هل العرّافة اليونانية والمصرية صنعوا الاسكندر الأكبر؟
"نعم أيها الإمبراطور العظيم؛ اذهب إلى الحرب؛ الآلهة تخبرك أنها في صفك، وأن الطريق ممهد لك"
لم يحكم الأرض ويسيطر عليها إلا اثنين فقط في التاريخ، سيدنا سليمان بن داوود عليه السلام، والاسكندر الأكبر، فلم يعرف التاريخ لا القديم ولا الحديث شخص حقق كل هذا المجد في سنين قليلة من عمره، مثلما فعل الاسكندر الأكبر...
فقد كانت والدته أولمبياس شديدة الجمال وذات ذكاء وحكمة ودهاء وشجاعة. وكانت تعمل أحيانًا ككاهنة في المعبد، وكانت تدّعي أنّها من سلالة الآلهة وأنّ الإسكندر هو ابن الإله زيوس. بدأ الطفل بالفعل يقتنع بكلام والدته التي كانت تشرف بنفسها على تربيته وتدريبه على القتال والفروسية. إن اعتقاد الإسكندر أنّه من سلالة إلهية هو ما أبقى، وفقًا لبلوتارك، قلبه وروحه شامخين لا يعرفان اليأس طيلة تلك السنوات من الحملات والفتوحات التي خاضها.
فبجانب أن الاسكندر الأكبر كان يصدق ويؤمن انه ابن الإله زيوس، وأن أمه كانت كاهنة وكانت تدّعي ذلك، فجاء معبد سيوة ليذهب بالشك إلى اليقين في إيمان الاسكندر انه ابن إله، فعلى الرغم من ان معبد سيوة يقع في الصحراء الغربية بمصر، والذهاب إليه عرّض حياه الاسكندر وجيشه لخطر الموت عطشًا، بجانب انه كان من الممكن أن تأتي رياح جنوبية قوية قد تدفنهم أحياء في الرمال الناعمة العميقة في الصحراء، ولكن قام الاسكندر بتلك الرحلة لإشباع ميوله للمخاطرة ورغبته في أن يقتفي أثر بطل الأساطير الإغريقية "هرقل" الذي شاع الاعتقاد قديمًا أن الإسكندر ينحدر من سلالتها، فقد و رد في الأساطير أن هرقل تزود بشورة آمون سيوة قبل أن يقدم على جلائل أعماله ويجب ألا يعرب عن البطل أن ما تعتبره اليوم قصصاً وأساطير كان في نظر إغريق القرن الرابع قبل الميلاد تاريخًا صحيحًا.
وعندما وصل الاسكندر المعبد، رحبوا به وجرى إعلان الاسكندر الأكبر هناك فرعونا وابن إله آمون، وخضعت مصر لحكمه بعد ذلك، ذلك الشيء الذي أكّد له أنه غير عادي، ليس بشر مثل باقي البشر، بل إنه ابن اله، زيوس، وآمون، المستحيل لدى البشر، هو شيء عادي لديه، يستطيع القيام به بلمح البصر...
يرتدي الاسكندر درعه، ويلتقط سيفه، مستعدًا للحرب، ولكن هُناك شيء واحد مُهم لم ينهه قبل قيادة جيوشه تجاه طريق طويل من الحروب والفتوحات؛ وهو الإجابة عن سؤال: «هل اليوم مناسب لبداية حرب طويلة شاقة؟»، ولا يقصد هُنا الظروف السياسية او الطقس، بل الجانب الذي يهتم به هو بما وراء العالم الطبيعي الذي نراه بأعيننا، ولذلك سيترك جيوشه وراءه، ويذهب إلى معبد دلفي؛ ليجلس أمام عرافة المعبد، والتي تعد بمثابة الوسيط الروحاني بين زائرها والإله؛ يسأل الاسكندر، وتجيب العرافة بلسان الإله؛ فهل اليوم مناسب أيتها العرافة للخروج للحرب؟ وتردّ هي من خلف الأبخرة التي تحيطها في المكان وتلتقي منها إجابة الإله: "نعم أيها الإمبراطور العظيم؛ اذهب إلى الحرب؛ الآلهة تخبرك أنها في صفك، وأن الطريق ممهد لك."
ومنصب العرافة في معبد دلفي؛ شغلته نساء مختلفات منذ حوالي العام 1400 قبل الميلاد إلى العام 381 ميلاديًا، والأبخرة التي تتصاعد من أرض المعبد هي وسيلتها للتواصل مع الإله أبوللو، وحاولت الكثير من اللوحات القديمة توثيق هذا الحدث وتجسيده، حتى أصبحت تلك الأبخرة حقيقة بالنسبة لتاريخ اليونان مثلما يعد المعبد ذاته حقيقة، وسواء كانت العرافة قادرة على قراءة المستقبل في تلك الأبخرة أم لا، فهذا لا ينفي – من وجهة نظر التاريخ اليوناني – تواجد الأبخرة بالفعل...
تقول الأسطورة اليونانية: إن إله الرعد زيوس أرسل اثنين من النسور ليحلقا في اتجاهين متعاكسين عبر السماء؛ وحيث يتقابل طريقهما في السماء تكون تلك النقطة وما يوازيها بالأسفل هي مركز الأرض، وتلك النقطة التي اجتمع فيها النسران كانت فوق سماء مدينة ديلفي باليونان؛ فقام زيوس بوضع علامة على هذا الموقع والذي أطلق عليه «سُرة الكون» للدلالة على مركزية الأرض.
تلك التنبؤات التي تخرج من العرافة اليونانية او المصرية لم تكن من الآلهة، فبالنسبة للعرافة او الكهنة المصريين، فقد كان هناك غرفة يدخل فيها من يريد التنبؤ، بجانبها غرفة أخرى يدخل فيها الكاهن كأنه سيسمع صوت الإله منها، ولكنه كان يسمع منها صوت الغرفة الأخرى، صوت الأماني التي كانت تُراد، فكان يخرج ويخبر المسكين بما يريد أن يسمعه، كأنه من الإله، ليخرج المسكين بنشوة الأمل والإيمان فيما يريده لدرجة أنها تحدث بالفعل...
كذلك عرافة اليونان، فلقد توصّل علماء الجيولوجيا في القرن الماضي أن الأبخرة التي كانت الأسطورة تقول أنها تخرج منها صوت أبوللو – إله النور والموسيقى في الأساطير اليونانية- ومنها تلتقي العرافة التنبؤات الإلهية، تلك الأبخرة اكتشفوا مصدرها، وهي أن تحت معبد دلفي يوجد خلل بالأرض يسمح بتسرب الأبخرة والغازات التي تسبب هلاوس للإنسان، وهذا قد نستطيع أن نربط تلك الاستكشافات باسم العرافة في اليونانية "μαντείο " المشتق من كلمة "μανία" بمعناه: حالة من غياب الوعي والانا، فقد كانت العرافة تستنشق البخار والغاز الخارج من الأرض مؤمنة أنه صوت أبوللو، ولكنه كان صوت هلاوسها...
لا أعرف كيف بدأت وظيفة العرافة اليونانية، ولكنها وظيفة غريبة بعض الشيء، ساحرة، ولا أعتقد أنها تقوم بالسحر، أو بشيء غير طبيعي، إنما فقط هي تلعب دورها مع الأنا والنفس الإنسانية، لم يكن تفوق منها على قدر ما كان الهالة التي أحدثتها المجتمعات اليونانية قديمًا، هي من جعلت الانسان الذي يلجأ إلى العرافة، كان مهيئ نفسيًا وروحانيًا أنه سيجد إجابة الإله من العرافة، وبغض النظر عن نوعية الإجابة، فستحدث، لأنها من الإله! فعندما يسمع الإجابة، يخرج من المعبد، ويملئه اليقين، أنها ستحدث، ويهيئ نفسه وظروفه وكل شيء حوله، على أنها ستحدث، وكأن أول عرافة يونانية قد قرأت عن نظرية قانون الجذب، التي تنص على أن "مجريات حياتنا اليومية أو ما توصلنا إليه إلى الآن هو ناتج لأفكارنا"، فلم تلعب العرافة إلا دورها في الأفكار التي تشكّلها باسم الإله، وأي انسان طبيعي إذا جائه شخص وقال له إن الإله الذي تؤمن به يقول لك كذا وكذا، سيصدق ويؤمن بذلك الكلام إيمان راسخ، خاصة إذا كان هذا الكلام، على هوانا ونتمنى حدوثه...
وفي نظري الشخصي، أن جميعنا نستطيع أن نقوم بدور العرافة، إذا فقط، أظهرنا إنسانيتنا وتعاملنا بها مع باقي الخلق، ومن يريد أن يسمع أنه يستطيع أن يفعل المعجزات، نخبره بذلك، وحتى وإن كان غير منطقي، فلا شيء مستحيل، الإنسانية اليوم في القرن الواحد وعشرون، تخطت حروب عالمية، أوبئة كورونيّة، حدثت ثورة إلكترونية لم يكن هناك أحد يتخيّلها يومًا، إلّا صانعيها، هم فقط من تخيّلوها، وصدّقوها، وقاموا بها، وهذا بالنسبة للإنسان الطبيعي، شيء خارق، ولكن بالنسبة للإنسان الذي يصدّق نفسه، وبما تقوله العرّافة الخاصة به له، فهو شيء ممكن أن يحدث... ولية لأ!

















