علمني والدي أكثر مما تعلمته في المدرسة ، علمني و نحن في انتظار الغداء و انتظار الإشارة الخضراء ، علمني و نحن في طريق المدرسة و طريق بيت العائلة ، علمني والدي بنبرةِ الصوت و إيماءة العين ..
مضى على وفاة أبي ٥ سنوات ، لا أعلم كيف مضت، لم يمض يوم دون الشعور بالألم والذنب والاشتياق والوحدة، لم يمض يوم دون أن أنتظر صوته واتصالاته، لم يمض يوم من دون الندم على كل لحظة قضيتها بعيدًا عنه، لم يمض يوم دون صدى كلماته يتردد في أذنيّ...
إلى الآن أتقبل جملة "الله يرحمه"، بصعوبة بالغة،.. إلى الآن لا أستطيع الاستماع إلى أغانيك المفضلة من دون البكاء الحارق والغصة في حلقي...
تخيلت أن كلماتي ستنفد في يوم ما وسأمل الحديث عنك؛ لكن يبدو أنك تركت بي جزءًا كبيرًا منك، لا أمِل منه أبدًا، لا أمِل من صورتك التي وضعتها نصب عينيّ دائمًا ولا أمِل من حكاياتك المحفورة في ذاكرتنا جميعًا...
أفتقد ابتسامتك العذبة، أفتقد رائحة سجائرك... أفتقد الجلسة الصامتة كليًا في هويد الليل بينما تسطع أصداء الست وألحانها... أفتقد الهجمات المباغتة والأسئلة المفاجئة... أفتقد طلباتك لأقداح الشاي او القهوة ... أفتقد كثيرًا من التفاصيل، قد أدفع ما تبقى من عمر لي للحظة كتلك مرة أخرى.
هناك سلسلة أشياء ظننا أننا تجاوزناها ولكنها لازالت قادرة على كسر قلوبنا من جديد كل مرة كلحظة حدوثها.
اشتقت إليك كثيرًا يا أبي، وجل ما اتمنى هو رؤيتك مرة أخيرة!













