ذات مساء، تجلس امرأة أربعينية على السرير، في يديها هاتفها الذكي، تنتقل متململة من خبر إلى آخر، تطرأ عليها تلك الفكرة الغريبة، تبحث عن طريقة تواصل مع أدهم، قريبها وصديق طفولتها، حب مراهقتها الأول، يا ترى كيف هي أحواله ااأن، تعلم أنه طلق زوجته مؤخرا ولديه منها ابنة في السادسة من عمرها، وجدت أخيرا صفحته على الفيس بوك.
أرسلت له طلب صداقة، واندهشت من قبوله لطلب الصداقة خلال دقائق، استجمعت شجاعتها وأرسلت له: " أهلا أدهم، كل عام وابنتك بخير، لقد أحضرت لها هدية بسيطة، ما رأيك أن نلتقي قريبا؟"
لم يصدق أدهم عينيه وهو يرى اسمها يضيء شاشة هاتفه. "ليلى." كلمة واحدة تحمل ثقل كل السنوات والذكريات. شعر قلبه بخفقة قوية وكأنه عاد إلى عمر الثانية عشر.
تساءل أدهم عن سبب المراسلة بعد كل هذا الغياب الطويل، ولكنه لم يستطع كبت الحماس الذي غمره. قفز في ذهنه سؤال واحد: "هل يمكن؟"
أجابها أدهم سريعاً، وقلبه يخفق وكأنما يرد على رسالة غرام أولى:
"شكراً جزيلاً يا ليلى، أنكِ تذكرتِ عيد ميلاد ابنتي. ستحب الهدية بالتأكيد. حسناً، أين تودين أن نتقابل؟"
جاءها الرد منها بسيطاً ومباشراً:
"لا أعلم، اختر أنتَ المكان. أنا متاحة يومي الجمعة والسبت. أرجو أن يكون هذا اللقاء بعيداً عن أسرتينا، فقط أريد أن نتحدث قليلاً."
فهم أدهم الإشارة. إنها تحتاج إلى مساحة هادئة، بعيدة عن ضجيج الماضي وتوقعات الحاضر. وبعد تفكير، اختار مكاناً مميزاً على النيل؛ مقهى هادئ بإطلالة واسعة، حيث يمتزج مشهد النيل بهدوء المكان. أرسل لها التفاصيل مؤكداً اللقاء يوم الجمعة.
خلال تلك الأيام التي تفصل بين المراسلة والموعد، لم يستطع أدهم أن يتوقف عن الغوص في بحر ذكرياتهما المشتركة. كان هناك شريط سينمائي يمر في ذهنه لا يستطيع نسيانه، هي ذكرى طفولية خاصة جمعتهما:
كان عمرهما لا يتجاوز الثانية عشرة. ليلى كانت تبيت في منزل والدته مع أخواته في عطلة العيد. في تلك الليلة، قرر الجميع السهر لمشاهدة فيلم "النمر الأسود" الشهير. كانا بطبعهما خجولين، لكن في تلك السهرة، وتحت غطاء من الشجاعة الطفولية، كان أدهم يغني أغنية من الفيلم بطريقة هستيرية، كانت ليلى تضحك بشدة وبشكل هستيري، كانت ضحكاتهما معدية ومرحة بشكل سخيف، وكأنهما اكتشفا لغزاً مضحكاً لا يراه أحد سواهما. تلك الضحكات كانت فيضا من المشاعر البريئة التي ربطت بينهما بطريقة غير مفسرة.
تنهد أدهم، وهو يبتسم لذلك الرابط القديم الذي لم يقطعه الزمن.
ليلى، من جهتها، تذكرت ضحكاتهما الطفولية العفوية. شعرت بلسعة حنين وقالت في نفسها بأمل: "أتمنى لهذين الطفلين أن يضحكا الآن رجلاً وامرأة، أن تبتسم لهما الحياة من جديد... لقد عانينا ما يكفي."
في اليوم التالي هاتفها خجلا،
ضحكت وقالت: مرحبا أدهم، انا بخير كيف حالك؟
- سنتقابل في نادي على النيل، أحب أن أذهب هناك وحدي، هل تودين أن أمر عليك بالسيارة؟
- لا داعي، فقط أرسل لي العنوان وسأقابلك هناك، متى تريد أن نتقابل؟
صمت أدهم خجلا، شعر بالإطراء وبالحماس.. ربما طال صمته لذلك قالت ليلى:
حين وصلت وجدته يشرب عصير ليمون وينظر إلى النيل، كان شعره الأسود الجميل يتخلله شعرا أبيض ، أدهشها مرور السنوات، أدهم الصغير صار رجلا تلمؤه السنون بالحكمة!
سلمت عليه فابتسم ابتسامته الطفولية، قالت في نفسها هذه الابتسامة لم تكبر.
- ربما أنت مندهش قليلا والحقيقة هذا حقك تماما، أنت تعلم أني طلقت من زوجي من عدة أشهر، وأعتقد أن كلانا من النضج الكافي الذي يسمح لنا بالحديث الواضح بلا مداراة، أنا أعتقد أن نعطي أنفسنا فرصة مستحقة لنتعرف على بعضنا البعض، ليلى الكبيرة وأدهم الكبير - قالت في نفسها: الذي ظهرت شعيرات بيضاء في رأسه- لا أعلم إلى أين يمكن أن يصل بنا ذلك، أريد فقط أن أعرف ان كان لديك مانع؟
ابتسم أدهم، لم يكن يدرك كم تغيرت ليلى الصغيرة حتى تتحدث أمامه بكل ذلك الوضوح واللطف، حاول أن يستجمع أفكاره، فقال مبتسما..
- حسنا أدهم أخبرني عن نفسك.
ابتسم وقال... هممم من أين أبدأ؟
مرت الساعات وهما يتحدثان، تماما كما كانت تمر سريعة وهما أطفالا في بيت الجدة، لا يوقف حبال أفكارهما إلا ميعاد الرحيل، وهو صوت والدتها أو خالتها أيهما الراحل أولا.. كان الوداع حينها مؤلما فلم يكونا يعرفان متى اللقاء، كان الحب بينهما حقيقيا وبريئا.
أما الأن فالحب المتناثر وسط حروفهما فحبا ناضجا، تحدثا عن كل شئ، عن الألم، الأبناء، الأحلام المؤجلة، محاولة النجاة وسط العواصف، الطلاق، العمل، الأهل.. الغلاء، ضحكا كثيرا وصمتا طويلا، كانت روحيهما تتكلم، كانت تتلاقى، كان لقاءا جميلا وكالعادة مر سريعا.
ليلى: ياه، الساعة الآن السابعة، لم أكن أتوقع قضاء كل هذا الوقت.
- بالتأكيد، ما زلت أريد أن أعرف عنك المزيد.
- حسنا، ربما هذا سابق لأوانه، لكن ليلى أنا أشعر تجاهك بمشاعر قوية.
تبتسم ليلى في خجل، وتتحدث عينيها.
تكتب ليلى ليلا في مذكراتها: كان يوما جميلا، لم أكن أعلم أني سأتحدث معه بهذه السهولة، لقد كنت مستعدة أن أظل جالسة معه حتى الشروق، ضحكته الطفولية، عيناه الواسعتان، انصاته الدائم لي، وحين يتحدث أستطيع إكمال جملته قبل أن يقولها، لطالما شعرت معه منذ طفولتنا بحب ولطالما أحببت أن أحتويه وأسمعه، لم تكن شفقة لكني كنت أرى ألمه، لم يكن يوما كاذبا، كان حقيقيا بكل ما فيه، وحين كنا نتحدث كما تحدثنا اليوم كان يمر الوقت سريعا إذ أن روحينا كانتا متآلفتين وكأنهما وجدتا ضالتهما في بعضهما البعض.
أنا أظن أني بدأت في الشعور بشئ ما نحوه.
تتصل به في اليوم التالي صباحا:
- صباح الخير يا أدهم، أردت أن أكون أول صوت تسمعه في الصباح.
- صباح النور يا حبيبتي.. اا آسف يا ليلى ، آسف أنا ما زلت نصف نائما.
- لا عليك، ما رأيك أن نتقابل اليوم بعد العمل، أين عملك نسيت ان اسألك انا عملي في المعادي.
- أنا ايضا، جميل، نتقابل الخامسة في المقهى.
أمضت ليلى اليوم كله في حالة من التوهج الداخلي. كانت تبتسم لأبسط الأشياء، وعيناها تلمعان ببريق جديد. في العمل، لم يفت انتباه الزملاء هذا التحول. كان الجميع يسألها عن سر توهجها المفاجئ. كانت تكتفي بالانتباه والرد بهدوء وغموض: "لا شيء... إنه مجرد صباح جميل."
في قرارة نفسها، كانت تسأل بقلب خافق وعقل مشتت:
هل هذا الشعور بالخفة، والرغبة في الحديث دون توقف، والشجاعة المفاجئة التي جعلتها تتصل به صباحاً... هل هذه الرغبة الملحة في جعله يشعر بالأمان، وفي أن تكون هي ملجأه... هل هذا هو الحب الناضج الذي وُلد من رحم التجربة الصعبة؟
أدهم أيضاً، كانت سعادته ظاهرة. كان يعمل بهمة غير مسبوقة، يبتسم للملفات والأوراق. كان ينتظر الخامسة بفارغ الصبر، وكأن هذا اللقاء ليس مجرد موعد، بل مكافأة سماوية على كل السنوات التي قضاها بعيداً عن ضحكة طفولته الصادقة.
نظر وراؤه فوجدها بنفس الابتسامة الرقيقة، للحظة أراد أن يحضنها وأن يرفعها عن الأرض، أن يظلا هكذا حتى تمتزج روحيهما، أن يرتفعا عن العالم. أن يعودا طفلين خاليي البال.
مد يده وسلم عليها وجلسا يتحدثان،
- كان يوما مليئا بالابتسام البرئ.
تنفست ليلى بعمق، أرادت أن تكون كصفحة الماء الرائق أمامه، اعترفت له بصوت مهزوز:
"سأخبرك بشيء يا أدهم،" قالت وعيناها مثبتتان عليه، دون خوف. "أنا كثيراً ما أمر بنوبات اكتئاب شديدة، أشعر فيها وكأن الزمن توقف، وتثقل كاهلي الحياة. أنا أتعاطى أدوية الاكتئاب. مررت برحلة علاج نفسي طويلة، ربما لعشر سنوات، أنا الان أكثر استقرارا، لكني لازلت أمر بتلك الأوقات الصعبة ما رأيك في ذلك؟"
تجمّد أدهم للحظة. لم يكن يتوقع هذا الوضوح الحاد في هذه المرحلة المبكرة. لكنه تذكر ضحكاتها الطفولية، وتذكر كيف كان يراها تحمل عبئاً أكبر من عمرها في بيت جدتهما. شعر بالمسؤولية، لا الشفقة.
نظر إليها بعينين واسعتين، تلمع فيهما الحكمة التي اكتسبها مع الشعر الأبيض، وقال بصوت حنون وهادئ، يمثل أعمق ما تعلمه عن الأمان:
"رأيي أنكِ شجاعة جداً لأنكِ تخبرينني بهذا. وقوية جداً لأنكِ تبحثين عن المساعدة وتواجهين هذا المرض. هذا لا يغير شيئاً في جمال روحكِ أو قيمتكِ. أنتِ ليلى التي أعرفها. هذا المرض جزء من رحلتك، ولستِ أنتِ، وسنواجه هذا معاً، إذا سمحتِ لي. الركيزة ثابتة يا ليلى، وأنا أعدكِ أنني لن أتزحزح."
شعرت ليلى بخفة هائلة، وكأن حملاً ثقيلاً أزيح عن كتفيها. لأول مرة، لم تشعر بأن مرضها عبء يجب إخفاؤه.
- انا ايضا كان عندي غضب هائل لفترة كبيرة، ربما هذا كان السبب الأساسي في طلاقي من زوجتي، لقد كنت أقوم بنفس التصرفات التي كنت أكرهها في والدي حين كان يضرب أمي، تعلمين الهلع الذي كنت أشعر به صغيرا؟ لقد تحول إلى غضب، غضب هائل لا أستطيع السيطرة عليه، لقد أصبحت نسخة من الرجل الذي كنت أخافه صغيرا.
انكمش قليلا على ذاته وتابع:
- كنت أعتذر لها، لزوجتي كل مرة أضربها فيها، كنت أندهش مني ومن قسوتي تلك، لم تكن تستحق كل هذا.
- لكني لم اتوقف يا ليلى، لم يشبع الوحش بداخلي أبدا، ظل مستمرا في الظهور، في مفاجئتي، لم أكن أعلم متى سأتحول.
اتسعت عينا ليلى، ونظرت في عينه مباشرة وقالت:
- أدرك تماما ما تقوله، لم تكن طفولتك سهلة، لقد كنت شاهدة عليها بنفسي، أتفهم تماما الطفل المجروح داخلك يا أدهم!
يذرف أدهم دمعة، ثم يقول : لقد آذيتها يا ليلى هل تفهمين؟ لقد طلبت الطلاق مني مرارا، لم تحتمل العيش معي، أنا شخص سئ، أنا مؤذي يا ليلى هل تدركين ما أقول؟
ترقرقت عيناها، نظرت له من خلف دموعها ثم قالت:
- أنا اتفهم ، هذا ألم كبير ليحمله شخص على عاتقه يا أدهم، أنت لا تحتاج للحب الآن يا أدهم ، أنت تحتاج إلى من يضمد هذه الجراح ، أنت طفل صغير مجروح ألقي في عالم الكبار، لقد كنت فقط تحاول النجاه، والحب لا يزهر في محاولاتنا للنجاه يا أدهم، فقط كف عن لوم نفسك واطلب المساعدة!
-"تعنين أنني مريض؟" سأل أدهم، صوته كان بالكاد مسموعاً، يحمل خليطاً من الخوف والارتياح.
"نعم، أنت مريض يا أدهم، وهذا ليس خطؤك ولا يعيبك في شيء،" قالت ليلى، واضعة يدها على قلبها في تأثر.
- سأنتظرك يا أدهم بكل صبر، سأكون بجانبك في رحلتك للعلاج. لكني صدقني، لن أستطيع أن أضمد هذه الجراح، ولا ألف حب سيستطيع.
- شكراً يا ليلى. شكراً لأنكِ لم تخافي مني، وشكراً لأنكِ لم تحاولي أن تنقذيني. أنتِ محقة تماماً. لا أريد أن أؤذيكِ أو أن أكرر الدائرة. سأطلب المساعدة.
لكن... هل ستظلين هنا؟ هل ستظلين تنتظرينني فعلاً؟ سأل أدهم بصوت طفل خائف من الهجر.
ابتسمت ليلى تلك الابتسامة التي لم تكبر:
"أنا هنا يا أدهم. وسأبقى هنا. لستُ بصدد الابتعاد. سأكون صديقتك التي تسمعك، وأنا أعرف طبيباً نفسياً ممتازاً. سأنتظرك حتى يعود أدهم الذي أحببته في طفولتي، ليضحك معي رجلاً ناضجاً لا يخاف من نفسه."
- لكني لا أظن أني سأكون جيدا كفاية لك، لقد حصلتي على دراساتك العليا، أنت تزدهرين، أنت كنجمة كبيرة وبعيدة المنال يا ليلى..
- صدقني يا أدهم، لقد كنت مكانك تماما منذ عشرة اعوام، كنت تائهة، كنت طفلة مجروحة لم تجد من يربت على كتفها ليقول لها أنها لم تكن أبدا المذنبة، أنها لم تستحق كل هذا الألم، أنها كانت تحاول أن تنجو في هذا العالم القاسي، وكانت محاولاتها للنجاه مرهقة لها، تخيل. طفلة صغيرة تظن أن حمل ذنوب العالم على كتفيها الصغيرتين هو سبيلها للنجاه، أن تنقذ أحبابها من الجشع والطمع والألم هو الثمن الذي يجب أن تدفعه لتنال الحب. لقد كنت متألمة ولم أعرف في حياتي إلا الألم..
لذلك يا أدهم لا أريد لطفلينا المجروحين أن يتزوجا، أريد لأدهم وليلى الناضجين المتعافيين أن ينالا فرصتهما في عيش حياة طبيعية لا تقوم على الألم، أريد أن أعرف نفسي من جديد يا أدهم ، أريد أن أعيش حياة طيبة معك، هل تفهمني ؟
صمت تام، ينظر كل واحد منهما في اتجاه ما، غارقين في التفكير.
بعد دقائق من الصمت ينظر ادهم إلى ليلى ويقول:
وفي المساء تكتب ليلى في مذكراتها:
لم أكن أعلم أن الطفلة المجروحة بداخلي ما زالت تبحث عن حب مؤلم تثقل كاهليها به، لقد تخلصت من علاقة مؤلمة كانت تلعب فيها دور الأم الحانية أمام طفل غاضب لا يكف عن الطلبات بالبكاء، لتبحث عن طفل أخر غاضب أيضا قاسى الكثير في طفولته، لتهب له الحب علها تنقذه، لقد كادت أن تقع في نفس الفخ مرة أخرى، هذه الطفلة البائسة لا تدري للحياة وجها آخر غير الألم، ولا ترى في المرآة إلا يدين مفتوحتين ببراءة، تحاول أن تحتضن بهما العالم أجمع.
ياه، كم تملكين من الحب يا فتاتي الصغيرة كم كنت أتمنى لو تعطين نفسك بعضا منه فأنت تستحقين ذلك.
دخلت ليلى في نوبة اكتئاب أخرى بعد هذا الاكتشاف الصادم والمُحرِّر في الوقت ذاته. الحب الذي ظنت أنه سيهوّن عليها ثقل الوحدة، لم يكن سوى حب مفقود لذاتها، لطفلتها الصغيرة. أدركت أن حبها لأدهم كان حباً مخلوطاً بالذنب، وكأنها مسؤولة عن شفائه، عن طاقة الشفاء التي كان يجب أن تقدمها له منذ زمن، مسئولية قرابتها له، مسئولية الحب الذي ربطها به برابط الدم والقرابة، مسئوليتها عن دورها الذي "يجب" أن تقوم به نحو من تحب، حتى لو عنى ذلك أن تقتطع هذا العطاء قَطعاً من روحها، وأن تسهر على آلام الآخرين متناسية آلامها الخاصة.
لكن نقطة التحول جاءت عندما قررت ذات نهار أن تحتسي القهوة بمفردها في نفس المقهى الذي تقابلت فيه مع أدهم.
جلست على نفس الكرسي، تنظر إلى النيل، وبدأت تتكلم مع شبح أدهم في خيالها. شعرت بوضوح مؤلم أنها لم تكن تتحدث مع أدهم الحقيقي أبدا، بل مع رمز؛ رمز لحبها البريء المكبوت، ورمز لرحلة الشفاء المؤجلة. أدركت أنها بدأت وأنهت علاقتها به وحدها، في داخلها.
قالت له في هدوء، ودموعها تنهمر، دموع الغضب على نفسها والحب لذاتها:
"الوداع يا أدهم، يا رمز حبي البريء. يا حلمي الذي لم يبدأ، الوداع يا ألمي الذي أثقل كاهلي، الوداع يا رغباتي المكبوتة التي لم أستطع يوماً التعبير عنها. الوداع يا صدقي البريء الذي ظننت أنني سأواجه به العالم بأمان. الوداع يا حب مراهقتي الذي تذوقت فيه شوق الحب وألمه، الوداع يا زيف طفولتي البائس الذي ظن أن في إنقاذ العالم نجاته."
بعد أن ودّعت الشبح وكل ما يمثله، حوّلت ليلى وجهها نحو النيل، ثم وضعت يديها بلطف وحنان على كتفها، متوجهة بالحديث لأعز وأصدق شخص في حياتها:
"أُحبكِ يا فتاتي الصغيرة الشجاعة، أُحب صدقكِ وإخلاصكِ ووفاءكِ. أُحب براءتكِ وعطاءكِ، أُحب حُبكِ... وأُحب حتى عثراتكِ. تعالي إليّ. تعالي."
كانت تلك اللحظة هي قمة الوضوح والشفاء. لم يعد الأمان خارجياً، بل أصبح ينبع من الداخل، من احتضان ليلى لذاتها بكل نقائصها وآلامها. لقد وجدت ركيزتها أخيراً.
لقد وجدت ليلى الأمان في الركيزة الثابتة التي لم تكن أدهم يوماً، بل كانت هي نفسها.
قررت توجيه طاقة الحب الهائل تلك لذاتها، لطفلتها التي أثقلتها بهموم الآخرين، قررت أن تقول لها، أنت. كافية كما أنت، لطالما كنتي، ودوما ستكونين.