في أيامي الأولى كنت أسألهم إذا كانوا يشعرون بالإرهاق فيومئون قائلين إنهم يأتون من مدن أخرى بعيدة، كلما سمعت ذلك أرى أمامي نقاط ضوئية قاصية،
قصة قصيرة لي نُشرت اليوم على كتب مملة.

❣ Chile in a Photography ❣
taylor price
Show & Tell

JVL

祝日 / Permanent Vacation
dirt enthusiast
2025 on Tumblr: Trends That Defined the Year
DEAR READER
Aqua Utopia|海の底で記憶を紡ぐ
AnasAbdin
Peter Solarz
let's talk about Bridgerton tea, my ask is open

Andulka
noise dept.
we're not kids anymore.
cherry valley forever

@theartofmadeline
Cosimo Galluzzi
RMH
Stranger Things
seen from Russia
seen from Malaysia
seen from France

seen from Malaysia
seen from South Korea
seen from United States
seen from United States
seen from Australia

seen from United Kingdom
seen from France

seen from United States
seen from Romania
seen from United States
seen from Germany

seen from Malaysia

seen from Canada
seen from Austria
seen from China

seen from Malaysia
seen from Russia
@birdandhuman
في أيامي الأولى كنت أسألهم إذا كانوا يشعرون بالإرهاق فيومئون قائلين إنهم يأتون من مدن أخرى بعيدة، كلما سمعت ذلك أرى أمامي نقاط ضوئية قاصية،
قصة قصيرة لي نُشرت اليوم على كتب مملة.
إعادة كتابة عن صديق قديم
للقراءة
كنت ذاهبًا أول أمس إلى وردية الليل مستقلًّا تاكسي بعد تعطل القطارات لسوء أحوال الطقس؛ كانت الرياح ضارية لا يجرحها شيء. ركبت مع سائق باكستاني سلّم علي أول الرحلة ثم بقينا صامتين. ظللت أنظر الي الطرق الخالية والإضاءة البرتقالية الدافئة في نوافذ البيوت التي بدت مهجورة رغم ذلك. في منتصف الطريق اشتدّت تغيرات الجو؛ هطل المطر بغزارة وضاقت الرؤية في الطريق الضيق الذي يمر عبر الريف، حين قال السائق هذا ثلج، هيل. قلت طقس غريب، وانتابني أنا والسائق قلق مع ارتطامه المتكرر بالزجاج، وضبابية الدنيا أمامنا.
فجأة على يساري لاحظتُ طاحونة هوائية، برزت كأنها من حلم، المرة الثانية التي أراها فيها عن قرب، بنيان هائل وضخم، تحرّكه الريح، تتوسط حقلًا ويرغمها الهواء، كانت أذرعها تتحرك بسرعة وبدت كعملاق يعبر بجانبنا مع إضاءة خافته قادمة من عمود إنارة ورذاذ متناثر في الجو والدنيا موحشة من عصف الرياح وليس سوانا على الطريق الذي داهمتني فيه غزالة تائهة يومًا .أُخذت بسريالية المشهد.
اعتدت مشاهدة طواحين الهواء من نافذة الشقة الخلفية، أراها من بعيد على التلال التي تحاوط المدينة، ضئيلة الحجم بفعل المسافة، يتغير ما يظهر منها حسب طبيعة الجو، أحيانا يغطيها الضباب تمامًا ولا يبدو منها سوى حركة شبحية، ومرة يكسوها السحاب من الأعلي وأوقات نادرة تغيب الشمس من بينها. وقلما تثبت، لكن ذات يوم لاحظت الأذرع ساكنة تمامًا فأدركت أن ثمة شيء خاطىء وحين فتحت الباب لم تكن هناك نسمة هواء، حدث نادر عبر في أمسية صيفية من بين مخزون الصقيع.
سألني السائق: أخي هل أنت مسلم، أقول له الحمد لله يقول أنت تعلم الليلة هي ليلة القدر، هذا الجو علامة تدل عليها. أبتسم ولا أعلق، ما أعرفه أنها تكون ليلة هادئة وصافية. يهزم الرعد وبعد لحظات صمت يقول السائق أنت تعلم أنا اسمي أحمد مثلك. أبتسم له مرة أخرى وتخرج من فمي همهمات لا أنا ولا هو يفهمها لكني كنت أرغب عاجزا في قول عاشت الأسامي يا أحمد وحصلنا الشرف. نستمر في الطريق الطويل وقد غابت البيوت والغزلان والطواحين ولا يشاركنا سوى وميض البرق من وقت لآخر.
إلى أي مدى يمكن لطائر ضئيل الحجم أن يتحمل البرد؟ درجة الحرارة تحت الصفر وهبّات الرياح تفوق ٣٥ كيلومترًا في الساعة. هناك تفسير علمي عن قدرة الطيور على الاحتفاظ بدرجة حرارة أجسادها…إلخ إلخ، لكن ذلك لا يجيب على سؤالي وأنا أشاهد طائر أبو الحناء (Robin) من نافذتي على فترات متقطعة من اليوم. اليوم إجازة، لمحت شروق الشمس في الصباح ففتحت باب الشقة الخلفي لاستقبال الضوء وجهًا لوجه. كان الأفق مشتعلًا متوهجًا، قليلًا مثل لون صدر أبو الحنّاء. كان الضوء مبهرًا ولكن ضعيفًا جدًا أمام برودة الجو. استقبلتْ وجهي نصال هواء حادة لادغة لم أتحملها فدخلت فورًا ورحت أراقب الروبين من النافذة. أراه منذ مدة يأتي إلى الباحة الخلفية المغطاة بأعشاب ونباتات متروكة بلا عناية. هذا العصفور حجمه ضئيل جدًا وأرجّح أنه صغير السن. كان يأتي قبله طائر آخر من نفس جنسه أكبر حجمًا وأكثر خبرة ثم اختفى فجأة. أعرف أنه ليس نفس الطائر من حركات أبو الحناء الصغير المتوجسة الخائفة من الرياح، فعندما يهيج الزرع من حوله وتصدر زمجرة التيارات الهوائية في البيوت والنوافذ وفروع الشجر، يطير سريعًا مختبئًا في كومة العشب والنفايات. أراه يقف لاحقًا على كرتونة عالقة بالنبات. أقول قد توفر بيتًا جيدًا له لكن يقلبها الهواء في ظرف دقائق. يطير أبو الحناء مرة أخرى ويلتقط فُتاتا من الأرض ثم يحط على سَّبَت (حقيبة) أصفر وضعه الجار منذ أيام، ولا يقف عليه كثيرًا لكن ألوانهما تبدو جميلة معًا. يعاود التقافز هنا وهناك ويغيب عن نظري وأنا أفكر يا ترى أين يوجد عشه وكيف سيتحمّل برودة هذا الجو العاصف. عادة أراه في اليوم التالي لأيام مشابهة وأندهش من نجاته. أفكّر أن أبو الحناء الصغير عنده عش جميل ومحكم، لو فقط يخبرني بمكانه، لو يسمح لي أن أقول كلامًا مرسلًا عن خوفي من عدم احتماله للبرد كي أخفي خوفي أنا، وعن كونها حقيقة وليس توهمًا أنني أرى صدره يتوهج كالشمس في الأيام المطيرة المظلمة.
الدنيا 'هتتهد' من الهواء في الخارج، أسمع صفيرًا، وصوت دوامات الهواء البارد الذي لا يجرحه شيء، وتذبذب المصباح. شهدت الشمس في الصباح والسماء الوردية وبوادر هذه الموجات. لا تأخذني الرياح إلى عرض البحر، ربما إلى حانات تتوهج بإضاءة برتقالية لكنها تنطفىء وتضيع في ثوان. لا أظن أنني قادر على الكتابة، وقلقي يتزايد بشأن أمور شتّى. أتصفح فقرات بعينها في الكتب التي لم أقربها منذ مدة. أنا أمشى محصّنًا كذكرى وسط طرق مظلمة غطّاها الصقيع، أتذكر السيد والخادم-في قصة تولستوي- وتعثرهما المتكرر في العاصفة ليلًا، وهذا لا يعني شيئا. أنسى أبسط البديهيات، مثلًا لو وصّدتُ باب المطبخ سأتفادى البرودة القادمة من عَقِب الباب الخلفي.
الرياح تشتد فجأة، انفعال في تيارات الهواء يهز البيت، ويرتطم المصباح بالجدار. أفكر في استعارة مناسبة بلا جدوى. يقول كالڤينو 'في دراسة أجريتها يومًا عن الاستعارة في كتابات جاليليو أحصيتُ أحد عشر مثالًا مهمًا يتحدث فيها عن الخيول بوصفها صورة للحركة وبالتالي كأداة في التجارب الحركية؛ وكشكل من أشكال الطبيعة بكل تعقيدها وبكل جمالها'
مَن غير كالڤينو قد يدرس الاستعارة عند جاليليو، لوهلة أتخيل نفسي أمامه في مكتبه كمرسال آت من مدنه اللامرئية. أجد أنني وضعت خطًا تحت جملة كتبها تشسترتون 'مثل الفرق بين رسم خريطة لمتاهة وخريطة لضباب'
في هذه اللحظة والرياح التى تعرف طريقها في مسارات المدينة، تعصف بلا انقطاع، أحاول رسم خريطة لضباب، هذا ما أريد قوله لكالڤينو، في هذه اللحظة حيث أنظر إليه من حيث لايراني، أريد أن أكتب شيئًا يخصني، ويضيق صدري.
هذا النص ضمن تقليب 15# «مُنتهى الأدب»
في أيامي الأولى كنت أسألهم إذا كانوا يشعرون بالإرهاق فيومئون قائلين إنهم يأتون من مدن أخرى بعيدة، كلما سمعت ذلك أرى أمامي نقاط ضوئية قاصية،
قصة قصيرة لي نُشرت اليوم على كتب مملة.
هناك لحظات أشعر فيها أن العالم لايوجد خارج غرفتي وليس سوى صوت مرور السيارات الذي تُحجمه النافذة فلا يصلني منه سوى الفحيح الناتج من عوامل لها علاقة بأهواء الرياح.
بالطبع يوجد داخل السيارات بشر في طريقهم إلى شؤونهم الخاصة، لكن الصوت الصادر يُسهّل تصديق أن ما يتحرك مركبات أخرى قد تكون خالية. فأنا إذا خرجت في صبيحة يوم أحد متجهًا إلى العمل وجدت الشوارع مهجورة ولا همس يفلت من البيوت ولا صريخ ابن يومين وأرى المباني الضخمة تتطلع لفكرة هربت مني، وأمشي في مساحات من الخلاء، وأمر بطريق الجامعة وبمبنى قيد الإنشاء مغطى بأقمشة بيضاء على السقالات تتطاير وتتموج، وببروايز معلقة أمام متحف، وبإعلانات عن حفلات لأشخاص يرتدون ملابس فاقعة، لكن لا أحد هنالك على الإطلاق سوى النوارس في السماء، حتى أصل للمحطة وأقف فيها بمفردي فأتأكد من استنتاجي.
فإذا ذهبتُ إلى الحديقة وجلست أمام مجرى مائي أعرف من الخريطة أنه نهرا، وإذا حدقت في حركة المياه التي تنساب بسهولة مدوخة وأشعر بالغيرة من هذه البساطة، ومن هذا التدفق السهل المستمر، وفي الحجارة الملوّنة والحصى اللابد ساكنًا في القاع، وفي تمايل السنابل على الضفاف، وفي طيران الفراشات العجيب المُلازم للدُوار، وإذا نظرتُ كل وهلة وأخرى إلى الجانب الأخضر الفسيح ثم بادلت بين ذلك بالكتاب الذي معي، وفجأة أسمع لهاثًا ويقترب مني كلب مرقط يُظهر حماسا أمام الماء ثم يهبط المنحدر ويصعد ويقف أمامي ثم يبتعد من أمام المقعد، ويكرر ذلك التتابع مرة أخرى حتى يصل أصحابه، فأفهم حينما يحدّثه صاحبه أنه ينتظر إذن النزول للماء فيعود الكلب ويتلكأ أمامي لوهلة ثم يهبط المنحدر سريعا ويقفز في الماء مبسوطا ويخرج ويتلكأ أمامي مرة أخرى فيبتسم صاحبه، ويفوت علي أنني كان ينبغي أن أمسح على رأس الكلب حين جاء ووقف وحين جاء وركض وهبط وعاد ووقف ثانية وحين انتظر أصحابه وسمحوا له ونزل وصعد مبللا وينظر لي، فأنظر له فلا أرى شيئا حتى يعيدني صوت صاحبه الذي يؤكد للكلب أنني لن ألمسه بعد انغماسه في المياه. حين يحدث كل ذلك أصدّق أن العالم موجود وأنني في الواقع من يتلاشي تدريجيًا.
حكاية عن الخوف
في وقتٍ كان الرعب يتخذ هيئة أبيه والمدرّس، طلب منه الأخير أن يُحضر معه ولي أمره. أحسّ بخوفٍ يزيحه بعيدًا كأنما يحلم -كالماضي- بالسقوط من الشرفة، وغاص قلبه في رجفة مكتومة مثقلاً بالهم في ثوان حتى أنه حاول الكذب قائلًا بصوت مؤثّر أن لا أحدًا في البيت، فذكّرته ببرود مُساعدة المدرس الحسناء أن الطلب لغدٍ وليس لليوم. أدرك تعقيد المشكلة واجمًا، فعليه أن يخبر أبيه وأن يبين السبب بطريقة لا تجعله مذنبًا، كما أن عليه اختيار الوقت المناسب.
بلا تفكير عرف أن عليه مقابلة أبيه في مساحة مشتركة بينهما. للأسف لم تكن هناك مباريات كرة قدم ولا ماتشات مصارعة ولا خطط مسبقة للصيادة ففي هذه الأوقات فقط يصبح التواصل سهلاً. بعد خروجه من الدرس، لمح أبوه في الطريق من بعيد، قادمًا من البيت ذاهبًا إلى المحل، لابد أنه أكمل قيلولته. أراد أن ينعطف في أي اتجاه لكنه تأخر وسيضع نفسه في مأزق لو حاول. كان أبوه قد حلق وبدت رأسه صغيرة ومع اقترابه ظلت ملامح وجهه تتغير بين الحزم والألفة. جاهد ألا يبدو مرتبكًا حين صار قبالته وتبادلا كلاما قليلا لم يتطرقا فيه إلى الدروس، وأكمل سيره بلا مشاكل. لن يعود أبوه من المحل إلا عند العاشرة تقريبًا.
في البيت لم يأكل جيدًا وتهرّب من زيارة ابن خالته لهم وندم على ذلك لاحقًا. جلس على السرير يفكر كيف سيحكي أن واجب الرياضيات كله خطأ، رغم إعادات المدرّس المتكررة للمسائل. لايريد أن يُتهم بالغباء الذي يعتبره خزي كبير يجعله يكره نفسه، عدم التركيز سيكون تهمة أرحم بكثير، وهي الحقيقة في نظره، لا يعرف سوى الحقيقة، لن يؤلف ولو نتجت أضرار. بعد لحظة حزن تخيل نفسه ماثلاً أمام أبيه القاضي الذي سيحكم في هذه الجريمة، قال لنفسه الحقيقة أنه خائف، وخوفه بدأ قبل طلب ولي الأمر، هذا اللقب الذي يحمل في طيّاته درجة من العبودية. هكذا سيحكي لأبيه عن خوفه، سيقول أنه كان جالسًا معهم للغداء كأي يوم وكان أبوه قد فتح التلفزيون على فيلم تسجيلي، ووجد نفسه ينظر إلى غرفة عمليات. كانت الألوان رصاصية عائمة بين باقي الألوان الخضراء والزرقاء الشاحبة الكئيبة في إضاءة خافتة تضاعف قتامة المشهد، وعلى سرير يوجد توأم ملتصق. تنقلت الصور بين الغرفة وبين شخص يشرح تعقيدات عملية فصل التوأم عن بعضهما بعضًا. كان مشهد التوأم صادمًا بدرجة تفوق تصوره، لم يتوقعها حتى في أفلام المسوخ التى شاهدها بالصدفة مع ابن خالته. حاول أن يكبح نفسه عن النظر وعلق الأكل في حلقه فأصبح غير قادر على البلع، لكنه حاول ألا يُظهر أيا من ذلك. أكمل الرجل في وصف كيف يعيش التوأم الملتصق وكيف سيتم فصلهما جراحيًا مع صور متكررة لهما بدا فيها تداخل الأعضاء أحجية شيطانية خبيثة. كان المنظر لا يحتمل و أحس أن جريمة دامية بآلات حادة جارحة ستحدث وأنها قريبة منه قرب قلقه. حاول أن يبلع وأن يأخذ ملعقة أو اثنتين فامتزجت ألوان الطعام الموضوع سريعًا مع ألوان المشهد فكأنه بقايا مرض تسرب من الشاشة إلى الصالة. قام محاولا قدر الإمكان أن يحافظ على هدوئه فالخزي الآخر الذي يتعرض له في مواقف مشابهة هو أن يتهم بالجُبن.
سيقول لأبيه أنه حاول أن يكون شجاعًا، أنه قام بحل واجب اللغة العربية لكن لم يستطع التركيز في حل المسائل، وانتهز فرصة طلبه للسجائر فخرج سريعًا، وأحس أن القطط لا تشفق عليه على غير العادة، غير أن البائع مازحه وتوقع طلبه لعلبة سجائر بوكس ككل يوم، لكنه لم يبتسم فالدنيا في وقت غروبها باتت ذات إضاءة مشابهة وبرزت حواف المباني بشفرات فركض إلى البيت وقرر أن يهرب بالنوم. طبعا لم يستطع النوم وزادت نبضات قلبه كلما حاول أن يغمض عينيه لمدة طويلة، ولابد أن الليل لم ينتبه له ولا لصراعه الضئيل كيديه، لكنه انتبه هو للليل وللكوابيس التي انقضّت عليه واستيقظ عدة مرات ناهجًا على وشك الصراخ فلم ير في الظلام سوى وجه أبيه يوبّخه أنه جبان وسيظل طفلا للأبد مثلما كان يصرخ ويذهب للنوم معهما بعد أن رأى فيلما مظلماً عن وحش من الفضاء.
سيقول أنه عاود النوم ولم يصرخ لكنه لم يستطع التوقف عن رؤية كوابيس ورأى نفسه بجانب أخيه، رآه ملتصقًا به تدور أعينهما في حيرة مؤلمة وهناك شخص ملثّم يصنع ضجيجًا فوق رأسيهما يحمل منشارا في يديه. سيقول أنه أحس بوجع في جانبه الأيسر وأنه في الصباح وجد علامات حمراء منتشرة فيه. سيقولها عندما يسهر الليلة بعد عودة أبيه من المحل، سيجلس معه ويشاهد فيلما وثائقيا، يصادف أنه عن حياة الثعابين، وفي ساعة معينة في الثالثة صباحا ينتقل أثر من الأثير وتصيبه نفضة مفاجئة عندما يقفز ثعبان من تلافيف شجرة ناحية فريسة، فينتبه له أبوه المنغمس في شاشة الكومبيوتر مخضوضًا من اهتزازه المباغت ثم سيضحك معلّقًا على سخافته وأنه يجب أن ينام. حينها سيحكي له آملا، كالعادة، أن ينقذه أخوه فقد لاحظ أن رقة مفاجئة وحزن طويل ينتاب الوالد كلما جاء أخوه بلا موعد، وليس من بديل، في تلك اللحظات، عن أن يقع اللوم كله على المدرّس.
كأنني خرجت في صباح العيد ولم أتخذ المطر ذريعة للتغيب عن الصلاة، وسلكت طريقي لاحقا إلى الحديقة ولفت انتباهي تزايد الاخضرار وأن الله يحيي الأرض بعد موتها، وسمعت تغريد عصافير ضئيلة ضئيلة، ذات جمال وشقاوة، بارعة الانفلات والتعلق بالغصون. كأنني رأيت البقعة التي يلعب فيها الأطفال وسمعت صوت لحن عربة الآيس كريم وتجاهلت الشراء كالعادة بلا سبب مفهوم. كأنني لم ألمح الشباب مريب المنظر الذين سيتبادلون المزاج، كأنني أقف أمام البركة حيث النوارس ودجاج الماء والإوز الذي كوّن عائلة حديثا؛ يمشي كل زوج مع أفراخه الصغار مشية الحرس. كأن عجوزا يركب دراجة مر بجانبي وفصائل كلاب مختلفة تركت أصحابها وراحت تركض، والسناجب مشغولة بتفقد ترددات كارثة على وشك الحدوث لا أعرف عنها شيئا. كأنني مشيت في نفس الدروب وحييت شجرة القيقب والشجرة الضخمة التي لا أعرف اسمها. كأنني تحدثت إلى معارف قديمة كان بيننا عيش وملح. كأن الشحرور لن يتوقف أبدا عن نداء والاس ستيفينز، وعن محاولاته جذبي لطريق دون إحداثيات، كأنني لم أحاول إكمال فيلم كلب آل باسكرڤيل، كأنني ذهبت إلى السينما لمشاهدة فيلم ويس أندرسون الأخير. كأن تعليمات وصلتني من كيان أكبر مني وانقطع الخط فجأة ففقدت اتزاني، كأنني لست جالسا في غرفتي أقرأ عن تاريخ الخرائط محاولا تحديد وجهة، أفكر في أماكن البين بين، وفي البقع العمياء التي يسقط فيها الإنسان.
Light Emerald and Cinnabar Moths
خطر لي وأنا أفكر فيما سيلي أنني أحيانا تنتابني رغبة شديدة في التعبير عن نفسي. أحاول الآن أفهم سبب هذه الرغبة. قبل دقائق قليلة أحسست بحلول اللحظة التي تحدث يومياً وفي أوقات عشوائية، لكن يومياً، لحظة الضجر القصوى حيث يكتم شعور خانق علي. لحظة ضجر مفاجىء ومشكلة هائلة سوداء. ليس اصطداماً بالحائط قد يجعلك تتألم وتنتبه لنفسك بل أقرب للحظة انعدام حياة مؤقت، عندما يدرك سيزيف (وأنا محرج لإقحامه هنا) أن عليه إعادة تحريك الصخرة، وهذا ما أحسه؛ أريد تحريك قلبي ناحية شيء بعد هذا العطب المفترس. يصبح ثقيلا فجأة، ثقيلا بعنف، غريبا ببرود، وهو ما لايمكن تحمله. أنظر للكتب من حولي، أتذكر آخر حلقة شاهدتها من المسلسل، أفكر في أي ذكريات ذات أثر مدوّخ، أبحث عن الأفلام الموجودة في السينما، أنبش في دفاتري، أنظر مرة أخرى للكتب المرصوصة على المكتب وأريد إلقائها بعيدا، أقوم وأبدأ في تحريكها إلى الغرفة الواسعة فهي أحيانا تحسسني بالوجه الآخر للضجر؛ الزخم الذي يضيق بالصدر أحياناً . نسيت أنني قد أشعلت النار على قهوة، أحمل كتابا وأقف أمام القهوة، أقلّب في الكتاب الذي بعنوان "غموض الأشياء" الذي يصادف أنه عن التحليل النفسي، لا أذكر بالضبط الجملة لكن أولا العنوان من الملك لير، أما الجملة فهي للمؤلف عن التداعي الحر وعن الكلام، الكلام، الكلام، هذا ما أذكره بدقة؛ الكلام، الكلام، الكلام. لن أحاول فهم سبب لحظة الضجر اليومية التي قد تستمر لساعات، وربما أيام. لكن بعد أن أخذت القهوة (وهي تسبب لي مرارة كبيرة مؤخراً وأتجنبها كلما أمكن) وألقيت الكتاب في الغرفة الواسعة، خطر لي ربما أني أريد التعبير عن نفسي بدون أن يوجد جوهر وراء هذا التعبير أو حقيقة، أو ربما يوجد وأنا أشتغل نفسي. خطر لي أيضا رسالة تورجينيف لتولستوي وهو على فراش الموت: "لقد كنت سعيدا أني عاصرتك" لماذا؟ كنت أحمل كتاباً للأخير نقلته أيضا، وتذكرت زوجة تولستوي وهي تقول في مذكراتها أنها تشعر أنها "زاحف تعيس" وربما عند هذه اللحظة خطر لي ما استنتجته عن التعبير. لي مدة أشعر أن الأكل رديء، وأشعر بالغثيان بشكل متكرر. أستيقظ في السادسة صباحا، وفوضى مواعيد النوم تؤثر على مزاجي. أحارب في الظلام وأخسر. أمس بدأت اليوم بنظرات في دفاتر كامي وأنهيته بنظرات في لوحات تيرنر، وبينهما وضعت عبد القاهر حتى لا أشعر بوخز الضمير. تحدثت اليوم عن ممثل كوميديان توقف قلبه على المسرح وعملية إسعافه نتج عنها كسور في الضلوع وفي عظمة القص ونجا بعد عمليتي قلب مفتوح و يعاني حالياً من اكتئاب وقلق، وكرب ما بعد الصدمة. لم يفهم أحد لماذا ناقشته وخاضوا في حديث بعيد عن ما تصورته تماما. أنظر لعيون الرجل الذي رسمه چان لوي جيريكو، وأصدّق ما يقوله چون بيرجر، عيون لا يحرسها ملاك لكن عقلي يردد "له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه" وأنظر حولي كهرّ بعيد النظر وضوء النهار قد انحسر تماماً. سأكمل نقل الكتب ربما يخطر لي أشياء غامضة أخرى.