زينب: لأنَّني أخافُ من الذِّكريات
لم أكتب ولن أكتب عن زينب بأيّ شكلٍ من الأشكال. هذا كان قراري منذ يوم رحيلها المفاجئ والحزين. لكنني الآن ولفرطِ الدَّهشة أكتبُ رغمًا عنِّي، أكتب وأنا أعتقد أنّ الكتابة ليست أمرًا جيِّدًا. ربَّما أكتب فقط لأنّ هذا ما أستطيعه بديلًا عن البكاء أو الاكتئاب الشديد كما عزَّت وطارق. وربما أكتب فقط عن عزَّت وطارق اللذان جمعتهما بزينب علاقة وطيدة من الصداقة والمحبَّة الخالصة جعلتهما يموتان "بالحيا" بعد رحيلها.
ذات يوم، وعندما كانت علاقتنا متوترة قبل الانفصال النهائيّ بسنتين تقريبًا، أخبرتني صديقتي السابقة، الجميلة جدًّا:
- لو حصل وافترقنا، مش هنقطع علاقتنا ببعض.
- أومال، - يا آنسة راء - ؟
- لأ، كـ أحباب فرَّقتهم الدُّنيا.
بعد عامين، بالتحديد في مارس الماضي، كانت مكالمة باردة جدًّا بيننا. أخبرتني فيها أننا ننفصل الآن. وأنّ كل ما بيننا أصبحَ من الماضي، الذِّكريات وحدها هي ما يجمعنا، لا شئَ أكثر.
وللملاحظة إن قرأت هذه التدوينة، فزينب رحمها الله تمنَّت أن تراكِ بشدَّة.
في أحد الليالي، الصَّيف الماضي. أعتقد أنَّهُ في سبتمبر أو أغسطس 2014 أو قبل ذلك بشهرٍ أو اثنين. جمعنا الليل: زينب وعزَّت وأنا. قالت زينب أنَّها تخاف من أن تنتهي علاقتنا يومًا ما، ألَّا نكونَ بنفس التَّواصُل.. ابتسم كلانا، قلت: متقطعيش إنتِ بسّ. في نوفمبر الماضي، انتحرت زينب.
حين جائني الخبر ضحكت، ضحكتُ بصوتٍ ضاجّ وسئِّ، وحين اختليتُ بنفسي بكيتُ كثيرًا، رغم أنني تعودتُ ألَّا أبكي منذُ شهور سبقت رحيلها المُفاجئ. عزَّت وطارق كانا أقرب الناس إليها، وأكثر الناس تأثُّرًا ووجعًا. علاقتي بزينب مُربكة ومركَّبة. لا أستطيعُ أن أحكيها أو أكتبها. في قلبي وفقط. أغلقتُ عليها منذُ زمن ولا أعود إليها إلا في فقرات اختبار آليات قتل الحنين داخلي. أعودُ إليها رُغمًا عنِّي لأختبر آليَّاتي في المقاومة.
نجحت، في النِّهاية نجحتُ بدرجةٍ كبيرة في قتل الحنين، طوَّرتُ ميكانيزمات اعتقدتُ في قوَّتها. كلَّما نجحتُ في مرَّتين أخفقتُ في مرَّة، لا نجاح كامل يتحقَّق.
بطبيعتي صرتُ لا أميلُ للملحمة، أُنهكتُ تمامًا من الملحمتين اللتين خضتهما بكلّ قلبي. الثَّورة والحبّ. كلاهما فشل فشلًا ذريعًا وشاسعًا. مُحبطًا. لا أعرفُ كيفَ تخطَّيتُ الفشلين المتلاحقين. كانَ اللهُ كريمًا أن منحني من القوَّة أن أتخطَّى أخطائي. الملحمة أمرٌ عظيم وجيِّد ولكنَّهُ مكلِّف جدًّا وخاطئ ربَّما. كلفني قلبي تمامًا. عندما فشلتُ صرتُ أكثر حذرًا.
لم أعتقد أنّ وفاة زينب أثَّرت في حياتي كثيرًا، صاحب رحيلها مشكلات كثيرة شخصيَّة، متعلِّقة بانتهاء الملحمة الثانية التي أعيشُها بشكلٍ تراجيديّ كما أية ملحمة في التَّاريخ. يوم الدفن كنتُ أتحرَّك بخفَّة. عكستُ الأمور تمامًا وارتديتُ ملابس جديدة وقميصٌ أبيض، على غير عادة المآتم. تحركتُ بين الأصدقاءَ بخفَّة، الذين يبكون كانوا يرتمون في حضني، لم أكن أبكي، فقط كنتُ أربتُ على الأكتاف والصدور. لم أكن أنا. تغيَّرتُ كثيرًا. لكنني كاذب. منذ شهرين مررتُ في نفس المكان حين تمنت زينب ألا نفترق، طفرت دموعٌ من عني، ولكنني كالعادة فضلتُ ألا أبكي. نظرتُ لعزت وأخبرتُه: اعتقد إني اتأثرت بموضوع زينب جامد بس كنت بخبِّي على نفسي.
حين وصلنا المقابر بكيت. الجميع بكى، المسلمون والملحدون منَّا. والجميع كان يدعوا لله ليخفف عليها وعنها. بكيتُ بحرقة، كنتُ أبكي كلّ شئ في حياتي، بؤسي المتكاثر حولي، آلامي المتشعِّبة، أحزاني العاديَّة، اكتئابي الحادّ الذي امتدّ لأكثر من سنة، وصديقة كانت أطيب خلق الله واراها التُّراب، الآن. أذكرُ أنني انتحيتُ جانبًا وانتحبت بشدَّة. بدأتُ في قراءة الفاتحة وحين بدأتُ بالبسملة بكيتُ كثيرًا، أخفيتُ وجهي في كفيّ، لقد تغيرتُ مرَّةً أخرى، أو أنني أوهمتُ نفسي أنني متماسك. للموتِ جلالٌ لا يُطاق.
في سيارة إبراهيم، بعدما انتهت الدَّفنة التي بكينا كلَّنا عندها، جلستُ إلى جانب عزَّت. بيننا "سيم" لا يفهمهُ أحدُ غيري وغيره، وزينب كانت تفهمهُ أحيانًا. ضحكنا كثيرًا ونحنُ عائدونَ من المقابر. نحنُ لا نضحك لأنّ الضحك جيِّد، ولا نسخر لأنّ السخرية قيمة في حدّ ذاتها. نحنُ نهرب مما يحدث حولنا بالسخرية، نواري خسارتنا الفادحة، وهزيمتنا المتأنِّقة. كان مشهدًا مأساويًّا ملهاويًّا، لم نصدِّق أنّ زينب انتحرت. فكان الأمرُ عجيبًا، ولأننا لم نصدق نضحك. وحين أضحك أنظر بعيدًا عن عينيّ عزَّت. وحين كانت عينانا تلتقي مراوغةً كنَّا نبكي في نفس لحظة الضحك. كان موقفًا كئيبًا.
* في اليوم السَّابق، ذهبنا لبيت زينب. طارق كان متأثرًا للغاية وحين تقابلت عينانا هرولنا واحتضن كلٌّ منَّا الآخر. آخر مرَّة رأيتُ طارق كان مع زينب. وآخر مرَّة رأيتُ زينب كانت مع طارق.
في اليوم السابق، تقابلنا كلِّنا. لم نكن نعلم ماذا يجب أن يحدث. هل سيتدخل الله فينهي هذه اللحظات العارمة؟ لا أميل بطبيعتي لرمي الامور على القدرة الإلهيَّة، ليس لأنَّها ليست موجودة، ولكن لأنني لا أعتقدُ أنّ الله يحبُّ هذا منِّي. لكنني في تلك اللحظة تخيَّلت أن تنتهي كلّ هذه اللحظات الرهيبة في لحظةٍ ما. عُدنا من بيت زينب إلى أحد القهاوي التي اعتدنا أن نجلس جميعًا عليها. هل اجتمعنا في نفس المكان دون قصدٍ لنعزِّي أنفسنا؟ فاليوم سنطلُب من القهوجي عدد كراسي أقلّ، لأنّ صاحبة القلب الطيِّب رحلت عن الحياة بإرادتها (هل أكونُ صادقًا ومتصالحًا مع هذا اللفظ؟: إرادتها؟ تبًّا لي ولإرادتها معًا).
لا أنسى هذا اليوم. أنا لا تربطني صداقة قويَّة مع إبراهيم لكنِّي أتذكرُ له هذا الموقف ولا أنساه. حين انتهت جلسة القهوة قمنا ليعود كلٌ إلى بيته. ونحنُ نقوم قال إبراهيم: خليكم قاعدين، كلّ واحد لمَّا يروَّح حيتفشخ. كلنا أراد الذهاب، أن أجلس مع نفسي وراء كلّ مصيبة أو ملحمة هو خيارٌ جيِّد. كان إبراهيم صادقًا جدًّا فجلس وحيدًا على القهوة وذهبنا نحنُ. حين عدنا لبيوتنا كتب لنا على فيس بوك: إنتو ولاد كلب، أنا مش قادر أقعد لوحدي، مش قلتلكم خليكم كل واحد حيتفشخ لوحده؟
إبراهيم أخبرني أنّ لي صورة وحيدة مع زينب. طلبتُها منهُ لكنَّني لم ألحّ، هذا لأنني ورغم كلّ هذه الصلابة التي أبديها في مواجهة كلّ ما يحدث لي وللأحباب، أخافُ من الذكريات التي أحبُّها، وأخافُ من الصيغ المُطلقة بأننا سنكونُ معًا حتَّى الموت أو بعده حتَّى، وأخافُ من الرَّحيل.