدل و نصر عليها، و نبتعد عن كل تصور جديد، و لا نقبل أن يعلمنا أحد، فنحن جمدنا سلوكنا و الجمود قسوة، و هذا ما يسمى التكلس العقلي و هو ضد المرونة.
و التصور الصحيح مُعَرَّضٌ لضربات الشيطان الذي يحاول جاهدا هدم بناءه، فهمزاته و نزغاته تتوارد على القلب كالقذائف الصاروخية، إذا أخطأ أحدها الهدف أصابه الآخر.
و من أخطر ما يزعزع صرح التصور الصحيح: الخواطر، فهي مبدأ كل فتنة. يقول ابن القيم رحمه الله: "مبدأ كل علم نظري و عمل اختياري هو الخواطر و الأفكار، فالخاطرة: تتحول إلى فكرة، و الفكرة إلى تصور، و التصور إلى إرادة، و الإرادة إلى فعل، و كثرة الفعل يصير عادة" (كتاب الفوائد).
و الخواطر أو الهواجس:
إما خواطر رحمانية في فعل الخير كأن تريد أن تذهب إلى عمرة أو تتصدق أو تحفظ القرآن الكريم أو تقوم بالدعوة إلى الله تعالى.
أو خواطر شيطانية كأن تمشي إلى مكان محرم و تفعل الحرام، و كأن تكون جالساً في غرفتك لوحدك ليس معك أحد، فتأتيك خاطرة شيطانية فتقوم و تفعل فعلاً محرماً.
و الخواطر الشيطانية يجب علينا إيقافها و منعها على الفور قبل أن تدخل إلى القلب، و إلا تغلغلت فيه و تحولت إلى فعل محرم و أصبحت عادة لا فكاك لنا منها.
و خير ما ندفع به الخواطر الشيطانية و نصدها هي ان نصنع في خيالنا خواطر رحمانية نتخليها و نفكر و نتامل فيها: نتخيل أننا مؤمنون كبار، نتخيل أننا حافظون لكتاب الله، نتخيل أننا دعاة موفقون، نتخيل أننا من أهل الجنة، فالخيال الرحماني أيضاً يعين على التغيير.
ومن لوازم تصحيح التصور و التغيير محاسبة النفس و متابعتها، ينبغي أن نتخذ قراراً، و أن نتابع أنفسنا، هل قصرنا؟ هل تفوقنا؟ قال تعالى: ﴿ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ﴾ [هود-114].
نعاقبها تارةً، و نكافئها تارةً، و نفرض عليها تارةً عقوبةً إضافية، نفعل ما فاتنا فعله مما عاهدنا الله عليه، لابد من أن نتعاهد قلوبنا، هكذا الإمام الجليل سيدنا عمر رضي الله عنه قال: تعاهد قلبك.
مهما كانت زحمة الدنيا، يجب أن يكون لنا وقت للتأمل، وقت للتفكر، فالتفكر و العلم يجدد الذكرى في القلب، و قد قيل: العلم خير من المال، لأن العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، و المال تنقصه النفقة، و العلم يزكو على الإنفاق.
و من لوازم تصحيح التصور و التغيير ان يورثنا علمنا خشية قوية في القلب، قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } [الملك-12] فخشية الله بالغيب هي خشية في مقام الإحسان: فانت وحدك في خلوتك، تستشعر مراقبة الله لك، لأنك إن لم تكن تراه فإنه يراك.
فالشيطان يتقوى علينا في الخلوة و في الظلام، و في الظلام تتحرك المعصية و يتحرك معها الشيطان، و في النور يتحرك أهل الله تعالى: أهل التقوى لأنهم يخشون ربهم بالغيب، و الشيطان يفر من النور و لا يطيقه. يقول الشيخ الشعراوي رحمه الله: "الفرق بين منهج الإيمان، و منهج الشيطان، الحادثة واحدة، و لكن الذي اختلف هو الحلال و الحرام. انظر كيف يتصرف الناس في الحلال .. في النور .. في الأمان، و كيف يتصرفون في الحرام و منهج الشيطان في الظلام و في الخفية و يحرصون على ألا يراهم أحد، و من هنا تأتي دقة التعبير القرآني .. "و إذا خلو إلي شياطينهم".
التغيير السلبي
ليسأل كل واحد منا نفسه: لماذا سَلَب الله عز و جل نعمة كان قد أعطاها لنا؟ قد يكون ابتلاءً لرفع الدرجات و اتخاذ الشهداء. و لكنه قد يكون شيئا آخر أحدثناه في قلوبنا!
ألم يقل الله عز وجل في كتابه الكريم: { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ } [الأنفال-53].
التغيير السلبي هو تحويل السلوك من حياة الصلاح و النعمة إلى حياة الضلال و النقمة، من حياة رضا الله إلى حياة غضب الله، فإذا غضب الله علينا سلبنا نعمه، و حلت محلها نقمه، حينذاك نعلن حالة الطوارىء و نبحث عن علاج أو دواء، فيعز الدواء، لأن نور الطاعة خرج من قلوبنا و حل مكانه ظلام المعصية.
فكم من نعمة أنعم الله بها علينا: نعمة الإيمان و الإسلام، و نعمة الصحة و العافية ، و نعمة العقل و العلم، و نعمة الأمن و السلام، و نعمة المأكل و المشرب، و نعمة المسكن و الملبس و المركب، و نعمة الزواج و الذرية و القرابة و الصداقة، و نعمة الوظيفة و المنصب، و نعمة السمع و البصر و اللسان و اليدين و القدمين... و غير ذلك كثير؛ كما قال سبحانه: ﴿ وَ آتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ الله لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾ [إبراهيم-34]، فما من نعمة ظاهرة أو باطنة، عامة أو خاصة، كبيرة أو صغيرة، إلا و هي من عند الله المنعم الجواد الكريم الرحيم بعباده.
معصية الصحيح و طاعة العاجز
كمال شاب يمني يعاني من إعاقة في قدميه المعوجتين إلى الخارج وصعوبة في الكلام، و مع ذلك لا تفوته تكبيرة الإحرام، يواظب على الذهاب إلى المسجد ليصلي الفريضة مع الجماعة، و لكي يدخل المسجد يزحف زحفا، حتى أن قدميه تؤلماه بفعل احتكاك الحذاء الذي يتقطع بسرعة، و يحرص على أن يكون في الصف الأول، و بعد صلاة المغرب يصعد درج المسجد بمشقة لكي يصل إلى الدور الثاني حيث يشارك في حلقة تحفيظ القرآن الكريم، و يضغط على نفسه ليستظهر القرآن على معلمه و لا يكاد ينطق كلام الله إلا بصعوبة، و بعد صلاة العشاء في الظلام الشديد يتشبت بأول مصل خارج المسجد ليساعده على الوصول إلى بيته مع إضاءة يدوية، يتمنى كمال أن يصلي الفجر في المسجد و لكن أهله لا يسمحون له لحالته الصحية.
نستنتج من تأمل قصة كمال الشاب اليمني المعاق:
1- أعظم ما يُزَيِّن و يُجَمِّل المعاق (حتى يكاد الناظر إليه ينسى أنه معاق) الإقبال على الله بتلاوة القرآن و الذكر و الصلاة و الحرص على اتباع سنة النبي صلى الله عليه و سلم و حضور مجالس العلم. فإن القلب إذا سكن كانت جنته في الأنس بالله، و ذاق لذة مناجاته و غمرته السعادة و نسي آلامه و همومه و بؤسه و حاجته في الدنيا.
2- لاحظنا كمال (و المذيع يدعو له بالجنه) كيف غمرته فرحة كبيرة عبر عنها بضحكة بريئة، فصبره كله على التعب و المشقة لأجل هدف واحد: الجنة! يا لها من همة عالية قل أن تجدها عند أغلب الأصحاء!
3- كمال شاب معاق محروم من نعمة الكلام بطريقة سوية و من نعمة المشي السوي، و رغم ذلك فهو حريص على الصلاة في المسجد و حفظ القرآن الكريم، لأنه مؤمن صابر على البلاء و شاكر في الضراء، بينما تجد كثير من الأصحاء يتقلبون في نعم الله تعالى، يجحدونها و يكفرون بها، فيضيعون الصلوات و يركضون خلف الشهوات و مبارزة الله تعالى بالمعاصي في الخلوات.
4- إن حرص كمال (و هو المعاق العاجز) على طاعة الله تعالى (و هذه نعمة أكرمه الله تعالى بها) كل يوم و بهمة و صبر عجيب على المشقة، يدل على حبه لله تعالى و لرسوله صلى الله عليه و سلم، و في سبيل حب الله عز و جل يهون كل ألم و كل تعب و كل مشقة و تهون الإعاقة، و قد أحسن المذيع جزاه الله خيرا، حين صور حب كمال لربه عز و جل و رضاه، و صبره على قدره بالأبيات المأثورة عن العباد الزهاد: معرفتهم بالله تعالى ترقى إلى محبة، فتصبح مرارة الأقدار حلاوة:
عذابي فيك عذب
و بعدي فيك قرب
و أنت عندي كروحي
بل أنت منها أَحَبُّ
حسبي من الحب أني
لما تحب أُحِبُّ
قال اللَّه: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ [سبأ- 19]. صبار على المكاره و الشدائد، يتحمَّلُها لوجه الله، و لا يتسخَّطها؛ بل يصبر عليها. شكور لنعمة اللَّه تعالى يُقِرُّ بها، و يعترف، و يُثني على مَنْ أولاها، و يصرفها في طاعته (تفسير السعدي).
و لكن كثير من الأصحاء على نقيض ذلك لم يصبروا على المكاره و لم يشكروا نعم الله تعالى، و لم يعترفوا بها بل جحدوها و كفروا بها و صرفوها في معصية الله فكان العقاب: سخط الله تعالى و زوال النعم.
5- بعض الأصحاء ينظر إلى المعاق فلا يحمد الله تعالى على نعمة العافية: فقد عافاه الله مما ابتلى به هذا المعاق، و قد يدخله العجب بقوته والغرور بما عنده فيزدري هذا المعاق، و لا يدري أن المعاق قد يرزقه الله عز و جل مجدا و رفعة لا يصل إليها أكثر الأصحاء، ففي حياة بعض الصحابة و التابعين و تابعيهم عبرة و ذكرى:
- ابن ام مكتوم رضي الله عنه كان مؤذنا لرسول الله صلى الله عليه و سلم و هو أعمى.
- الصحابي ربعي بن عامر رضي الله عنه كان شديد العرجة لكنه كان من أهل الرأي و السياسة.
- محمد بن سيرين رحمه الله كان عنده إعاقة سمعية و كان عالما بالحديث معبرا للرؤى.
- عطاء بن رباح رحمه الله كان أشل أعرج و كان عالم مكة و فقيهها يتدافع الطلاب في حلقته.
- الترمذي رحمه الله الإمام الحافظ صاحب المصنفات المشهورة كان أعمى.
- و في زماننا شيخنا الإمام عبد العزيز بن باز رحمه الله كف بصره في الصغر و اجتهد و صابر حتى حاز رئاسة العلم و كتب له القبول في الأرض و رضيته الأمة.
ماذا غَيَّرْنَا حتى غَيَّرَ الله تعالى؟
- كفر نعم الله تعالى: النعمة إذا شُكرت قرَّت، وإذا كُفِرت فرَّتْ، فشكر الله تعالى على نِعَمِه و عطائه حافظٌ للنعم الموجودة، و جالبٌ للنعم المفقودة، قال تعالى: { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَ لَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ } [إبراهيم-7].
- الإعراض عن كتاب الله تعالى: فكتاب الله بيننا نعمة من أجلّ النعم؛ فيه الخير و الهدى و النور، قال تعالى: ﴿ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَ كِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَ يَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [المائدة:15-16]. فمن أعرض عن كتاب الله، و هجره و نبذه وراء ظهره، فقد أنكر فضل الله و نعمته. و من خالف كتاب الله و أعرض عن أحكامه و أخلاقه، فقد جحد نعمة الله عليه. قال تعالى: ﴿ وَ مَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [البقرة-211].
- الانحراف عن الطريق المستقيم: فالهداية إلى الطريق المستقيم نعمة لا تقدر بثمن، مَن حُرِمَها فقد خاب وخسر في دنياه وفي أخراه.
- التكاسل في الطاعات و القربات: لقد خلق الله تعالى الإنسان و استعمره في أرضه، و أمره الله بعبادته و سخر له كل النعم في تحقيقها، قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات-56].
- توظيف النعم في معصية الله عز و جل: فكم من الناس قد جحدوا نعمة الله و بدلوها كفرا و جورا و ظلما و فسادا و طغيانا، كما قال ربنا سبحانه: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ﴾ [إبراهيم-28].
- عدم الاعتراف بِالْمُنْعِمِ جل جلاله: فمِن جُحُود النعمة أن يُصابَ صاحبها بالغرور، فيَظن أن ما به من نعمة فبفضل قوته أو علمه أو ذكائه و تخطيطه، و ينسى خالقه و رازقه، فلا يعترف بفضله، و لا يشكره على عطائه، و لا يقوم بحقه عليه. مثل قارون الذي أصابه الغرور و أنكر فضل الله عليه، قال تعالى: { قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَ أَكْثَرُ جَمْعًا وَ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ } القصص-76].
فما أروع جمال عاقبة الشكر و الاعتراف بالنعم، و ما أفظع عاقبة الجحود و كفران النعم، فالجزاء من جنس العمل، و قد قال ربنا سبحانه: ﴿ إِنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكُمْ وَ إِنْ أسَأْتُمْ فَلَهَا ﴾ [الإسراء-7] و قال عز وجل: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ أسَاءَ فَعَلَيْهَا وَ مَا رَبّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ [فصلت-46].
و في أوج المحنة، ينكسر القلب... يندم و يتألم و يتعذب، و يتساءل: أهي النهاية؟ أليس هناك من منقذ يرأف به؟ بلى! هو الله جل جلاله لا ملجأ و لا منجى إلا إليه يقول لك: { ﴿ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ كَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا، وَ لَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَ لَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَ هُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ [النساء: 17-18].
المسلم الحقيقي لابد و أن يكون بصيرًا بأفعاله، فإذا أخطأ و لم يتب، عَلِمَ أن عقوبة الذنب آتية لا محالة، إلا أن يعفو الله عز و جل، و على هذا فليعلم أنه إذا زالت عنه نعمة، فهذا بسبب ذنب من ذنوبه، و هذا يدعوه إلى أن يرجع إلى ربه، و يتوب بسرعة و ينيب، فجحوده بالنعمة حوله من حال أحسن إلى حال أسوء، و حتى يغير الله تعالى ما صار إليه، يجب عليه أن بباشر توبته بسرعة و العزم على تغيير سلوكه مصداقا لقوله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ [سورة الرعد-11].
علم المستقبل: المفهوم و الدلالات
علم المستقبل هو علم حديث يعتمد أحدث المعطيات الاقتصادية و العلوم المتطورة و التقنيات المتقدمة لتصور ما يكون عليه العالم بعد عقد و عقدين.
و للدراسات المستقبلية معانٍ و مرادفات عدّة منها عِلم المستقبل، بحوث المستقبليات، دراسات البصيرة، بحث السياسات، التنبّؤ التخطيطي، التحرّكات المستقبلية، المنظور و المأمول المستقبلي، التنبّؤ المشروط المستقبلي.
و يعتبر عالم الاجتماع الأمريكي جيلفيلان s.gilfillain أول باحث استخدم تعبير علم المستقبل science of the future في أطروحة تقدم بها إلى جامعة كولومبيا لنيل درجة الدكتوراه عام 1920 و كان قد استخدم في مقال له عام 1907 مصطلح mellontology و هي كلمة لاتينية تعني أحداث المستقبل... كما أطلقه عام 1943 عالم السياسة الألماني أوسيب فلختايم ossip felecchtheim الذي كان يدعو لتدريس المستقبليات منذ عام 1941، و كان يعني به إسقاط التاريخ على بعد زمني لاحق. يقول فلختايم الملقب «بأبى المستقبلية» فى حوار نشرته ألفيجارو الفرنسية فى 18 مايو 1974: «إن المستقبل هو البعد الذى سنكون فيه بالضرورة، و لكنه أيضا البعد الذى سيكون فيه أطفالنا و افكارنا و تنشأ فيه حياة الملايين غيرنا. نعم الفرد يموت لكن لماذا لا يحيا آخرون بطريقة أفضل و اكثر إنسانية؟»
و قد انتقد العالم الهولندي فريد بولاك fred bolak هذا المصطلح على أساس أن المستقبل مجهول فكيف نرسي علما للمجهول.
عندما سئل أينشتاين عن سر اهتمامه بالمستقبل رد قائلا: “ببساطة لأننا سنعيش بقية عمرنا هناك”، و في عام 1971، نشر المنشق السوفياتي أندريه أمالريك كتابه المشهور: هل سيبقى الاتحاد السوفييتي حتى عام 1984؟، و توقع فيه أن ينهار الاتحاد السوفييتي عام 1984، و بنى توقعاته بعد تحليل الأوضاع الاقتصادية و السياسية و الاجتماعية و شبكة علاقات الاتحاد السوفياتي الدولية بخاصة مع الصين و الولايات المتحدة، و وضع احتمالين للشكل الذي سيأخذه الانهيار، و يمكن القول أن جزء من كل شكل هو ما وقع فعلا. فقد جاء غورباتشوف للسلطة عام 1985 و بدأ مسار الانهيار السوفياتي الذي اكتمل عام 1991.
استشراف المستقبل و علم الغيب
مفهوم علم استشراف المستقبل هو علم حديث و جهد علمي منظم يدرس الماضي و الحاضر ليتوقع المستقبل من خلال سنن الله في خلقه.
فالدراسات الاستشرافية لا تهدف إلى التنبؤ بالمستقبل بل إلى التبصير بجملة البدائل المتوقعة التي تساعد على الاختيار الواعي لمستقبل أفضل.. و الاستشراف ليس تنبؤاً و تكهناً بالمستقبل أو اطلاعاً على الغيب، و ليس القصد بالاستشراف علم الغيب، فهذا علمه عند الله وحده و هو المتصرف في الكون.
و الحقيقة أن الغيب يقاوم الخرافة، و لا يسمح لها أن تستقر، فالخالق سبحانه، قصر علم الغيب على نفسه، و بالتالي فالبشر جميعا متساوون أمام علم الغيب، لذلك جاءت الآية الكريمة : { عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ } [الجن-26] حيث دارت الأساطير حول معرفة الجن بالغيب، و هو وهم اتخذه البعض ليعبد الجن ظنا منهم أن عنده علم الغيب.
الإعجاز الغيبي في القرآن الكريم
الإعجاز الغيبي هو إخبار ما غاب عن النبي محمد صلى الله عليه و سلم و قومه مما لم يشهدوه من حوادث وقعت، أو لم يحضروا وقتها، فلم يكونوا على علم بتفاصيلها، و هو يشمل غيب الماضي و غيب الحاضر و غيب المستقبل.
1- غيب الماضي: هو إنباء القرآن الكريم عن الأخبار التي وقعت في الماضي السابق لزمن النبي محمد صلى الله عليه و سلم ، و من الأمثلة على هذا النوع من الإعجاز الإخبار عن قصص الأقوام السابقين و الأنبياء، و ما ورد من معلومات و روايات و تفصيلات تتعلق بهم، قال الله عز و جل: { تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَ لَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ } [هود:49]. و من الأمثلة على هذا النوع من الإعجاز هو إخبار القرآن الكريم بالتفصيل عن قصة النبي موسى مع فرعون و هروبه مع الذين آمنوا معه حيث ذُكرت هذه القصة في الآيات 76-92 من سورة يونس. و قد خُتمت القصة بقول الله تعالى إلى فرعون : { فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً وَ إِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ }.
2- غيب الحاضر: هو إنباء القرآن الكريم عن المغيبات التي حدثت في عهد النبي محمد صلى الله عليه و سلم، فقد كشفت الآيات القرآنية الكريمة مؤامرات الكافرين و المنافقين و مكائدهم قبل تنفيذهم لها.
3- غيب المستقبل: هو إخبار القرآن الكريم بأمور كثيرة ستقع في المستقبل في زمن النبي محمد صلى الله عليه و سلم، و من أمثلة الإعجاز الغيبي في القرآن إخبار القرآن عن انتصار الروم على الفرس، في قوله :{ الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الروم: 1-5]، و قد حدث ما أخبر به الله سبحانه من انتصار الروم على الفرس، و كان ذلك وقت غزوة بدر.
استشراف المستقبل في السنة النبوية
كان استشراف الرسول صلى الله عليه و سلم للمستقبل في كافة المجالات، في المجال التشريعي و الاجتماعي و التربوي و الدعوي و العسكري و السياسي و الاقتصادي، و في ذلك شواهد كثيرة من الأحاديث النبوية الشريفة التي تتناول هذه المجالات.
إن أخبار المستقبل في السنة النبوية تختلف عن استشراف المستقبل بالجهود البشرية الصرفة، لأن الأخير يمثل جملة من الافتراضات و الاحتمالات القابلة للخطأ، في حين أخبار المستقبل في السنة النبوية وحي سماوي لا مجال للخطأ في تقديراته. و لقد تضمنت أخبار المستقبل في الحديث النبوي الشريف معلومات ثمينة وردت عبر المحاور الآتية :
- أخبار المستقبل في شأن ارتفاع الأمة الإسلامية و كثرة الخير فيها.
- أخبار المستقبل في شأن الفتوحات التي تكون على أيديها.
- أخبار المستقبل في شأن اختلال المقاييس الدينية و الخلقية و الاجتماعية.
- أخبار المستقبل في اختلال بعض من نواميس الكون و الحياة.
- أخبار المستقبل في شأن العلامات الصغرى و الكبرى للساعة (مقال: الفيضي محمد بشار محمد أمين- مجلة مؤتة للبحوث و الدراسات).
فقه الائتمان على المستقبل
في بحث للدكتور محمد عبد الفتاح الخطيب - جامعة الإمارات، في ندوة الحديث و استشراف المستقبل بعنوان؛ (الائتمان على المستقبل في السنة النبوية) يقول:
إن المسلم من المنظور الحضاري الإسلامي، ليس مطالباً باستشراف المستقبل رؤية و تخطيطاً فقط، بل هو مؤتمن عليه أيضاً! و لعل في حديث النبي صلى الله عليه و سلم: «إِن قَامَتِ السَّاعَةُ وَ بِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فإن اسْتَطَاعَ ألا يَقُومَ حتى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ» خيرَ دليل على الشعور بالمسؤولية تجاه حركة المستقبل.
و يرى الدكتور الخطيب أن السنة النبوية تؤكد أن المسلم قادر على تشكيل مستقبله و امتداد فعله حتى بعد الموت! و من ثم يضيف هذا المفهوم بعداً رابعاً في الفقه الحضاري، بعد: فقه النص، و فقه الواقع، و فقه تنزيل النص على الواقع، و هو فقه الائتمان على المستقبل.
و يخلص إلى أن الإسلام يملك منظومة قيمية ليست ضرورة لشهودنا الحضاري من جديد، بل و أيضاً، ضرورة لحداثة إنسانية جديدة، بعيداً عن الحداثة الغربية، و أزماتها، و تطرفها في التعامل مع الإنسان و مع الأشياء (موقع رابطة العلماء السوريين).
واقع استشراف المستقبل في العالم العربي و الإسلامي
في القرآن الكريم قصة جعلها الله عبرة لأولي الألباب، و هي قصة نبي الله يوسف عليه السلام و فيها يذكر القرآن لنا مشروع تخطيط للاقتصاد الزراعي لمدة خمسة عشر عاماً لمواجهة أزمة غذائية عامة، عرف يوسف عليه السلام بما ألهمه الله و علَّمه من تأويل الأحاديث أنها ستصيب المنطقة كلها، و قد اقترح يوسف عليه السلام مشروع الخطة و وُكل إليه تنفيذها، و كان فيها الخير و البركة على مصر و ما حولها: { قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ، ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَ فِيهِ يَعْصِرُونَ} [يوسف:47-49].
يرى الدكتور عمارة أنّ التاريخ يُعَدّ عِلماً من علوم المستقبل و ليس مجرّد قصص لتزجية الفراغ و الاستمتاع، حيث أنه إذا كان ما نملكه من اختيارات و مواريث يعين على الخلق و الإبداع بالشكل الذي يدعم النهضة الحضارية، كان الربط بين تراثنا و دراساتنا المستقبلية مطلباً قومياً و ضرورة من ضرورات النهضة و شرطاً من شروطها (الدكتور محمّد عمارة - كتاب الإسلام و المستقبل).
و يشير عبد الرحمن العكيمي في كتابه الاستشراف في النص: "كثيرا ما يصبح الاستشراف ضرورة تفرضها متطلبات مرحلية كثيرة، و رغم ذلك لا توجد لدينا مراكز تستشرف المستقبل، و تدرسه في الوطن العربي كما يحدث في أمريكا و في الغرب بشكل عام. فقد صدرت تقارير أمريكية تستشرف حالة المستقبل حتى عام 2020".
إن قراءة الواقع و استشراف المستقبل سواء كان علميا أو إبداعيا فإنه يصبح مطلبا حضاريا. من هنا كانت الضرورة في نشر الوعي به و بأساليبه و مبادئه و طرقه و أدواته أمر مهم جدا لنفهم جميع التحولات التي تدور حولنا و لا نقبع في مسرح الأحداث في الوطن الإسلامي دونما حراك.
يقول الدكتور محمد عابد الجابري: "إن علم المستقبليات كما يطبق اليوم بالنسبة إلينا نحن شعوب العالم الثالث علم مخيف يبشر بالكارثة، و الانحطاط و الانقراض". و يضيف الجابري: "إن الانطلاق من هذا الحاضر الخاضع كذلك للهيمنة الإمبريالية اقتصاديا و سياسيا و عسكريا و أيديولوجيا لا يمكن أن يسمح له علم المستقبليات، و لا لأي علم آخر يعترف بمعطيات الواقع الراهن كحقائق موضوعية نهائية" ( كتاب إشكاليات الفكر العربي المعاصر).
و يقول المهدي المنجرة: "إن العالم العربي و الإسلامي بصفة عامة يعيش أزمة كبرى تكمن في عدم وجود رؤيا للمستقبل، مما يجعل مجتمعاته تسير و تنمو على الصدفة و على العفوية و بدون نموذج اجتماعي أو تنموي قادر على تغطية 15 أو 20 سنة مقبلة، و هو ما يؤدي عكسيا إلى الاستسلام إلى نماذج التنمية الأجنبية و الغربية، و بالتالي إلى تقييد حرية الشعوب في تسيير ذاتها و الحد من حقوقها الديموقراطية" (كتاب الحرب الحضارية الأولى).
لذلك لازالت قدرتنا في العالم العربي الإسلامي على دراسة المستقبل و مستقبل الإسلام و العالم الإسلامي على وجه التحديد، تعاني من ضعف و قصور، تؤثر على رؤيتنا و تعاملنا الموضوعي مع الأحداث و التغيرات و التطورات في ظل عالم و واقع متغير.
و مما لا شك فيه أن الأمة التي لا تمتلك خريطة واضحة المعالم و التضاريس لهذا العالم سريعِ التغير شديدِ التعقيد، و التي لا تمتلك بوصلة دقيقة تعينها على تحديد مسارها الصحيح على هذه الخريطة، تعرض مستقبلها لأخطار عظيمة و تتحكم في تشكيل هذا المستقبل قوى خارجية تخدم مصالحها.
إن الولع بالمستقبل شيء إنساني، و المستقبل هو مجال الحرية و مجال العمل و مجال الفعل.. و الماضي شيء ولى، و الواقع قائم لا يتغير إلا في المستقبل المتاح، فإذا أردنا أن نغير واقعنا فليس أمامنا إلا هذا الغد لقوله عز و جل: { وَ لْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ } [الحشر-18].
فمستقبلنا يجب أن نصنعه بأيدينا، لا أن يصنعه الآخرون لنا، و نبتكره من داخل حضارتنا و هويتنا و ثقافتنا، لا من داخل حضارة و هوية و ثقافة الآخرين، و نحن من يجب أن نختار طريقنا إلى المستقبل، و يكفي أن نتعلم من الماضي و الحاضر كيف نبني مستقبلنا الذي يجب أن نذهب إليه لا أن ننتظره أن يأتي إلينا، لأنه بكل بساطة لن يأتي إلينا! لأن التغيير -كما قال المهدي المنجرة- ضرورة، و لزوم القيام به لمستقبل أفضل يتجلى بوضوح في قوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ } [الرعد:11]، و التغيير قوامه الإبداع و الإبتكار، و كل مادة حية فاقدة للحركة و التغير هي معرضة للموت، و هي سنة يجري مفعولها على الفرد و المجتمع (كتاب الحرب الحضارية الأولى).
المستقبل و حرب الأفكار
إن الحروب في واقعنا المعاصر هي حروب أفكار أو مايسمى ب: القوة الناعمة، و أن المنتصر في هذه الحروب الفكرية هو المنتصر على جميع الأصعدة الأخرى؛ و لقد بدأ ظهور مراكز الدراسات السياسية و الإستراتيجية باعتبارها مصانع لأسلحة الفكر، و ليس أدلَّ على نجاح مراكز الدراسات الإستراتيجية في قيادة الولايات المتحدة إلى ما وصلت إليه الآن من شبه انفراد بالسيطرة على العالم، من أن عدد هذه المراكز الأمريكية التي أُطلِق عليها منذ ظهورها (بيوت الخبرة) يتجاوز 1750 مركزاً منتشرة في جميع الولايات الأمريكية.
و بناء على ذلك يمكن القول إن الدراسات المستقبلية هي ثقافة مجتمعية متجذرة و أسلوب تفكير و نمط حياة معهود، حيث أن الغاية الجوهرية لهذه الدراسات تكمن في استقراء الواقع و السعي نحو تحقيق الأهداف بغية الاستفادة من القيم الاجتماعية و الثقافية بعد ترجمتها إلى دراسات علمية و اختيارات متنوعة و ممكنة التطبيق.
و يمكن التأكيد على الأهمية المأمولة للدراسات المستقبلية في كونها ثقافة مجتمعية، مع العلم أن أزمة تخلفنا هي أزمة ثقافية قبل أن تكون اقتصادية، و أنها أيضا أزمة قيم قبل أن تكون أزمة تنمية.
و لذلك كان لزاما علينا ان نتشبت بهويتنا و ثقافتنا و قيمنا ضد الحرب الفكرية التي يشنها علينا الغرب المسيحي- اليهودي، و يخفيها تحت غطاء التفوق العلمي و الاقتصادي و التكنولوجي و ثورة الإعلام و المعلوميات و المعرفة.
و لتوضيح و فهم ما سبق ذكره، كان لابد من تسليط الضوء (على سبيل المثال لا الحصر) على فكر مفكرين هما رائدين من رواد العالم الإسلامي في مجال الإبداع و استشراف المستقبل.
يُعتبر ابن خلدون من أشهر علماء الحضارة الإسلامية، كتبه ـ خصوصًا المقدمة ـ تُرجمت إلى لغات عدة كما كُتب عنه و عنها ما يَصعب حصره.
تَمتاز مقدمة ابن خلدون بِعمقها و أصالتها و إبداعها و جمعه بين عدد من التخصصات، فالمقدمة جعلت من ابن خلدون إسماً معروفًا في علم الاجتماع و التاريخ و الفلسفة و علم الإنسان و علم الاقتصاد و دراسات الحضارات.
و يعتقد الفيلسوف و عالم الاجتماع البريطاني إرنست غيلنر أن ابن خلدون عالم اجتماع استقرائي متميز، مارس علم الاجتماع قبل اختراع علم الاجتماع و مفاهيمه.
و يعتبر الفيلسوف محمد عابد الجابري في كتابه: نحن و التراث / قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي، أن ابن خلدون تحدث ـ في القديم ـ عن واقعنا الذي نعجز، نحن أبناءه، عن الحديث عنه، و يفضح أمامنا واقعاً لم نتمكن من تغييره.
ولد عبد الرحمن محمد ابن خلدون، بتونس و توفي بمصر (1332م-1406م)، هذا المفكر لم يكن مجرد كاتب، أو مؤرخ عابر، بل أثبتت الأيام أن فكره يتجدد عبر الأيام، و أن في منابع هذا الفكر ما يدعو إلى التأمل و الاستقراء لأته فكر مستقبلي، فكر تجاوز بصاحبه الحدود، و هذا مدعاة إلى القول إن فكر ابن خلدون لا يهرم و لا يشيخ بالتقادم.
نظرية العمران: استشراف للمستقبل
أسس ابن خلدون في كتاب المقدمة لنظرية في علم الاجتماع غاية في الأهمية ألا و هي: نظرية العمران، حيث بين أن المجتمعات البشرية تسير وفق قوانين مضبوطة و محددة، و هذه القوانين تفتح المجال على قدر كبير من استشراف المستقبل من حيث تطور الحضارات و انهيارها إذا ما درست و فهمت بالشكل الصحيح.
لقد تناول ابن خلدون في مقدمته الكثير من العلوم على اختلافها، كعلوم الشريعة، و الجغرافية، و السياسة، و العمران و الاجتماع، و الاقتصاد و الأناسة (أحوال الناس و طبائعم).
في تلك القلعة المعروفة بـ”بني سلامة” و الواقعة في ولاية وهران غربي الجزائر، كتب الفيلسوف التونسي المولد، الأندلسي الأصل، مُقدّمته الشهيرة و التي استند عليها الفلاسفة المعاصرون لإنقاذ حضاراتهم من الإنهيار، و منهم ـالفليسلوف الإنجليزي أرنولد توينبي الذي وصف ابن خلدون على أنه:”أكبر منظر لفلسفة التاريخ في كل الأزمنة”، قائلاً:” ابتكر ابن خلدون و صاغ فلسفة للتاريخ و هي بدون شك أعظم ما توصل إليه الفكر البشري في مختلف العصور و الأمم”.
لقد رأى ابن خلدون في تفسيره للتاريخ أنه لا مفرّ من مرور الحضارات أو الأُمم بمراحل عُمرية ثلاث: البداوة، التحضر، التدهور. تماماً كما هو حال الأفراد الذين يُولدون و يشبّون و من ثم يهرمون و يموتون. و قال في ذلك: “إنّ أحوال العالم و الأمم و عوائدهم و نحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة و منهاج مستقر ، إنما هو اختلاف على الأيام و الأزمنة، و انتقال من حال إلى حال، و كما يكون ذلك في الأشخاص و الأوقات و الأمصار، فكذلك يقع في الآفاق و الأقطار و الأزمنة و الدول. “:
- المرحلة الأولى: طور البداوة للأُمم في مفهوم هذا الفيلسوف، يُشبه معيشة البدو في الصحاري و البربر في الجبال و التتار في السهول ، و في هذه المرحلة لا وجود لأي قوانين مدنية، و الغلبة هنا للأقوى و للغرائز.. فلا وجود لسلطة قانونية أو لأُسس بناء الدولة.
- المرحلة الثانية: في مرحلة التحضّر، فإن الدين و العصبية هو اللُبنة الأولى لبناء الدولة عقب الغزو أو الفتح، حيث للعصبية في هذه المرحلة الأثر الأهم في الحياة الإجتماعية؛ لأنه من خلالها تُفرض السيطرة، و بالسيطرة يحصل الحاكم على السُلطة، و هكذا تلعب العصبية دورا هاما في تأسيس السلطة و في تكوين الدولة. فالدعامة الأساسية للحكم تكمن في العصبية التي اعتبرها ابن خلدون نزعة طبيعية في البشر. و عليها تتوقف قوّة الدولة و مدى اتساع نطاق الحكم فيها، و ذلك بحسب نسبة القرابة أو نسبة التديّن. و برأيه، فإن مرحلة التحضّر تزدهر باستقرار المُدن و بالتمكّن من العلوم و الصناعات.
- المرحلة الثالثة: فلقد صنّفها ابن خلدون على أنها مرحلة الانغماس بالترف و الرخاء و التحلل الأخلاقي، و انزلاق العادات إلى المُنكر. و في هذه المرحلة تدخل الدولة مرحلة الخطر الذي يُنذر بالتدهور، و أول أسباب السقوط، سيكون “العصبية”.. و هنا نجد أن مراحل تحضّر الدولة هي نفسها عوامل تدهورها من وجهة نظره.
لقد طرح هذا المفكر الإنساني الإسلامي أسئلة جوهرية حول الجنس البشري و حول شكل المجتمعات، محاولاً في جميع مؤلفاته صون الحضارة الإسلامية من خلال وضع تصوّر لعلاج الأزمات الأخلاقية و التفسخ في المجتمعات، معتمداً في ذلك على فهم المسار الإنساني. فانتهى بخلاصات جوهرية ما زالت حتى اليوم مرجعاً للأمم، و مصدر إلهام لعُلماء الإجتماع و السياسة في العالمين الإسلامي و الغربي (سحر ناصر-موقع إسلام أون لاين).
لقد حذر ابن خلدون من أن تطور التاريخ مرهون بعوامل سلوكية إنسانية تتمثل بالتدافع و الصراع و التفاعل، بالإضافة إلى عوامل أخرى مؤثرة منها: الجغرافية و البيئية و الإقتصادية، خالصاً إلى أنه لا تصلح الإنسانية كُلّها بغير الدين؛ يقول ابن خلدون: "الوازع الديني” أقوى في ردعه و زجره من “القانون” الذي يسميه بتعبيره بـ (الأحكام السلطانية)، و يوضح ذلك قائلا: “تبين أن الأحكام السلطانية مفسدة للبأس، لأن الوازع فيها أجنبي، و أما الشريعة فغير مفسدة لأن الوازع فيها ذاتي"، و نلاحظ تعبير ابن خلدون بـ(الأجنبي)، و كأنه يشير إلى أن مصدر الإلزام فيه أمر غريب ليس مؤسسا على قناعة ذاتية داخلية.
كما توجد ثمة علاقة بين الوازع الديني و تهذيب الفرد و المجتمع، فكذلك هناك علاقة أيضا بين الدين و الدولة في رأي ابن خلدون، فالدين في رأيه يزيد الدولة قوة، و يعزز وحدتها، و يضرب ابن خلدون مثلا في ضعف قوة العرب و الدولة الإسلامية وقتئذٍ إلى إنهم كانوا قد ” نبذوا الدين، فنسوا السياسة فتوحشوا كما كانوا”.
إذاً, فالدين في رأي ابن خلدون بالإضافة إلى أنه عامل في صلاح المجتمع و تهذيبه، يعده عاملا من عوامل القوة و الألفة و اجتماع القوة، و نبذ الفُرقة أيضا. و ذلك لأن أحكام الدين “راسخة فيهم من عقائد الإيمان و التصديق، فلم تزل صور بأسهم مستحكمة. قال عمر رضي الله عنه: «من لم يؤدبه الشرع لا أدبه الله»”.
و على نقيض ابن خلدون إستبعد أوغست كونت الدين، فأوغست كونت أب شرعي و مؤسس للفلسفة الوضعية الذي حاول فيما بعد وضع “دين للإنسانية” و إخضاع السياسة للأخلاق منعاً للحروب و لإندثار الدول.
المهدي المنجرة (13 مارس 1933م - 13 يونيو 2014م) اقتصادي و عالم اجتماع مغربي مختص في الدراسات المستقبلية. يعتبر أحد أكبر المراجع العربية و الدولية في القضايا السياسية و العلاقات الدولية و الدراسات المستقبلية. عمل مستشارا أولا في الوفد الدائم للمغرب بهيئة الأمم المتحدة بين عامي 1958 و 1959، و أستاذا محاضرا و باحثا بمركز الدراسات التابع لجامعة لندن 1970. اختير للتدريس في عدة جامعات دولية (فرنسا و إنكلترا و هولندا و إيطاليا و اليابان)، و شغل باليونسكو مناصب قيادية عديدة (1961-1979). و كان خبيرا خاصا للأمم المتحدة للسنة الدولية للمعاقين (1980-1981)، و مستشارا لمدير مكتب العلاقات بين الحكومات للمعلومات بروما (1981-1985)، و مستشارا للأمين العام للأمم المتحدة لمحاربة استهلاك المخدرات. كما أسهم في تأسيس أول أكاديمية لعلم المستقبليات، و تَرأّّسَ بين 1977-1981 الاتحاد العالمي للدراسات المستقبلية. و كان عضوا في أكاديمية المملكة المغربية، و الأكاديمية الإفريقية للعلوم و الأكاديمية العالمية للفنون و الآداب، و تولى رئاسة لجان وضع مخططات تعليمية لعدة دول أوروبية. حاز على العديد من الجوائز الدولية و الوطنية، من بينها وسام الشمس المشرقة التي منحها له إمبراطور اليابان.
و لا عجب أن المنجرة استقال من كل مناصبه في المنظمات الدولية، لأنها منظمات انحازت علنا للدول الكبرى، و تعاطفت معها على حساب بقية العالم متبنية نموذج الفكر الواحد دون اعتبار لحق الاختلاف كقيمة حضارية و تعدد الثقافات، إلى درجة عدم الاعتراف للشعوب بحقها في التنمية.
كما سبق و أن رفض تقليده لمناصب وزارية عُرضت عليه، و ذلك نظرا لاقتناعه بعدم ملاءمة الأرضية لمزاولة مثل تلك المهام في استقلالية و صلاحية لمشروعه الفكري و العلمي، مفضلا تفرغه لخدمة الفكر و البحث العلمي.
يتمحور فكر المنجرة حول تحرّر الجنوب من هيمنة الشمال عن طريق التنمية و ذلك من خلال محاربة الأمية و دعم البحث العلمي و استعمال اللغة الأم، إلى جانب دفاعه عن قضايا الشعوب المقهورة و حرياتها، و مناهضته للصهيونية و رفضه للتطبيع، و سخر المنجرة كتاباته ضد ما أسماه بـ"العولمة الجشعة". و ألف المهدي المنجرة العديد من الدراسات في العلوم الاقتصادية و السوسيولوجيا و قضايا التنمية، أبرزها: نظام الأمم المتحدة - من المهد إلى اللحد - الحرب الحضارية الأولى - الإهانة في عهد الميغا إمبريالية - عولمة العولمة - انتفاضات زمن الذلقراطية - حوار التواصل - القدس العربي رمز و ذاكرة - قيمة القيم.
وصفه ميشال جوبير وزبر الخارجية الأسبق لفرنسا ب «المنذر بآلام العالم». و قد اعترف المفكر الأمريكي صامويل هنتنجتون بِأمانة علمية يُشهد له بها هنا، ضمن مؤلفه؛ صدام الحضارات، بمرجعية و أسبقية المهدي المنجرة في طرح مفهوم صراع الحضارات. و أن اللبنات الأساسية لبناء الأطروحة تعود للمفكر المغربي المهدي المنجرة.
لكن المنجرة، على خلاف صامويل هنتنجتون، يرى أن الغرض من طرحه لهذه النظرية هو موقف وقائي، بنائي لا أصولي، و ذلك من أجل ترسيخ قيم العدالة الإنسانية، و تفادي الكوارث اللاإنسانية في حق البشرية جمعاء، بنبذ الكراهية و التحريض، و ضمان سيرورة تاريخية للقيم المثلى، التي تحكم و تحكمت في العامل الإنساني من ناحية بناء القيم المثلى و تركيز المفكر على قيمة القيم التي ألّف لها كتاباً خاصاً (كتاب قيمة القيم) في أي علاقة إنسانية تحكم في ثنائية الشمال جنوب، و يعتبر أن التخلف الذي يعانيه العالم الثالث ثقافي قبل أن يكون اقتصادياً و اجتماعياً، وأن التنمية أو مفتاحها هو الثقافة، و أنه لا توجد ثقافة بدون منظومة قيم و قيمة القيم، و قد تناول المهدي نظريته من أجل تفادي الصدام و ما سينتج عنه من أضرار، سيؤدي الضعفاء من الشيوخ و الأطفال الثمن فيها باهضا. فلا بد للإنسيين من خلق حوار حضاري بين شمال العالم و جنوبه.
الدراسات المستقبلية في رؤية المهدي المنجرة
لقد كان المهدي المنجرة يشدد على أن الدراسات المستقبلية تستلزم أن يتسم تحليل معطيات الواقع و اتجاهات الأحداث من جهة، و الطريقة المنهجية المتبعة من جهة أخرى، بطابع الدقة و الموضوعية. فالدراسات المستقبلية في نظره تتحقق نتائجها من صياغة الأغراض في " إطار ابتكار و إبداع و أنساق قيم اجتماعية ثقافية، و ترجمة تلك الأغراض إلى مخطط عملي، في شكل اختيارات بديلة و سيناريوهات ممكنة".
و يلاحظ المنجرة أن الذي يوجد الآن على المستوى العالمي، إنما هو هيمنة فكرية و منهجية على مستوى الدراسات المستقبلية، و هذه الهيمنة تزداد حدتها من جراء الأنانية العرقية للبلدان الغربية التي تشكل نوعا جديدا من الاستغلال لا يسهل معه التعاون الدولي في هذا المجال، و لهذا السبب، فهو يرى أن "البلدان المستعمرة سابقا تعاني صعوبة في إعادة اكتشاف ماضيها الذي انتابه تشويه فظيع، في الوقت الذي تكافح حاضرا، و تصارع عدم تكافؤ القوى في العلاقات السياسية و الاقتصادية الدولية".
إن الوصفة الجوهرية التي ترتكز عليها الدراسات المستقبلية، يقول المنجرة بهذا الخصوص: "إن الانطلاق الحقيقي نحو النمو يبدأ عندما ينهض المسؤولون و المواطنون لتخطيط نظم و معاملات من شأنها أن تحدد، في حرية و تضامن، رؤية واضحة لمستقبل البلاد، من ثم تتأتى أهمية أهمية ترك حرية اختيار الطريق و ابتكار الحلول من داخل الواقع، و ذلك مع احترام الكرامة و القيم الثقافية-الاجتماعية لتلك البلدان، إن الإيثار في بعض الأحيان يكمن بالضبط و قبل كل شيء في فسح مجال الإفصاح لإيثار الآخرين"، و من ثم، فإن كل الأسباب متوافرة في نظره، للاقتناع بأن الدراسات المستقبلية ستصبح أحد المجالات المفضلة لتعاون الغد، تعاون سيتمحور حول الأفكار و الابتكار، أكثر بكثير منه حول المنتوجات و الضغوط".
دراسات المستقبل في الوطن العربي الإسلامي
إن مقاربة المنجرة للمستقبل هي مقاربة منظومية بامتياز، أي أنها لا تستشرف المستقبل ذاته في سياق قار، بل بالاحتكام إلى وزن الماضي و بالنظر إلى معطيات الحاضر.
يقول المنجرة بشأن هذه النقطة: "إن ما يسمى بالحاضر هو اليوم في أزمة، و هي نتيجة عدم اهتمامنا بالمستقبل في السنوات الماضية، فالحاضر ليس سوى نتيجة لما أعددناه في فترة محددة، و إذا أردنا أن نغير المستقبل، فيجب أن نبدأ من اليوم بالذات".
و يقول مستطردا: " إن الرسول صلى الله عليه و سلم كان قبل أن يبدأ عمله كل يوم، يتصور الأشياء و يخطط و يستبصر، و بعد هذا الاستبصار يتوكل على الله، فالتوكل على الله يأتي بعد الاستبصار. و بتعبير بسيط، أقول إن أزمتنا في العالم العربي الإسلامي اليوم، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو أخلاقية، هي بالأساس أزمة استبصار، فليس هناك استبصار عند المسؤولين؛ (أي) ليست هناك رؤية. الرؤية الوحيدة الموجودة بيوميتهم هي كيفية البقاء في الحكم و المحافظة عليه".
و من ثم فإن الحقيقة الثابتة، برأي المنجرة، إنما هي أن "العالم العربي يتغلب على المشاكل بتأجيلها إلى المستقبل، حيث لا تتوفر مثلا إلا أمنيات عن الأداء الاقتصادي في المستقبل، مثل توقع زيادة في عدد السياح برقم معين، أو تطور الخدمات الصحية بتوفر عدد من الأسرة، بدون أن تكون هذه التوقعات مبنية على اختيارات و دراسات".
يعتقد المهدي المنجرة أن المنطقة العربية غير مدركة للتحولات الكبرى و المتسارعة التي يشهدها العالم، و لذلك يقول: "إن أول استنتاج خرجت به الدراسات المستقبلية، و هناك اتفاق في العالم حول ذلك، أنه ليس هناك أي مستقبل، أو أية إمكانية لأية مجموعة اقتصادية يقل عدد سكانها عما بين 150 و 200 مليون نسمة، أن تدخل القرن الحادي و العشرين بأي أمل، لأن التطورات الدولية تشير إلى أننا ننتقل من مجتمع مبني على الإنتاجية إلى حضارة أخرى تسمى المجتمع المبني على المعلومات و المعرفة".
و من ثم فهو يرى أن الدراسات المستقبلية هي مسألة رؤية، ثم تصور، ثم عزيمة سياسية؛ ثم مسألة تسيير بالأهداف و المقاصد، أو تسيير مبني على الكوارث. و كلما تأخر الإنسان في الاستعداد لمواجهة المشاكل، تعذر عليه حلها. أما إذا توقع الإنسان حدوث المشكل و استعد له، فتسهل عليه معالجته. أما التسيير في بلدان العالم الثالث، فهو تسيير كوارث، أي ننتظر إلى حين حصول الكارثة، ثم نحاول معالجتها بعد فوات الأوان في الغالب الأعم".
سيناريوهات مستقبل الوطن العربي الإسلامي
أثبت المهدي المنجرة أن الدراسات المستقبلية تزداد قوة يوما عن يوم، في إمكانياتها على التوقع و الاستشراف و الاستبصار.
و لقد عاين المنجرة بنفسه ما توقعه في السبعينيات: سيطرة الشمال و فشل أو استحالة ما كان يسمى بحوار الشمال و الجنوب، و ماتوقعه في التسعينات: تحولات جدرية في العلاقات الدولية، و حدوث نزاعات خطيرة في بلدان العالم الثالث، و أزمات بين الغرب و بقية العالم تكون ذات أبعاد ثقافية أكثر منها اقتصادية، ثم الأزمة الأخلاقية التي تؤثر بقوة في باقي أشكال الأزمات، بسبب غياب الرؤية ناتج عن تدهور الحضارة الغربية المسيحية-اليهودية، أما في الجنوب فهو ناتج عن فشل النموذج التنموي، و الذي تأكدت عدم صلاحيته للواقع الاجتماعي و الاقتصادي و الثقافي المعاش.
إن الأزمة الأخلاقية التي تحدث عنها المنجرة التي تتفاقم كل يوم بين التطور العلمي و التكنولوجي من جهة، و البعد الثقافي و الاجتماعي من جهة أخرى، بل تبلغ أيضا منظومة القيم المتجذرة التي يتطلع الغرب لفرضها بأحد الشكلين، و هي قيم مسيحية-يهودية بغطاء سياسي و اقتصادي و ثقافي. لذلك فإن الغرب عندما يخشى اليابان و الصين -يؤكد المنجرة- لإمكاناتهما الاقتصادية و المالية و التكنولوجية فحسب، و لكن لأنهما تطورتا و تقدمتا خارج منظومة القيم الغربية، و برهنتا أن الحداثة ليست دائما رديفا للتغريب و قيمه، و برهنتا على أن أي حضارة يمكن أن تتطور و تتقدم و تدخل العصر بقيمها و تاريخها و لغتها و حضارتها و هكذا.
إن المنجرة، و هو يستشرف مستقبل الوطن العربي و طبيعة العلاقات التي ستسود في ظله، لا ينطلق من انطباعات ذاتية أو أحكام مسبقة، إنه يبني كل ذلك على أساس من السيناريوهات الممكنة (أو المشاهد)، و التي يحددها في ثلاثة كبرى:
- السيناريو الأول هو سيناريو الاستمرار أو الاستقرار. أي الحفاظ على الأوضاع كما هي، أو مع إضافة بعض "الرتوشات" الشكلية البسيطة التي لا تغير من طبيعة النظام و لا من شكل المنظومة. و لا يطول أكثر من خمس سنوات على الأكثر، ثم نرى بعد ذلك تغييرات أساسية في العالم الثالث.
- السيناريو الثاني و هو سيناريو الإصلاح، و هو سيناريو يحافظ على الاستقرار مع بعض الإصلاحات و التغييرات التدريجية، و نسبة إمكانية تحققه 5 في المئة، شريطة أن تكون الإصلاحات سريعة.
-السيناريو الثالث فهو سيناريو التغيير الجذري، أو سيناريو التحولات الكبرى و العميقة (تحرر بعض الدول، و بعض الدول تقوم بالإصلاح بنوع من التغيير الجذري على المدى المتوسط الذي لا يتجاوز عشر سنوات في بداية القرن الحادي و العشرين).
و لكن المنجرة تحفظ بخصوص السيناريو الإصلاحي، الذي يمكن أن يمتد إلى نهاية هذا العقد، لأنه لا يثق في إمكانياته لحل المشاكل، بفعل الأساليب و العقليات الموجودة في العالم الثالث، و التي لا تحترم بعد الإنسان كإنسان، و لكنه -كما يقول- متفائل جدا بخصوص بداية القرن القادم الذي سيحمل معه، عبر سيناريو التغيير، تحولات جذرية كبيرة، هو ليس حلما فقط، و لكنه ثقة مبنية على البحث العميق في الواقع و في التوقعات.
الدراسات و مستقبل الإسلام
يميز المنجرة بين الغيب و مفهوم المستقبل بقوله: "هناك فرق شاسع بين الغيب الذي هو من علام الغيوب سبحانه وحده، و بين مفهوم المستقبل كما يوظفه الخبراء في مجال الدراسات المستقبلية...هو انعكاس على الزمن لآثار و نتائج أعمالنا، أو عدم عملنا اليوم. و من ثم فمن الواضح، من المضمون و الدلالة، أن الأمر لا يتعلق لا بنبوءة و لا بكهنوت".
يقول المنجزة إن القرآن الكريم مليء بالمصطلحات و المفردات لإمعان النظر و الإعداد للمستقبل. من ذلك قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ لْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ } [الحشر:18]، و قوله تعالى: { أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ وَ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ وَ أَنْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ۖ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ } [الأعراف:185] تبين هذه الآيات و غيرها، في نظر المهدي المنجرة، دعوة الإسلام للاستفادة من الحاضر، و العمل فيه، مع إمعان النظر في المستقبل و الاستعداد له. المستقبل الذي هو الآخرة دون شك، لكنه أيضا العمر المقبل من الحياة الدنيا.
و يتابع قائلا إنه لو تأملنا هذه الآيات و دلالتها لاتضح لنا التالي:
- أن القرآن الكريم يدعو جمهور المؤمنين إلى رفض الكهانة، ليس في حد ذاتها فحسب، بل لأنها تريد أن تقدم لنا تاريخا مفصلا للغد. و هو ما يبدو مستحيلا، لأن الغيب من علم الله.
- و أن القرآن الكريم يدعو صراحة إلى استشراف الغد "حتى يتزود الإنسان بالتقوى اللازمة و يتجنب المفاجآت الداهمة".
إن الإسلام، بنظر المنجرة، إنما يقدم لنا نظرة شاملة للعالم الدنيوي الحاضر و للعالم الأخروي المقبل و هو يحمل في طياته "بالصلة التي يقيمها بين العالمين، ديناميكية أساسها التغيير و حوافزه، و ذلك في جميع المجالات، سياسية و اقتصادية و اجتماعية و ثقافية، ديناميكية تجعل الإنسان مسؤولا عن مستقبله، مفجرة طاقات التغيير و السعي نحو الأفضل لدى المجتمع، بين حاضره و مستقبله القريب، سواء عند التفكير في إصلاح واقعه الذي يحياه، أو عند البرمجة للغد الذي يتمناه، و يرى المنجرة أن التغيير هنا ليس سنة ثابتة فحسب، بل هو ضرورة حياتية أيضا، إعمالا للآية القرآنية: { إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ } [الرعد:11]. إذ أن التغيير الصائب إنما قوامه الإبداع و الابتكار. و الإبداع معناه مخالفة البدعة، التي تعني التبديل و الإضافة في دين الله. فلا يختلف مؤمنان في أن الإبداع وفق السنن الكونية و التشريعية الراسخة للأصول الإسلامية هو أساس التغيير، و هو الدافع للحركة... و بالمقابل فإن الذين يخافون من التغيير، خوفا على امتيازاتهم و حرصا على مصالحهم، فهم يعمدون دوما إلى الخلط بين الإبداع و البدعة، رغبة في منع كل تغيير يصب فيما لا يرضونه، و لا يطمئنون إليه و لا عليه بل لا غرابة في أن يعزى التخلف و الأمراض الاجتماعية المصاحبة له في البلدان الإسلامية إلى مثل هذه العقلية المتحجرة، الرافضة للإبداع و الابتكار، و المغلقة لباب الاجتهاد.
و قد كان الرسول صلى الله عليه و سلم، وفقا للمنجرة، يمضي بنور الوحي نحو المستقبل، لا يلتفت إلى الوراء، و لا يكترث بما يحدث من ضوضاء، من لدن الراغبين في منعه من بناء المستقبل... ثم إن الرسول صلى الله عليه و سلم لم يكن يهتم كثيرا بالماضي (لا سيما عندما أقر بأن الإسلام يجب ما قبله)، بقدر ما كان يتطلع لبناء المستقبل، و يحفز جمهور المؤمنين للاعتناء بغدهم، و العمل على صيانته و تثبيته.
كل هذا يبين، بنظر المنجرة، أن ليس ثمة جبرية أو حتمية في الإسلام، من شأنها أن تجعل الفرد و المجتمع غير متحكمين في غدهما و مستقبلهما، و من ثم، و لمواجهة تحديات المستقبل، فعلينا قبل ذلك القيام بتطهير عقولنا من رواسب التواكل و الجبرية، لأنها تقتل الإبداع و الابتكار، و تقتل الرغبة في الفعل و التفاعل، و لأن موضوع المستقبل هو دراسة وضع معين بصورة مفتوحة على البدائل و الخيارات...بمعنى أن الدراسات المستقبلية لا تصدر نبوءات، و هي لا تدعي العصمة في توقعاتها و استشرافاتها، إذ لا يمكن توقع المستقبل في المطلق، بحكم أنه اجتهاد قد يصيب و قد يخطئ.
و يرى المنجرة أن الإسلام، كقوة للتغيير و الإبداع سيلعب دورا طليعيا في التطور، و من الطبيعي أن يرجع الشباب المسلم إلى الأصول، للعثور على الأنماط المثالية التي تقود خطواته، لأن المستقبل الممكن و المنشود للعالم العربي و الإسلامي يتركز أساسا على تجديد الإسلام، إسلام الاجتهاد و ليس إسلام التقليد، ذلك الداء الذي كان وراء سقوط حضارة ابتعدت تدريجيا عن مهمة الخلق و الإبداع اللذين واصلاهما إلى يوم أعلن فيه بعض الفقهاء إغلاق باب الاجتهاد.
يقول المنجرة إن الإسلام دائما دين متفتح، يترك للفرد مبادرة كبرى في حرية التكيف و التغير و توقع التحولات. فلو لم يتوقع الرسول صلى الله عليه و سلم و صحابته المستقبل في فجر الإسلام، لما كان هناك اليوم مليار و 200 مليون من المسلمين.
يتابع المنجرة، إلا أن المفارقة المفجعة، أن تاريخ ماضينا القريب لا يزال كابحا تحت الاستعمار، و قسط كبير من حاضرنا منفلت من أيدينا؛ بل مستقبلنا أصبح مرهونا بدراسة الآخرين و بسيناريوهاتهم التي تعودنا الثقة في مصداقيتها... في هذه الحالة، يوشك مستقبلنا أن يكون نسخة مشوهة و غير صالحة من ماضي الآخرين. و الحقيقة المرة الوحيدة التي تفرض نفسها في الوقت الحالي، هي أن العالم الإسلامي لا يتحكم في مصيره، و أن استقلاله لا يزال شكليا على عدة مستويات.
في رأي المنجرة، إن أزمة العالم الإسلامي هي قبل كل شيء أزمة رؤية، ناتجة عن عدم وجود مشروع جماعي، و غياب فئة قادرة و كفؤة، و نخبة من المفكرين النيرين، بحيث أن أغلب هؤلاء هم مغتربون ثقافيا... و هذه الأزمة هي كذلك أزمة روحية أخلاقية، ناتجة من حيرة الانتماء إلى قيم متنافية، تتأرجح بين نظام قيم جامد، لم يعرف كيف يتطور لمواجهة التحديات الجديدة من جهة، و نظام قيم مستورد في شكله الخام، يتلاءم مع واقع صانعيه و مشاكلهم الحقيقية، لا مع ناقليه من جهة ثانية، و لعل هذا ما يفسر فقدان الثقة لدى الشباب.
يقول المنجرة، كل هذا يدعونا للمبادرة بعلاج أوضاعنا من خلال التفكير بإمعان في مستقبلنا. فالطبيعة تكره الفراغ، و الأمر كذلك بالنسبة إلى المسلمين غربا و شرقا و إلى الإنسانية جمعاء. (مقال: يحيى اليحياوي كاتب و أكاديمي مغربي - المستقبل في فكر المهدي المنجرة - مجلة استشراف).
يكتم الإنسان غضبه في قلبه.. ويظنّ أنه إختفى.. فيظهر فجأة في الوقت الخطأ وللأسباب الخطأ.. وللناس الخطأ.. الذين لا ذنب لهم فيه.. رذيلة عدم خوض المعارك في وقتها..
- ديك الجن
حمل #تطبيق_المشي
#الربح_من_التعرق
اكسب المال من المشي يومياً
بعد ان تجمع 100 دولار تستطيع تحويلها لحسابك في باي بال paypal ثم الى حسابك المصرفي
رابط التطبيق 👇
https://sweatco.in/i/1177u Check out this free app — It Pays to Walk 🚶
Join our 50M+ users to become part of the movement economy. Sweatcoin app converts your steps into sweatcoins — virtual currency that you ca
حمل #تطبيق_المشي
#الربح_من_التعرق
اكسب المال من المشي يومياً
بعد ان تجمع 100 دولار تستطيع تحويلها لحسابك في باي بال paypal ثم الى حسابك المصرفي
رابط التطبيق 👇
https://sweatco.in/i/1177u Check out this free app — It Pays to Walk 🚶
Discover the wide range of products from AliExpress Top Seller ShineSense Global Store. Enjoy ✓Free Shipping Worldwide! ✓Limited Time Sale ✓
Discover the wide range of products from AliExpress Top Seller ShineSense Global Store. Enjoy ✓Free Shipping Worldwide! ✓Limited Time Sale ✓
25 posts!
Let's join Bee Network. Available on Google Play and App Store.
ابدا تعدين العملات الرقميه على هاتفك
استخدم كود الدعوه لتتمكن من التسجيل
https://sweatco.in/i/1177
حمل #تطبيق_المشي
#الربح_من_التعرق
اكسب المال من المشي يومياً
استخدم الرابط عشان تستفيد وتفيدني
Use my referral link https://crypto.com/app/434ebft29y to sign up for Crypto.com and we both get $25 USD :)
افضل تطبيق لتجارة العملات الرقميه وتحويل ارباحك لحسابك بكل سهوله ، حمل التطبيق ومبروك عليك



