“ لطالما أيقنت بتدبيرك حتى وإن لم تكُ حكمتك واضحة في وقتها.. لطالما آمنت بها.. لطالما جاهدت نفسي وأفلتُ يدي وأدرتُ ظهري لكل ما لم تكتبه لي حتى وإن كان قلبي يهفو له ويرنو إليه.. حاولت ولا زلت قدر ما استطعت .. لكن ما لم اقدر عليه يوم.. ما لم استطيع أن أفعله أبدًا هو أن أتخطى الأمر.. يظل في نفسي شيءٌ من ذكرى.. شيءٌ من حنين.. ”أنا لا أنسى، فقط أنحى الاشياء جانبًا“ ليس أقسى على القلب من مرارة الفقد شيء.. لم اكن أدري قبل هذا اليوم معنى أن ترى الكبار ينتحبون كالأطفال.. كلٌ تخلَّى عن هيبته وتماسكه وانهار.. تفزع لتركن إليهم ظنًا منك أنك لا زلت صغيرًا، فتُصدَم بأنك أنت من عليك أن تكون سندًا لهم.. لم يعودوا أقوياءَ كما دومًا عهدتهم.. تُدرك ولأول مرة تصدق حقيقة أنك كبرت و هم أيضًا وأصبحوا الآن بحاجة إلى رعايتك تحاول جاهدًا أن تبدو مُتماسكًا ولكن حين توصِد الباب عليك وتنفرد بنفسك لا تجد بُدًا من نزع قناع القوة الزائف الذي طوال النهار أثقلك ما كنت أدري أن ضريبة النضج والكبر باهظة الثمن بهذا الشكل.. شعور بالعجز قاتل وخواء داخلى وخوف مستمر مما تحمله لنا الأيام.. ”الْطُف بنا يا مَولانا فيما جَرَت بِهِ المَقادير“ أوقن أن لكل شيء سبب. ما يحدث شيء في كونك عبثًا أبدًا .. ما يأتي الله بأناسٍ إلى دنيانا إلا لهدف وما ينزعهم منها إلا لغاية والحكيم من سَلَّمَ بحكمته وإن لم يمسك بها. لكن.. ماذا عسانا أن نفعل بقلوبنا؟ مهما حاولنا أن نُخلصها لله تتعلق.. تتعلق بما دونه من الخلق حتى نظن يوم أن يأذن بإبعادها أنَّا هالكون.. نغرق في بحر من الألم وتظل أعيننا مُعلَّقة بهم كما لو كانوا طوق نجاتنا الوحيد ونغفل حقيقة أن من أرسلهم باقٍ لا يتخلى أبدًا يتردد على مسامعي ”أحبوا هونًا فقد أفرط قومٌ في حب قومٍ فهلكوا“ لطالما حفظت هذه الكلمات، لكن الآن فقط أعي مغزاها ليس أصدق ولا أنقى من لهفة طفل يركض نحوك لحظة رؤيتك بعد غياب طال.. لن يترك طفل والدته أبدًا لينام بجانبك إلا لو كنت له مصدر أمان وحنان. نكبر وتتبدل الأدوار.. نتجرع الكأس الذي أذقناه إلى أبوينا يومًا ما.. ويصيرُ النوم عزيزًا متى كبرنا؟ وأين ذهبت السنون؟ وأنَّى لأحد أن يفارق ولا يبقى لنا منه سوى ذكرى في أذهاننا لا نستطيع إثباتها لأنه لا دليل عليها ولا صورة لها سوى في خواطرنا لا شيء يستحق.. “ما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها” مهما طال بك الأمد.. إلى أين مرجعك؟ ما هو إلا فرق في التوقيت ليس أكثر.. فلنعمل لحياتنا بدلًا من تعمير معبرنا ظنًا منا بأنا فيه مخلدون. ”أحبب ما شئت.. أحبب من شئت.. فإنك مفارقه“ ”









