اليوم تبدأ حكاية قصتي، خرجت من المطبعة وأنا أشعر بالسعادة والحماس حيث تبدأ رحلتي الآن، أو ربما هو حماس الشباب، لا أعلم. وصلت إلى المكتبة ثم وُضعت من قبل صاحب المكتبة برفق على أحد الأرفف، كم كنت محظوظة! فقد وضعت على رف ظاهر يخطف نظر القارئ بمجرد دخوله إلى المكتبة. كم كنت سعيدة بهذا المكان! بالفعل بدأ القراء يتوافدون على المكتبة وبدأت أفكر كرد فعل تلقائي هل أريد حقًا أن يقتنيني شخص ما؟، هل أريد أن أنتمي لقارئ بعينه؟ أم أريد أن أبقى داخل المكتبة -بيتي حاليا- وسط أصدقائي الكتب والمجموعات القصصية والروايات.
مر يوم واثنين وعشرة، اعتدت المكان هنا وأحببت حياتي لدرجة جعلتني أفكر أني لا أريد الرحيل، لا أريد أن يقتنيني أحد، أريد أن أبقى هنا في هذه المكتبة. فمع كل كتاب يخرج كنا نودعه بحزن، ولكن في نفس الوقت كنا نفرح أيضًا من أجله، لأنه سوف يتعرف على صديق جديد وسيذهب ليؤنس كتبًا أخرى في مكتبة هذا الصديق.
إلى أن جاء صباح يوم الاثنين، دخل المكتبة شاب يبدو عليه قدر غير قليل من الوسامة، ملبسه مهندم وشعره كذلك. نظر الأستاذ دال نظرة عابرة في المكتبة، وقف أمام بعض الأرفف يتفحص الكتب والقصص، جال بنظره مرة أو اثنتين، توقف ثانية أمام بعض الأرفف إلى أن توقف أمام الرف الذي أسكنه، بيتي الجميل، تفحص أكثر من كتاب ثم برفق أمسك بي. نظر نظرة مطولة إلى الغلاف وبدأ يتصفح بعض الصفحات، ثم اكتست وجهه ابتسامة عرفت حينها أني أصبحت صديقته الجديدة.
صحبني خارج المكتبة في أقل من خمس دقائق وذهبنا معًا إلى بيته، لم يضعني على الفور وسط أصدقائي الجدد من الكتب، وإنما جلس على كرسي وهو ينظر إليّ نظرة حانية وكأنه أخيرا قد وجد كنزه المفقود، ثم رن جرس الهاتف فاضطر إلى وضعي برفق في مكتبته وسط كتبه، الذين سأتعرف عليهم بعد قليل، ثم هَمَ صديقي بالذهاب.
جلست بين الكتب وبدأت رحلة تعارفنا، تحمست كثيرة لمعرفتهم، فالكتاب السيد جيم، هو الشخص الأكبر ضمن هذه المجموعة، رحب بي بصوته الودود وعبر عن مدى سروره هو والآخرين بوجودي معهم اليوم، ثم رحبت بي السيدة راء زوجته، استمرت رحلة تعارفي على الكتب والقصص واحدًا تلو الآخر بعض الوقت، وفي نهاية اليوم صادقت الآنسة سين وأصبحنا صديقتين حميمتين منذ تلك اللحظة.
عاد صديقنا المفضل أمضيت معه أول خمسة أيام قرأ كل صفحة من صفحاتي، كان يقرأ بعناية وبدقة لم يترك ولو كلمة واحدة أحسست أننا أصدقاء حقًا، شعر صديقي بالسعادة مع وصوله لآخر صفحاتي فقد اكتسب صديقة جديدةً لكنه شعر بالحزن أيضًا لأنه مضطر أن يضعني في المكتبة ولو لفترة من الزمن، شعرت بأنني سعيدة فقدت أديت جزءًا مهمًا من عملي وسببت السعادة لشخص ما واكتسبت صديقًا جديدًا، صديقا من البشر، عادة أصنع الكثير من الأصدقاء من الكتب ولكني أسعد عندما أصنع أصدقاء من البشر.
ظللت أعيش في هذه المكتبة طيلة خمس عشرة عامًا، كنت سعيدة جدًا، أشعر بالأنس والألفة بين أصدقائي الكتب وتحديدًا برفقة الآنسة سين. ثم جاء يوم ما ووقف أمامنا صديقنا وهو يبدو على وجهه بعض الحزن وأخبرنا بأننا مضطرون للرحيل وأنه سيجمعنا في بعض الكراتين لفترة قصيرة من الزمن من أجل الحفاظ علينا وبمجرد انتقالنا للمنزل الجديد سوف نعود جميعًا إلى المكتبة ثانيةً. وبالفعل تم حزم الحقائب والكراتين وانتقلنا في غضون ثلاثة أيام إلى منزل جديد، وأول ما فعله الأستاذ دال أن أخرجنا من الكراتين فقد افتقدنا ضوء الشمس، جلسنا في مكتبتنا الحبيبة بيتنا الأول والأخير، شعرنا بالألفة بوجودنا مع بعضنا البعض، استغرقنا بعض الوقت لنتعرف على البيت الجديد بألوانه المختلفة وكان أهم ما يميز هذا البيت أنه يدخله الكثير من الشمس، أحببنا البيت جدًا، افتقدنا بيتنا القديم ولكن بمرور الوقت تعودنا على البيت الجديد وألفنا وجودنا فيه وأهم ما يميز أي بيت هو وجود صديقنا العزيز هنا، الأستاذ دال.
لمدة عشرة أعوام كنا سعداء، نعيش نحن الكتب وصديقنا الأستاذ دال في ود وسعادة، الشمس تؤنسنا كل صباح ويطل القمر بنوره كل مساء، تأتي بعض الرياح والهواء الرقيق من وقت إلى آخر فنشعر بحالة من البهجة، كنا نعيش جميعًا كأصدقاء في بهجة وسعادة في بيت واحد. وبعد ذلك مرض الأستاذ دال، في البداية أخبره الطبيب أنه يحتاج المزيد من الراحة، يحتاج ألا يرهق نفسه، وبمرض الأستاذ دال بدأ يقضي معنا الكثير من الوقت، أصبحنا نقضي عددًا أكثر من الساعات كل يوم، بعض الساعات في الصباح، وبعضها في المساء، وأحيانًا عندما كان ينتابه الأرق كان يجلس معنا ساعات إضافية بعد منتصف الليل، استمر الحال هكذا لمدة خمسة أعوام كنا نعيش حالة من السعادة في هذه الفترة.
في صباح يوم الخامس من نوفمبر، استيقظت وأنا أشعر ببعض الضيق لم أعلم سببه وقتها، ولكني ظننت أنه إحساس عابر وسوف يزول بمرو الوقت، ولكنه لم يزول فبحلول الساعة السابعة من هذا المساء عرفت سبب الضيق الذي انتابني منذ بداية اليوم، لقد رحل صديقي العزيز، لقد رحل الأستاذ دال إثر وعكته الصحية التي بدأت منذ خمسة سنوات، فقدنا صديقنا العزيز وافتقدناه كثيرًا منذ ذلك اليوم.
ربما يكون الأستاذ دال قد رحل بجسده ولكن روحه مازالت معنا، فنحن نسكن مكتبته في بيته، فنحن أصدقاؤه الذين سنبقى دائمًا نتذكره، سنتذكر لمساته لكل صفحة من صفحاتنا ونظراته الحانية الودودة لكل كتاب منا، فنحن نحبه كما كان يحبنا.