قصة تليسكوبـية مصرية حقيقية
١- مطار القاهرة
توجهت الى سير الأمتعة المخصص للرحلة القادمة من لندن فلاحظت وجود سيران: واحدًا للحقائب الطبيعية و آخرًا للطرود ذات الأحجام الكبيرة. وقفت بينهما بعربة الترولى أراقب بدقة الحقائب التى بدأت فى الظهور حتى رأيت حقيبة ملابسى. إقتربت مسرعًا من السير و سحبتها ثم عدت لموقعى الإستراتيچى لأتابع مراقبة السيران. فإذا بعلبة التليسكوب تظهر على نفس سير الحقائب الطبيعية! و دون تفكير إنطلقت جريًا خلف العلبة بالترولى حتى لحقت بها و جذبتها من على السير. و لا أعلم إن كان جريي هذا الملفت للنظر هو سبب كل المشاكل التى وقعت فيها منذ تلك اللحظة...
فبمجرد أن ثبَّت العلبة على الترولى و بدأت أتوجه الى باب الخروج ظهر لى رجلًا من حيث لا أدرى و أشار الى باب آخر مكتوب عليه "بضاعة فوق الحدود المسموحة" قائلًا "الباب أهو يا بيه!". نظرت اليه بملامح الإستفهام و رددت عليه مشيرًا الى الباب الأول "لأ... مش هو دة اللى هناك؟". رفع الرجل كتفيه و عوج رقبته و كأنه يقول لى "أنت حر"!
إقتربت من موظف باب الخروج فقال لى "حمد الله عالسلامة..." آخذًا منى جواز السفر لتفقده "يا أستاذ حسين".
"الله يسلمك"
نظر الى علبة التليسكوب و سألنى "إيه دى؟"
و فى الواقع كان يراودنى شك منذ أن إشتريت التليسكوب فى لندن أن الموضوع لن يمر على خير. فكان ردى "دى لعب و كتب و كراكيب"!
لم أكذب؛ فالتليسكوب فعلًا لعبة، لكن للكبار، كما كانا كتاب أطلس السماء و الخارطة الفلكية داخل العلبة، و أما عن "الكراكيب" فقصدت بها عدسات و مستلزمات التليسكوب المختلفة.
"طب إفتح ورينى"
إحمر وجهى لكنى أمسكت بقلمى و أخذت أشق به الشريط اللاصق الذى يضم أطراف العلبة و يمسكها على بعضها بثقة و دون تردد لأبرهن له عن عدم خوفى.
صعق الرجل قائلًا "إيه دااااااااه؟!" و كأنه وجد مدفع مضاد للطائرات!
"دة تليسكوب... لعبة... زى ما قلتلك"
فرد بسخرية "لعبة؟! يا محمود! خذه على الباب الثانى يا محمود!"
٢- بوابة الجمرك
أغلق محمود العلبة و رفعتها معه قائلًا، "بشويش يا محمود، على مهلك!" خوفًا من أن يصيب التليسكوب و أجزائه مكروه ثم وضعناها على الترولى و ذهبنا الى الباب الآخر المشئوم.
تجمع حولى موظفو الجمارك (أذكر أنهم كانوا حوالى خمسة أو ستة) و بعد أن سألونى عن تفاصيل سفرى، بدأوا يفتحوا العلبة و يخرجوا أجزاء التليسكوب المختلفة و يفحصونها بعناية.
التفت الى رئيسهم و سألنى بعد التحقق من جواز سفرى "حسين مجدى علام؟"
"أيوة".
"مجدى علام بتاع الوطنى؟"
"لأ لأ... أنا مش تبع الحزب. دة تشابه أسماء. احنا عيلة ثانية".
"آه... أنت بتشتغل إيه يا أستاذ حسين؟"
"أنا مستشار مالى".
"طيب و إيش دخل التليسكوب فى الإستشارت المالية؟!"
"لأ مالهوش دخل... أنا جايبه هواية".
"هواية آه... طيب و إيه دى؟" مشيرًا الى قطعة معدنية ثقيلة يبدو عليها التعقيد.
"دة المتور اللى بيركب عليه التليسكوب علشان يلف". و أخرجت له دليل التشغيل من العلبة لأشرح له مكان القطعة التى يمسك بها و وظيفتها. و المتور هنا يقوم بوظيفة هامة للغاية؛ فبفضل دوران الأرض المستمر، تظهر النجوم و الكواكب فى السماء و كأنها تدور ببطء من حولنا. فإذا ما حاولنا رصدها و مشاهدتها بتليسكوب مثل الذى أشتريته، فلن تظهر فى عدسته لمدة تزيد عن ثلاثون ثانية قبل أن تختفى خارج نطاق الرؤية. و لحل هذه المشكلة، يجب أن نقوم بلف التليسكوب حتى يتبع حركة الجسم الفلكى الذى نريد رؤيته.
"آه... طيب و دى إيه؟"
"دة الحامل بتاعه"
"و دولًا؟"
"دول العدسات اللى بتركب فيه". و للتليسكوب مجموعة عدسات بقوة تكبير متفاوتة يختار بينها المستخدم حسب الجسم الفضائى الذى يتعامل معه. بدأ يدون الرجل بيانات التليسكوب و نوعه كما هو ظاهرٌ عليه.
"فين السِريَال؟"
"سِيريِل إيه؟!"
"الرقم السِريَال بتاعه"
"معرفش... أنا إشتريته كدة". و أخذت أبحث عن الرقم الذى لم أجد له أثرًا.
"طيب خلاص مش مشكلة... قَفّل يا محمود" و أخذ محمود يعيد الأجزاء فى مكانها. و أخرجت له الشريط اللاصق من حقيبة ظهرى الذى جلبته معى من الفندق بلندن. أخذ محمود الشريط و راح يبرشم و يلف به العلبة بإتقان.
"يا أحمد إبعت للمفرقعات يجوا يبصوا بصة"
قلت مفزوعًا، "مفرقعات! مفرقعات إيه؟!"
"ما تقلقش دة إجراء عادى". نسيت أمر الشريط اللاصق و لا أدرى من يومها أين ذهب.
قلت لمحمود، "إستنى طيب عشان بتاع المفرقعات يعرف يبص عليه بدل ما نفتح ثانى". لم ينتبه إلي محمود بالرغم من أنه قد سمعنى و أخرج دوبارة من جيبه و راح يلف بها العلبة. ثم أخرج قطعة شمع و بدأ يسيحها بولاعته على الدوبارة التى قد عقدها بمهارة. جاء مسئول المفرقعات و كان ضابط برتبة مقدم.
"سلام عليكم... فين الحاجة؟" أشرت على العلبة فعقب "و مالكم قفلتوها كدة ليه؟!"
أجبته "و الله يا فندم أنا قلتله يستنى لكن ما فيش فايدة!"
"طيب معلش... معاك الكتالوج؟" لحسن الحظ كنت قد أخرجت دليل التشغيل و الأطلس الفلكى بالإضافة الى كتالوج آخر به كل الموديلات المعروضة بالمحل (لكنى تركت الخارطة الفلكية بداخل العلبة و لا أعرف لما فعلت ذلك). أعطيت دليل التشغيل للمقدم الذى راح بدوره يتفحصه و يتشاور مع موظفو الجمرك الذىين قد رأوا البضاعة بأعينهم.
سأله كبيرهم "مش هتفتح تبص؟"
رد المقدم "لا خلاص الكتالوج كفاية"
"كوسة يعنى؟"
"كوسة ليه بس؟ أنتو مش شوفتوه؟"
"أيوة"
"و عامل زى اللى مرسوم فى الكتالوج كدة؟"
"أيوة"
"طيب خلاص". و بذلك أخذ المقدم، و الذى بدا لى و كأنه إبن حلال، بتحرير ورقة ثم طلب منى إمضائها. "بص يا أستاذ حسين، إحنا هنتحفظ على التليسكوب فى المحجوزات. هتاخد الورقة دى و تروح بيها للعميد ر. ش. بالأمن العام فى كلية الشرطة و تجيب التصريح اللازم عشان تستلمه. العميد ر. ش. فى وحدة تراخيص السلاح".
"سلاح؟! سلاح إيه بس؟"
"هى الإجراءات كدة.. أنتو مش كنتو عايزين تغيروا الدستور؟"
لا أعلم ما أدخل الدستور بالموضوع و لكنى إنفتحت فى الضحك حيث إعتقدت أن المقدم كان يمزح. و ضحك الموظفون فالتَفَتُ لهم و قلت "أول مرة أتناقش فى الدستور مع الجمارك!". إستمروا فى ضحكهم فسألت أحدهم إستكمالًا لوصلة المزاح، "طيب أنت مع تغيير المادة الثانية ؟". سكت الرجل على الفور مستثقلًا لدمى و (كأنى صفعته على وجهه) و سكت الجميع! سكت أنا الآخر بقلق فأخذت الورقة من المقدم ثم ذهبت مع محمود لإيداع التليسكوب بالمخزن. و قبل أن يستلمه منا أمين المخزن أخرجت قلمى و كتبت إسمى و عنوانى على العلبة.
فسألنى الأمين، "أنت بتعمل إيه؟"
أجبته، "عشان بس ما تضعش".
"المحجوزات اللى إتعملها محضر هيا بس اللى بنكتب عليها كدة".
فأجبته مازحًا "خلاص إشطبها". ثم تنبهت أنه هو نفس الرجل الذى قابلنى و أوقفنى عند باب الجمرك الأول.
و رد علي بكل جدية "لاااااااا... ما أقدرش أشطب".
قلت فى سرى، "أفٌ لك و لدمك البيروقراتى الثقيل!" ثم أخذت الترولى الذى كان مازال يحمل حقيبة ملابسى و مشيت نحو الباب مرورًا بمفتشي الجمارك. و على بعد خطوتين من المخرج نادانى أحدهم، "إستنى يا أستاذ" ثم التَفَتَ الى المقدم و سأله، "خلاص هنا؟ أسيبه يا باشا؟"
رد المقدم، "أيوة خلاص".
٣- مصلحة الأمن العام (نفس اليوم)
انتلقنا أنا و السائق، و فى مدة لا تزيد عن نصف ساعة، وصلنا الى كلية الشرطة. أوقفنا السيارة أمام إحدى البوابات ثم نزلت و حاولت الدخول.
"داخل فين يا أستاذ؟"
"الأمن العام"
"هنا المعمل الجنائى، الأمن العام فى البوابة الجاية"
شكرت الحارس و أشرت للسائق أن ينتظرنى ثم تمشيت الى البوابة التالية تحت حرارة الشمس فى عز الظهر.
"على فين يا بيه؟"
"الأمن العام"
"البوابة الجاية"
تكرر الموضوع أربع أو خمس مرات! و فى النهاية وصلت الى البوابة الصحيحة أتصبب عرقًا. و هناك طلب منى الحارس بطاقتى الشخصية ثم أذن لى بالدخول. بدأت أتجول داخل أراضى الكلية الشاسعة باحثًا عن المبنى الصحيح. و لاحظت حديقة مهولة تشبه ملعب الكرة فى حجمها و نجيلتها تتوسط المبانى المختلفة و ليس بها أى رشاشات للرى سوى رشاشٌ واحد عملاق. أستوقفنى منظر الرشاش العجيب الذى كان يضخ المياه فى دائرةٍ واسعة قطرها لا يقل عن خمسون مترًا بضغط عالٍ للغاية و كأنه خرطوم مقاوم للحريق أو مدفع مائى لتفريق المتظاهرين! لم أرى مثل هذا الرشاش فى حياتى من قبل فكدت أخرج هاتفى و ألتقت صورة له لكنى، و فى الوقت المناسب، تذكرت أنى فى كلية الشرطة!
أخيرًا وجدت مبنى الأمن العام. و كان مبنًا فخمًا مصمم على النمط الفرعونى بأعمدته اللوتسية الضخمة. دخلت فاستوقفنى الحارس و بعد أن أخبرته أنى آتٍ لمقابلة العميد ر. ش. أخذ منى هاتفى المحمول و كارنيه نادى الجزيرة كإثبات لشخصيتى و أرفقهما معًا.
صعدت الى الدور الرابع حتى وصلت الى مكتب العميد فى قسم تراخيص السلاح. إستأذنت للدخول ثم بدأت أحكى له قصتى التليسكوبية. قاطعنى الرجل الذى رفع سماعة التليفون و قال لأحد موظفيه أنه سيرسلنى له و أمره أن يعمل اللازم. ثم أشار لى أن أنتظر فى الإستراحة. خرجت و جلست منتظرًا و ما هى إلا دقائق و بدأت الناس تصطف إستعدادًا لصلاة الظهر. إنضممت إلى جماعتهم و أذكر أنى كنت واقفًا وحدى فى آخر صف. فأشار لى أحد الموظفين أن أتقدم بجانبه. نظرت الى السجادة القديمة المستهلكة التى كان يقف عليها و قارنتها بسجادتى الجديدة النظيفة. و بعد تردد شديد تقدمت الى صفه و أنا متأزمًا مستاءًا مشمئزًا فى نفسى. لكن ماذا كان بيدى أن أفعله؟ لم أشأ أن أظهر بأننى متكبر أو "إنف" فأكتشف أن هذا المصلى هو نفسه الموظف المعنى بأمرى فيجعل حياتى جحيمًا! بدأت الصلاة و دعوت الله أن يسهلى أمرى. و بعد أن إنتهينا جلست فى الإستراحة حتى ظهر الأستاذ ع. مناديًا على إسمى فدخلنا سويًا الى الصالة التى بها مكتبه. "أؤمر يا أستاذ حسين".
شرحت له موضوع التليسكوب المحجوز فى المطار. فكان رده،"أنت ممكن تمشى فى الإجراءات بس غالبًا هتاخد رفض فأنا أنصحك توفر على نفسك المجهود و التكاليف".
فأجبته بنبرة إحباط، "يعنى إيه؟ ما فيش أمل؟ أنا والله كنت جايبه بحسن نية و معرفش أنه ممنوع".
"أحسن حل إنك تعيد تصديره"
"أصدره لمين؟! أنا مليش حد برة! و بعدين أنا عاوز أستخدمه هنا!"
و هنا قاطعنا شابٌ آخر متقدمًا هو الآخر بطلب لكن ليس لإدخال تليسكوب فلكى بريئ، بل لإدخال بندقية صيد "هارپون" تستخدم تحت الماء لقتل الأسماك العُزَّل.
و بكلمةٍ واحدة قاطعة قال له أستاذ ع. "إنسى"!
رد الشاب، "ليه بس؟ دة أنا حتى معايا رخصة غطس".
"إنسى... بتوع البيئة مش بيوافقوا عشان بتبَوَظ البتاعة دى... اسمها إيه دى... الشعب المرجانية".
و هنا إشتركت فى الحديث و قد إرتفعت معنوياتى، "بس أنا الحالة بتاعتى مش حارة سد أوى كدة صح؟"
رد الأستاذ ع.، "لأ، أنت وضعك مختلف".
إستمر صاحب الهارپون فى الإلحاح اليائس مستخدمًا جميع أنواع الحجج و أدوات الإستعطاف لكن دون جدوى. و بعد أن أنصرف التفت اليا الأستاذ ع. قائلًا، "ها قلت إيه؟ هتجرب و لا هتطنش؟"
قلت، "هجرب... إن شاء الله خير"
"براحتك" و راح يحضر الأوراق اللازمة ثم صور نسخة من دليل تشغيل التليسكوب و أرفقها مع الطلب. و بعدها أمرنى أن أوقع على إقرار يفيد بأنى ملتزم بعرض التليسكوب على مرصد حلوان و المعمل الجنائى. "تيجى يوم السبت تستلم الجوابات و بعدين تكمل بقية الإجراءات".
فسألته، "السبت أكيد؟ تكونوا لحقتم تخلصوا؟"
"أيوة... ثلاث أيام كفاية".
شكرت الأستاذ ع. ثم انصرفت و إستعدت هاتفى و كارنيه النادى من حارس المبنى. و تبين لى بعد أن خرجت أن أقرب بوابة لمبنى الأمن العام هى البوابة الأولى المجاورة للمعمل الجنائى! فاتجهت اليها و خرجت حيث كانت السيارة فى انتظارى. و بعد ساعة، و قد إقتربنا من منزلى بالدقى، تذكرت أنى نسيت بطاقتى الشخصية عند بوابة كلية الشرطة التى دخلت منها!
٤- الأمن العام (ثاني مرة)
أنا: " سلامو عليكو"
الموظف المسئول: "و عليكم السلام"
"من فضلك كنت قدمت طلب يوم الأربع اللى فات لزميل حضرتك عشان تليسكوب و قالى آجى يوم السبت أستلم الجوابات"
"أيوة أنا كنت غايب... بس هو قالك يوم السبت؟!"
"أيوة... هو حضرتك عندك فكرة عن الموضوع؟"
"طبعًا أنا كل حاجة بتتعرض عليا... إسمك إيه؟"
"حسين علام"
فقام الرجل و بحث دقيقة فى الملفات ثم قال، "أيوة أهو... حسين علام"
"تمام"
"لسة ما إتمضاش... مش بالسهولة دى"
"طيب أنا ما ورايش حاجة و ممكن أستنى... أصلى جاى من الجيزة من آخر الدنيا"
"هى الجيزة فى آخر الدنيا؟ دة أنا فى ألوفات بيجولى من أسوان!"
"ربنا يديك الصحة... ألوفات من أسوان عايزين يدخلوا تليسكوبات؟!!"
"أيوة التجار... تليسكوبات و حاجات ثانية... بص عدى علينا بعدين..." و الجملة الآتية جديدة و تعكس مدى التطور الذى حدث فى الثلاث عقود الأخيرة، "...و خد الرقم دة إتصل عليا قبل ما تيجى".
لم أغضب فأنا كنت متوقعًا أن يحدث هذا. فهذه هى البيروقراطية المصرية التى عهدناها والتى تحتاج الى مائة ثورة لتغييرها. إنصرفت لكنى حرصت على ألا أنسى بطاقتى الشخصية هذه المرة.
و عند وصولى الى البيت، وجدت أحد أصدقائى قد أرسل لى مقالة أخرى نشرت من يومان بجريدة الأهرام تناولت فيها موضوعى التليسكوبى.
مقال عجيب! و الى يومنا هذا لا أعلم معنى جملة "معه أدوات تضر باقتصاد الأمن" و لا أعلم كيف يمكن لتليسكوب فلكى أن ينشر أعمال البلطجة!
على أى حال اتصلت تليفونيًا بعد أربعة أيام بالأمن العام و رد على أستاذ ع. و فاجأنى عندما أخبرنى أنه قد أرسل جوابًا الى مرصد حلوان برقم ٨١١٥ و آخر برقم ٨١١٦ الى المطار بتاريخ ١٧/٤/٢٠١١ و أنى لن أحتاج أن آتى الى المصلحة كى أستلم الخطابات. ثم أمرنى أن أتابع مع الجهتين محذرًا و مذكراً أننى قد وقعت إقرارًا بذلك!
إتصلت بالمطار و كان الرد، " إتصل بكرة قبل الساعة واحدة عشان الموظفين روحوا"! ثم إتصلت بمرصد حلوان الذى كان أكثر تعاونًا فكان رد الدكتورة س. (و التى أكدت أن خطاب الأمن العام قد وصلها)، " لازم تيجى تدفع الرسوم عند الدكتورة ن. العنوان آخر محطة مترو فى خط حلوان و إركب تاكسى قوله معهد البحوث الفلكية و الجيوفيزيائية".
٥- مرصد حلوان (٢٦/٤/٢٠١١)
إنطلقت بسيارتى البى- إم- دبليو -٣٣٠ السوداء التى كنت قد إشتريتها فى ديسمبر الماضى و التى تعرضت الى حادث سرقة فى ١٦ يناير، أى قبل قيام الثورة بتسعة أيام فقط. حيث قام أحد اللصوص بكسر شباكها و إقتحامها باحثًا عن أى شيئ ثمين ليسرقه. و بالطبع، و مما يعكس أنه إنسان جاهل أبله، لم يجد المخزن السرى الصغير الذى كان يحتوى على مائة جنيه، فلم يأخذ من السيارة شيئًا. و كانت السيارة مركونة فى شارع الجيزة تحت منزلى على مسافة لا تزيد عن مائة متر من مديرية الأمن. و لعل هذا دليل قوى على سيطرة أجهزة الأمن الفائقة قبل الثورة مباشرةً على الشارع و قدرتها علي ردع المجرمين و حالة الرخاء و الإستقرار التى كانت تتمتع بها البلاد!
إنطلقت بسيارتى الى أن وصلت الى ميدان الأوبرا الجديدة الذى يسبق كوبرى قصر النيل مباشرةً و يقف بوسطه تمثال سعد زغلول باشا. ركنت السيارة فى ظل شجرة بشارع منتزه الجزيرة ثم توجهت مترجلًا الى محطة الأوبرا و ركبت المترو حتى محطة السادات بميدان التحرير. و هناك غيرت الى خط المرج – حلوان. و كان الزحام شديدًا. الى أن توقف المترو عند محطة السيدة زينب حيث نزل أغلب الركاب. لكن الأمر إستدعى الوقوف فى محطتين إضافيتين حتى فرغ أحد المقاعد و تمكنت من الجلوس. و للأمانة، لم يختلف المترو كثيرًا عن نظيره بلندن. فالإثنين يتمتعن بنظام جيد و مستوى عالٍ من النظافة و يعانين أيضًا من الضغط و الزحام الشديد. طبعًا الإختلاف الشاسع بين الإثنين هو فى الركاب أنفسهم! فأما عن الركاب بلندن فيا سلام على الشياكة و الحلاوة! و أما عن الركاب هنا فترى فى وجوههم البائسة المكفهرة و ملابسهم المتواضعة آثار كفاحهم المرير لكسب قوت يومهم.
توقف المترو فى محطة الملك الصالح و ركبت سيدة عجوز ترتدى ملائة سوداء. و تعجبت لأمرها حيث راحت توزع على الركاب كتيب أذكار صغير. و ما هى الى دقائق حتى توقف المترو عند محطة مار جرجس فقامت السيدة تستعيد كتيباتها مرةً ثانية ثم إنصرفت! و فى محطة الزهراء التالية صعدت إمراءة أخرى و معها بنتها قائلةً، "مناديل... حد عايز مناديل؟" دون أن يلتفت إليها أحد. و عندما إقترب المترو من محطة دار السلام نادت، "ما حدش عايز مناديل قبل ما أنزل؟" لكن دون جدوى.
مر المترو بطُرة البلد حيث مقر الحكومة المخلوعة. ثم محطة كوتسيكا (نِسبةً الى الخواجة كوزيكا اليونانى الذى أقام مصنعًا للكحوليات و السبرتو فى تلك المنطقة في عام ١٨٩٣ و وصلت ثروته الى أربعة ملايين جنيه ). حتى توقف أخيرًا بمحطة حلوان، آخر محطة فى الخط.
نزلت من عربة المترو و أخرجت من جيبى التذكرة لأمررها فى بوابة الخروج الأوتوماتيكية. ثم تنبهت الى حقيقة غريبة: لقد أشتريت التذكرة بجنيه واحد فقط من محطة الأوبرا التى تبعد عن حلوان بستة و عشرون كيلو متر... يا بلاش!
صدمت عندما خرجت من المحطة فإنى لم أكن أتوقع المشهد الذى رأيته. فالشارع كان مقتظًا بالبائعين الذين يفترشون الأرض و يعرضون جميع أنواع السلع... من الشباشب مرورًا بالمقشات حتى الكنتالوپ! و انتشرت الفوضى و العشوائية في كل أرجاء الشارع. لم تكن هذه حلوان التى درستها فى كتب وزارة التربية و التعليم أيام الإبتدائية. فحلوان الوزارة كانت عبارة عن مزار سياحى عالمى يحرص المرضى على الإستشفاء فيه و الإستمتاع بماء عيونه الكبريتية... لعل الوقت قد حان لتحديث الكتب المدرسية و مراجعتها.
إقتربت من أحد سائقى التاكسى فسألته، "مرصد حلوان ياسطة؟"
"إتفضل"
ركبت السيارة. "تعرف السكة ياسطة؟"
"لأ"
"و لا أنا!" ضحكنا معًا فنزلت و ركبت مع سائق آخر يعرف الطريق. و بعد حوالى ربع ساعة وجدت نفسى صاعدًا فى شارع منحدر يؤدى الى المرصد الذى بنى فوق هضبةٍ على مشارف الصحراء تعلو كل ما حولها.
بدأ المرصد حياته فى عهد الخديوى إسماعيل عام ١٨٦٥ بالعباسية بعد أن أسسه محمود باشا الفلكى (و الذى سمى على أسمه شارع الفلكى المعروف بوسط البلد) . و بعد أعوام من رصده الأجسام الفلكية تقرر إدخال نشاط الرصد الچيومغنطيسى. و لكن، بسبب تشويش الموجات الكهرومغنطيسية المنبعثة من خط الترام القريب، بالإضافة الى التلوث الضوئى الناتج عن إزدياد العمار بمنطقة العباسية، تقرر نقل المرصد الى حلوان. و قد تم ذلك فى عام ١٩٠٣ فى عهد الخديوى عباس حلمى الثانى. و فى بادئ الأمر كان يحتوى على تليسكوب متواضع بقطر ١٠ بوصة. إلا أن عالم الفلك البريطانى، چون رينولدز ، أهدى المرصد تليسكوبًا جديدًا بقطر ٣٠ بوصة فى عام ١٩٠٥ . و كان أول تليسكوبًا كبيرًا بالشرق الأوسط و إفريقيا. و مازال هذا التليسكوب هو نفسه المستخدم حتى الآن.
عبرنا بالسيارة بوابة المعهد الذى يضم عددًا من المبانى المختلفة. سألت موظفًا كان واقفاً بجانب الطريق عن مقر الدكتورة ن. بقسم الفلك.
"أنت جاى من المطار؟"
"أيوة"
"إيه؟ تليسكوب؟"
"تمام"
"كمل على طول فى يمين و بعد ماتشوف هيطُسُوك كام إرجع هنا عشان تدفع!"
شكرته ثم أكملنا مشوارنا متبعين إرشاداته حتى وصلنا الى الإدارة الفلكية. طلبت من السائق أن ينتظرنى.
"هتتأخر؟"
"لا إن شاء الله، هما ورقتين هخلصهم و أرجعلك على طول".
و بذلك صعدت داخل المبنى حتى وصلت الى مكتب الدكتورة ن. بالدور الثانى. و بعد فترة إنتظار بسيطة أذنت لى الدكتورة بالدخول و التى بدا على وجهها ملامح الطيبة و العلم. و كانت على دراية بحاجتى حيث وجدْتُ خطاب الأمن العام على مكتبها. طلبت منى دليل التشغيل الذى راحت تتفحصه بدقة.
سألتنى، "أنت مصري؟" مشيرةً الى السكسوكة التى كنت قد أطلقتها إحتفالًا بالثورة. ضحكت و أكدت لها أنى مصرى.
"شكلك مش مصرى… أنت هتركب عليه كاميرا ليلية؟"
"ليلية؟ قصد حضرتك اللى بتعمل أخضر كدة؟ لأ هركب كاميرا عادية".
و بعد مزيد من الفحص و التدقيق، طلبت من السكيرتيرة أن تجهز الخطاب اللازم الذى سترد به على الأمن العام. و فى أثناء ذلك قلت لها، "مبروك على اليونيسكو"، فقد قررت المنظمة العالمية منذ أيام قليلة أن تضم المرصد الى قائمة التراث العالمى.
نظرت لى الدكتورة و على وجهها علامات إستفهام حتى إستوعبت مباركتي فردت، "عشان موضوع التراث يعنى؟ و هو دة إنجاز؟ إحنا مش عايزين نفضل تراث. إحنى عايزين نعبر للفضاء".
أعجبنى ردها الذكى الطموح فابتسمت قائلًا، "معاكى حق، إن شاء الله بعد الثورة يبقى فى تقدم". ثم سألتها عن مبلغ الرسوم فقالت لى خمسمائة جنيه! أعوج فمى العوجة البلدى المصرية فلم يكن معى سوى أربعمائة جنيه و قليلًا من الفكة! شرحت لها الموقف.
سكتت قليلًا ثم قالت،"ما تقدرش تروح تجيب الباقى؟"
"و الله يا فندم أنا طمعان فى كرم حضرتك... أنا جاى من الدقى من آخر الدنيا".
فراحت توزن الأمور ثم التفتت الى سكيرتيرتها قائلة، "هو الموضوع دة حصل قبل كدة؟"
فردت، "لأ، أول مرة تصادفنى حاجة زى كدة".
فأخرجت محفظتى و أظهرت لهما كل ما معى قائلًا، "كل اللى معايا ٤٤٠ جنيه، ممكن أسيبلكم ٤٢٠ عشان محتاج للباقى أروح بيه".
التفتت الى السكرتيرة مجددًا فى حيرة، "هو وارد كدة؟"
فأجبتها أنا متبسمًا متعشمًا، "وارد وارد... ما أنتو لازم تشجعوا الهواة عشان نعبر للفضاء سوى. و بعدين لسة في كمان الجمارك و مصاريفهم".
و بعد مزيد من التردد، "طيب خلاص ربعمية كويس، خلى الباقى معاك".
"متشكر يا فندم ربنا يخليكى". وربما هذه كانت أول مرة فى تاريخ المصالح الحكومية المصرية أن يطلب صاحب الشأن البقشيش من المسئول و ليس العكس!
"لا العفو... خد الورقة دى... تدفع بيها فى الخزنة تحت و إحنا هنبعت فاكس إن شاء الله للأمن العام... و لو عوذت أى إستشارة بعد ما تفرج عنه كلمنا على طول".
"أكيد يا فندم. أنا تلميذكم".
خرجت و ركبت فى التاكسى.
"إيه إتأخرت كدة ليه؟"
"معلش، على ما خلصوا الورق. إطلع على المبنى الأولانى اللى عدينا عليه بعد البوابة".
دخلت الى موظف الخزنة الذى كان يتحدث مع زميلته قائلًا: "إنتى عارفة أصلًا هما كانوا عملوا محافظة حلوان دى ليه؟ عشان..." لن أذكر باقى ما قاله الرجل فإنى لا أعرف مدى صحة أقواله و لا أعرف المحافظ و لا تاريخه. و بعد أن فرغا من الضحك دفعت الرسوم ثم إنطلقت مع سائق التاكسى عائدًا الى محطة المترو. و أذكر أن المشهد من على أعلى هضبة المرصد كان مبهرًا. فالسماء كانت صافية مما ساعد على إمتداد الرؤية الى مسافة بعيدة عبر النيل و مشاهدة كلًا من الهرم الأحمر و الهرم المعوج و الهرم الأسود المتصدع المصنوع من الطوب اللَّبِن فى دهشور، و هرم سقارة المدرج، و أهرامات أبو صير الثلاثة، و حتى أهرامات الجيزة!
و أثناء رحلتنا بالسيارة تطرق الحديث الى مبارك و حكمه. فانهال السائق عليه باللوم و الدعوات بكل ما يدخر من الغضب الذى تراكم عبر السنين. و إذا بمرآة السيارة الجانبية تضرب بقوة مرآة سيارة أخرى مركونة. تابع الرجل حديثه دون إهتمام. و ما هى إلا دقائق حتى ضربت المرآة سيارة أخرى! قلت له، "على مهلك يا عم المراية هتتكسر!"
"ما هما اللى غلطانين علشان راكنين كدة... أنا بخبطهم مخصوص عشان يحرموا"!!
سكت حتى يهدأ السائق المجنون. و عندما وصلنا الى المحطة أخيرًا أعطيته عشرون جنيهًا عبر نافذة السيارة. "عشرة كمان يا بيه". أعطيته ما يطلبه دون جدل، فما أدرانى... عله يضربنى بمرآته اللعينة أنا الآخر!
ركبت المترو بعد شراء التذكرة أم جنيه. و بينما أنا جالسًا منتظرًا وجدت بائع للجرائد على رصيف المحطة يصيح بأعلى صوته "إقرا حادثة إغتصاب فى جامعة حلوان بجنيه! إقرا حادثة إغتصاب فى جامعة حلوان بجنيه!". و كانت هذه هي اللحظة الفارقة التى أتتنى فيها فكرة كتابة هذه القصة التليسكوبية. ثم لاحظت لوحة المحطات المُعَلَقَة داخل العربة و قد شُطِبَ فيها على إسم مبارك و كُتِبَ مكانه إسم "الشهداء".
٦- مطار القاهرة (٣٠/٤/٢٠١١)
تقدمت نحو شباك التصاريح بعد أن منعنى عسكرى الأمن من العبور الى حيث توجد مكاتب الجمارك. أعطيت الموظف بالشباك جواز سفرى و إيصال وديعتى التليسكوبية الموجودة بالجمرك فانصرف الى مكتب مدير الإدارة العامة لشرطة ميناء القاهرة الجوى. و كان شابًا صغيرًا فى السن و قد لاحظت مدى قبح ملابسه؛ فكان يرتدى "تيشيرت" خضراء و بنطلون چينز مقطع (على الموضة) و شبشب! و بينما أنا أنتظر عودته، سمعت دون قصد حديث زملائه و كانا يتكلمان عن السلفيين و إستحواذهم بالقوة على مسجد النور بالعباسية. و بعد حوالى ربع ساعة رجع موظف الشباك بالتصريح اللازم الذى سلمه لى بعد دفع عشرة جنيهات.
دخلت الى مخزن الجمارك و سألت عن وديعتى و ما إن كان قد ورد خطاب من مصلحة الأمن العام فى شأنها. ردت إحدى العاملين، "التليسكوب؟ أيوة الجواب وصل بس ما تتعبش نفسك. مستحيل يخرج."
و لأول مرة منذ أن بدأت الأزمة فقدت أعصابى. فبعد ترددى على مصلحة الأمن العام و رحلتى الى مرصد حلوان و نشر قصتى فى الجرائد لم أكن أحتمل سماع أى كلمة تعجيز. أجبت الموظفة بصوت خافت حاد غاضب "يا جماعة ليه التقطيم دة؟ أنا ماشى فى الإجراءات للآخر".
فكان ردها، "أنت بتتخانق معانا إحنا؟ إحنى عايزين نريحك. ما كنتش تخليهم يدخلوه مفرقعات".
إشتد غضبى فقلت بنفس الصوت الخافت الحاد و قد زاد عليه نبرة تحدى، "معلش أنا ماشى معاكم للآخر. و لو ما نفعش هرفع قضية".
"أنت حُر".
و بعد اللف على مكاتب الجمارك المختلفة و ملئ الإستمارات بأنواعها و ختم الأوراق بألونها وجدت نفسى فى مكتب به ثلاثة من موظفى الجمارك الكبار. و كانوا أكثر تعاطفًا لحكايتى. قال أحدهم، "أنا مش فاهم هما بيعقدوا الدنيا كدة ليه، تليسكوب فلكى هيعمل إيه يعنى. و الله دة إحنا نفسنا زهقنا من القرف و الروتين دة". و عقب آخر، "لازم بقى ننفتح على الدنيا. و الله دة أنا نِفسى فى يوم أقدر أخلى إبنى يتفرج على النجوم و يتعلم". و قال آخر و كان إسمه حسين أيضًا، "أنتم عارفين أصلًا إن معظم الإكتشافات الفلكية بتيجى من الهُواة مش من العُلَمَا. الناس برة كلها عندها تليسكوبات". و هذا بالفعل كلام صحيح الى حد كبير. فمراكز البحوث محددة بميزانيات و مشاريع بحثية دقيقة لا يمكن الخروج عنها أما الهُواة فهم ينظرون و يسكشفون كما يحلو لهم. ثم قال لى،"بص يا أستاذ حسين أنت مش لازم تسيب الموضوع دة. دة حقك. و إحنا لازم بعد الثورة نكسر الجمود و نفك العُقَد دى كلها. أقولك؟ أنت تكتب للجرايد و تحكى مشكلتك".
خرجت من المكتب و قد ارتفعت معنوياتى قليلًا و ذهبت الى الخزينة حيث دفعت ٦٤,٢٠ جنيه مصاريف تخزين و مبلغ "أمانة" ٤٧٦,٢٠ جنيه (يتم إسترداده بعد إنتهاء المعمل الجنائى من الفحص). ثم عدت الى مكتب الثلاث موظفين المتفتحين مرةً ثانية لإستكمال الأوراق. فوجدت الأستاذ حسين قد تحمس لفكرته و كتب خطابًا لبريد الأهرام على ورقة نتيجة صغيرة قائلًا:
الى متى نكون ضد العلم و البحث العلمى؟
كان هناك من القرارات لحماية النظام السابق من ضمنها منع دخول التليسكوبات الفلكية التى فى حوذة الأطفال فى أروبا و بلاد العالم المختلفة و عندما يأتى بها مصرى من الخارج يلف الكرة الأرضية حتى يستطيع الإفراج عن التليسكوب و يعرضه على الأمن العام و معهد الأبحاث الفلكية و كأنه مجرم بخلاف المصاريف التى يتكبدها حتى يستطيع الإفراج عن التليسكوب.
فرحت بخطاب الأستاذ حسين و أخذته منه عازمًا على إستعماله فى قصتى. و بعد أن أنهيت باقى الأوراق اللازمة، إتفق معى موظف المخزن على أن آتى له يوم الإثنين بعد أجازة عيد العمال لنأخذ التليسكوب معًا و نعرضه على المعمل الجنائى.
٧- المعمل الجنائى (٢/٥/٢٠١١)
و بالفعل أتيت له فى الميعاد و إتصلت به على محموله كى يخرج بالتليسكوب حتى لا أقوم بإجراءات إستخراج تصريح الدخول مرة أخرى. و بينما نحن متوجهان الى سيارتى قلت له، "يحصل إيه لو خطفت منك العلبة و جريت... و لا إجراءات و لا وجع دماغ؟" و كانت فكرة مثيرة تحل كل مشكلاتى فى غمضة عين.
رد ضاحكًا، "مش هجرى وراك بس هبلغ الأمن على طول و هيمسكوك فى ثوانى".
وضعنا التليسكوب فى شنطة السيارة بمساعدة السائق ثم إنطلقنا جميعًا الى المعمل الجنائى بكلية الشرطة بالعباسية. و بعد أن أودعنا العلبة فى مخزن المعمل…..
في الحقيقة هنا انكسرت نفسي أخيرًا فمخزن المعمل بدا لي و كأنه الثقب الأسود الذي يكمن في وسط المجرة؛ الداخل فيه مفقود و لا شيء يخرج منه أبدًا. كنت قد أُرهِقت من البيروقراطية التي لا تنتهي و من اللف و الدوران علي المصالح المختلفة في شوارع القاهرة المكتظة تحت اشعة نجمنا الشمسي الذي لا يرحم. أودعت التليسكوب و ترتكته يلقى مصيره وحده و لم التفت اليه مجددًا بعد هذا اليوم. و الأسوأ اني فقدت شغفي تجاه النجوم و فقدت أي فضول كان يدفعني لأنظر تجاه السموات و الفلك.










