أشعر أنني نسخة مشوّشة منّي، وأني قد ضيّعت الأصلَ في مكان ما. أُكلِّم نفسي وأحاول تحليل الصوت الذي أستعمله في الكلام. هل هو نفس الصوت الذي صاحبني على الدوام؟ أم أنّه صوتٌ آخر طورّته لأخدع نفسي وأسهِّلَ مهمّـة نسيان الفقد الفادح الذي أشعر أنه حاصلٌ بيني وبيني؟ قرأت الفصول الأولى من رواية لكاتبٍ إيطالي ينتمي لمجموعة أدبيّة تسمّي نفسها مجموعة أكلة لحم البشر. حسناً. لا يبدو الإسم فظيعاً بالنسبةِ لي. في الحقيقة، لقد نزلَ هذا الإسم عليّ برداً وسلاماً باعتباره توصيفاً شديد المصداقيّة. يجب أن يكون الكاتب من آكلي لحوم البشر؛ ويجب أن يأكل حتّى يشعر بالتخمة ويرتمي على ظهره وقد انتفخت بطنه باللحم والعظم والعرق والدم. يجوب بطل الرواية حديقة فيلا بورغيزي في العاصمة الإيطاليّـة روما. تجوّلت أنا في أرجاء هذه الحديقة مثلما فعل هذا البطل الخياليّ. صعدت إليها من ميدان الشعب وشاهدت غروباً جميلاً من ساحة مربّعة مليئة بالعشّاق. رفضت أكثر من مرّة أن أشتري الورد الأحمر من باعة متجولين. دخّنت عدداً معتبراً من سجائر المالبورو الذهبي. راقبت سربَ طيور يحلّق في مشهد ملحمي فوق قباب روما وعنجهيّتها التي فقدت كلّ أسباب الاستمرار. فكّرت: ماذا كان محمود القابع في غزّة، المفصول عن العالم، المتشبّث بالكتب كسلاحٍ ضدّ الواقع والرتابة، ماذا كان ذلك المحمود ليفكّر لو عرف أنني سأقرأ يوماً ما في رواية إيطالية حديثة توصيفاً لحديقة أعرفها ولي فيها صور تذكارية؟ هل كان ليشعر بالسعادة على تجاوزه الجدار الهائل الذي ولد خلفه في مكانٍ مجبول بالدمِ والحظّ العاثر؟ لا أعلم. لكنني أشعر حقاً أنني نسخة مشوّشة مني. أنني حلٌّ مؤقّتٌ لمشكلة ما تزال قائمةً وملحةً وشديدة الجمال والقسوة










