"تتسعُ المسافةُ بين الإنسان ومن كان يظنهم يومًا أقرب الناس إليه، لا فجأة، بل على مهل؛ خطوةً بعد خطوة، حتى تشمل هذه الفجوة كل الدوائر: الأصحاب، والأهل، وكل من أودعهم القلب مودةً صادقة. وحينها لا يكون البعد مكانيًا بقدر ما هو انفصال شعوريّ هادئ، كأن شيئًا انكسر في الداخل ولم يُصلح.
يبحث المرء في نفسه عن كلمةٍ يقولها فلا يجد، لا لأن الحديث صعب، بل لأن جدواه قد سقطت من عينه. فينصرف بطبيعته إلى الله، لا هروبًا من الناس، بل بعد أن استقر في يقينه أن الشكوى لغيره لا تُغيّر شيئًا، وأن الطمأنينة لا تُستجلب إلا من جهةٍ واحدة.
ومع تكرار التجارب، تتكوّن لديه حالة من الانكفاء الواعي؛ لا يعتزل بدافع الكِبر، ولا زهدًا مُطلقًا في الخلق، بل نتيجة إدراكٍ متراكم أن كثيرًا من العلاقات لا تقوم على ثبات، وأن التعلّق الزائد يورث الخذلان. وهنا تبدأ النفس في إعادة ترتيب أولوياتها، فتُخفف اعتمادها على البشر، وتُثقل كفّة الاعتماد على الله.
وفي خضم هذا التحوّل، يمرّ الإنسان بتجربة وحدةٍ من نوعٍ خاص؛ يرى الناس يشتكون من ازدحام التواصل، بينما يمرّ هو بصمتٍ طويل، لا يُسأل فيه ولا يُفتقد. فيبتسم أحيانًا، لا سخرية، بل إدراكًا لفارق الحال، وأن الغياب قد يكون امتحانًا لا يقل ثِقَلًا عن الضجيج.
أما الجراح القديمة، فلا ترحل بسهولة؛ بل تعود في صورٍ متجددة، تؤكد أن النفس لا تنسى سريعًا، وأن الألم إذا لم يُفهم ويُهذّب، بقي حيًّا بأشكال مختلفة. لكن مع الوقت، يتعلّم الإنسان كيف يتعامل مع هذا كله بقدرٍ من الوعي، فلا يُنكر مشاعره، ولا يتركها تقوده.
وفي الميزان الإيماني، لا يُنظر إلى هذه المرحلة كخسارةٍ خالصة، بل كنوعٍ من التربية الدقيقة؛ يُعاد فيها تشكيل القلب، ليكون أكثر صفاءً، وأقل تعلقًا، وأشد ثباتًا. فليس كل بُعدٍ عقوبة، ولا كل وحدةٍ ضعفًا، بل قد تكون طريقًا خفيًا إلى النضج.
وهكذا، يدرك الإنسان أن ما مرّ به لم يكن عبثًا، وأن لكل تجربةٍ أثرًا، ولكل أثرٍ ثمنً وتلك سُنّة لا تتبدل."











