وهم السيطرة: عن تدمير المنظومة لا استبدال المتُسلط
تُخبرنا سيمون دي بوفوار أن: "الفكرة ليست أن تأخذ المرأة السُلطة من يد الرجل بل الفكرة تحديداً هي تدمير مفهوم السُلطة نفسه."
تم تصوير القوامة أو الولاية ليس كمسؤولية أخلاقية، بل كسلطة مطلقة تمنح طرفاً حق الوصاية على وجود الطرف الآخر. وهنا لم يعد صراع الوصاية على المرأة لحمايتها او لحماية الدين، بل أصبح صراعاً على امتلاك المجال العام.
إن الهدف الحقيقي للأيديولوجيا الوافدة من بيئات مختلفة -تجمع عدة خصائص أنثروبولوجية شكلت هذا التشدد- في الأساس لم يكن حماية المرأة بل تكريس مفهوم "السلطة الهرمية"؛ حيث يجب أن يكون هناك دائماً تابع ومتبوع. تدمير هذا المفهوم يعني إدراك أن القيمة الإنسانية لا تُستمد من القدرة على المنع أو السماح، بل من الاعتراف بالاستقلال الوجودي لكل فرد.
مكر الأيديولوجيا في تشكيل صورة عن الجسد
عرف التاريخ الإنساني مفهوم الوصاية بالتزامن مع نشوء التكتلات الرعوية والقبلية، ويبدو هذا مفارقاً للمنطق؛ لأن الغرض الأصيل من التجمع البشري كان "الحماية التشاركية"، إلا أن الأمر استحال إلى ما يمكن تسميته بـ "مكر السلطة". أي أن الأدوات التي وُجدت لحماية الكيان الإنساني، هي ذاتها التي كرسّت لاحقاً مفهوم الوصاية الجندرية، الذي اتخذ أشكالاً متباينة وظلت آثاره قائمة حتى يومنا هذا.
شهدت الثقافات الرعوية، سواء في نجد أو في سهول الغرب القديم، ميلاد سيكولوجية التسييج كان الغرض منه هو إعادة تشكيل الفرد ليكون ترميزاً بَصرياً لهيبة الجماعة. ومن هذا المنطلق لم تكن تلك الثقافات تنظر إلى حجب جسد المرأة أو تقنين حركتها كفعل قمعي، بل كإشاعة للفضيلة الجمعية وهدمٍ لأي نزعة فردية قد تهدد تماسك القبيلة.
اتخذت هذه الوصاية أشكالاً متباينة مع مرور الزمن؛ منها الشكل الأيديولوجي الراديكالي الذي يرى في الجسد عورة سياسية، ومنها الشكل الرأسمالي السلعي الذي يرى في الجسد أداة ربحية. وكلا الشكلين يتفقان في جوهر واحد: سلب السيادة الذاتية عن الإنسان، وإخضاعه لنظام من الرقابة يجعل من الصراع بين النوعين أداةً لاستمرارية مفهوم السلطة نفسه.
من هذا المنظور نجد أن للوصاية ضحيتين: الضحية المباشرة التي تُسلب إرادتها على جسدها وعقلها وتُوضع خلف جدران السمات الشكلية (سواء كانت تغطية قسرية في الشرق أو تسليعاً استهلاكياً في الغرب)، والضحية غير المباشرة وهو الرجل نفسه، الذي يُراد إرهابه بمفهوم الشرف ليظل في حالة استنفار دائم لحماية ممتلكات لا يملكها، والمقصود هنا إخافته حتى لا يفكر في تجاوز السلطة الأبوية أو الخروج عن النمط التقليدي.
اتخذت هذه الوصاية أشكالاً مختلفة مع مرور الزمن؛ منها الشكل الأيديولوجي الراديكالي الذي يرى في الجسد عورة سياسية، ومنها الشكل الرأسمالي السلعي الذي يرى في الجسد أداة ربحية. وكلا الشكلين يتفقان في جوهر واحد وهو سلب السيادة الذاتية من الإنسان وإخضاعه لنظام من الرقابة يجعل من الصراع بين الجنسين أداة لاستمرارية قوة السلطة.