يَا حَبِيبَتِي، الَّتِي كَانَتْ إِذَا مَرَّتْ عَلَى رُوحِي، انْشَقَّ فِيهَا مَمْشًى لِلضَّوْءِ. مَا أَدْرَكْتُ سِرَّ الْخَوْفِ الَّذِي سَكَنَ قَلْبَ قَبَّانِي حِينَ قَالَ: « أَخَافُ أَنْ تُمْطِرَ الدُّنْيَا وَلَسْتِ مَعِي » أَكَانَ يَخْشَى غَرَقَ بَيْتٍ، وَانْسِكَابَ السَّحَابِ عَلَى جُدْرَانِ وَحْدَتِهِ، أَمْ انْطِفَاءَ دِفْءٍ كَانَ يَسْكُنُهُ بِوُجُودِهَا؟ أَمْ كَانَ الْمَطَرُ عِنْدَهُ مِرْآةً تَسْقُطُ مِنْ يَدِ الرُّوحِ كُلَّمَا غَابَ عَنْهَا مَنْ كَانَ قِنْدِيلُهَا؟ لِتَقَعَ فِي فَرَاغٍ دَاخِلِيٍّ لَا يَمْلَؤُهُ إِلَّا حُضُورُ مَنْ أَحَبَّ؟ هَلْ كَانَ يَخَافُ الْمَطَرَ حَقًّا، أَمْ كَانَ يَخْشَى انْكِشَافَ سِرٍّ صَغِيرٍ كَانَ يُخَبِّئُهُ تَحْتَ جِلْدِهِ كُلَّمَا ابْتَعَدَتْ حَبِيبَتُهُ عَنْ دَارِهِ؟
فَالْمَطَرُ كَمَا تَعْلَمِينَ لَيْسَ مَاءً، بَلْ ذَاكِرَةٌ تَتَسَاقَطُ عَلَى رُؤُوسِ مَنْ فَقَدُوا سُقُوفَهُمْ الدَّاخِلِيَّةَ. لَا أَدْرِي، لَكِنِّي أَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّ الْفَقْدَ إِذَا سَكَنَ الرُّوحَ، أَضَاعَ عَلَى صَاحِبِهَا حَتَّى أَسْبَابَ الطُّمَأْنِينَةِ، وَأَنَّ الْغِيَابَ إِذَا تَمَكَّنَ، صَارَ هُوَ الْمَطَرَ، يَطْرُقُ السَّقْفَ الدَّاخِلِيَّ لِلرُّوحِ حَتَّى تَتَصَدَّعَ.
كَانَ نِزَار يَخْشَى عُوَاءَ الرِّيحِ خَلْفَ نَافِذَتِهِ، أَمَّا أَنَا، فَلَا نَافِذَةَ لِي، الرِّيحُ هُنَا لَا تَعْوِي، بَلْ تَرْكُلُ خَيْمَتِي كَوَحْشٍ أَفْلَتَ مِنْ غَابَةٍ، وَيَصْفَعُ هَوَاءُهَا نَافِذَةَ الرُّوحِ كَمَنْ يُوقِظُ جُنْدِيًّا مِنْ آخِرِ نَوْمٍ لَهُ، الرِّيحُ عِنْدِي لَيْسَتْ صَوْتًا، بَلْ كَائِنٌ يَجُرُّ ذَيْلَهُ فَوْقَ جَسَدِ الْخَيْمَةِ، وَيُدْخِلُ فِي آذَانِ أَطْفَالِي ارْتِجَافًا لَا يَهْدَأُ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ لِيَتَبَارَى مَعَ هَدِيرِ الطَّائِرَاتِ، أَيُّهُمَا أَحَقُّ بِالْهَيْمَنَةِ عَلَى رَعْشَةِ الْقَلْبِ، وَبَثِّ الرُّعْبِ فِيهِ أَكْثَرَ، فَتَغْدُو السَّمَاءُ مَسْرَحًا لِنِدَاءَيْنِ: أَحَدُهُمَا يَطْلُبُ النَّجَاةَ، وَالْآخَرُ يَطْلُبُ مِنْ الْقَلْبِ أَنْ يَعْتَرِفَ بِانْكِسَارِهِ.
أَنَا حَقًّا لَا أَعْرِفُ الرِّيحَ كَمَا عَرَفَهَا نِزَارٌ؛ فَالرِّيحُ الَّتِي عِنْدَهُ كَانَتْ تَمُرُّ بِنَوَافِذِهِ، أَمَّا الَّتِي عِنْدِي، فَتَدْخُلُ مِنْ الْجُرُوحِ، وَتَعْبُرُ فِي صَهْدِ اللَّيْلِ كَصَيَّادٍ لَا يَتَعَجَّلُ فَرِيسَتَهُ، وَتَتْرُكُ عَلَى خَيْمَتِي أَثَرَ مِخْلَبٍ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ سِوَى الَّذِينَ أَضَاعُوا بُيُوتَهُمْ.
يَا حَبِيبَتِي، يَا ظِلًّا كَانَ يَمُدُّ رُوحِي بِظِلِّهِ، بِالْأَمْسِ كُنْتِ تُلَازِمِينَنِي، كُنْتِ سَمَائِي الْوَادِعَةَ، أَتَّقِي بِفَيْءِ حُضُورِكِ حَنَقَ الشَّمْسِ، وَأَلْجَأُ فِي دِفْئِكِ إِلَى دِثَارٍ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ، دِفْءٌ لَا يَأْتِي مِنْ نُورٍ، بَلْ مِنْ امْرَأَةٍ كَانَتْ تَعْرِفُ كَيْفَ تُشْعِلُ الطُّمَأْنِينَةَ فِي مَفَاصِلِ رَجُلٍ تَكَسَّرَتْ عَلَيْهِ الْفُصُولُ.
وَإِذَا اشْتَدَّ الشِّتَاءُ كُنْتُ أَلُوذُ بِرَكْنٍ مِنْكَ شَدِيدٍ، فَأَشْعُرُ بِدِفْءٍ يَتَخَلَّلُ أَعْمَاقِي، وَكَأَنَّكَ كُنْتِ مَوقِدَ رُوحِي فِي لَيَالٍ لَا نَارَ فِيهَا إِلَّا حُضُورُكَ. الْيَوْمَ يَا أَجْمَلَ بِدَايَاتِي، بَاتَ صَدْرِي عَارِيًا فِي وَجْهِ الرِّيحِ، لَا شَيْءَ يَسْتُرُهُ، وَلَا شَيْءَ يَقِيهِ، كَمَا تُتْرَكُ الْحَقِيقَةُ أَمَامَ مَنْ لَا يَمْلِكُ سِوَى احْتِمَالِهَا، صَارَ صَدْرِي سَاحَةً يَخْتَرِقُهَا الْهَوَاءُ بِلَا اسْتِئْذَانٍ، كَأَنَّ الرِّيحَ تَبْحَثُ فِي دَاخِلِي عَنْ شَيْءٍ أَضَاعَتْهُ، أَوْ كَأَنَّهَا تُجْرِي جَرْدًا لِخَرَائِبِي، فَتُعُدُّ الْجِرَاحَ وَاحِدًا وَاحِدًا، وَتَنْسَى أَنَّ فِي الْقَلْبِ فَجْوَةً لَا تُحْصَى.
تَغَيَّبِينَ، فَتَحْضُرُ آلَامِي، وَتَصْعَدُ إِلَيَّ وُجُوهٌ لَا أَعْرِفُهَا، وَجُرُوحٌ لَمْ أَسْتَدْعِهَا، وَأَصْوَاتٌ تُشْبِهُ وَقْعَ خُطُوَاتٍ تَمْشِي عَلَى ثَلْجٍ هَشٍّ، فَلَمْ تَهْدَأْ نَفْسِي مُنْذُ غِبْتِ، وَلَا سَكَنَتْ آلَامُ جُرْحِي، وَالْبَرْدُ يَعُضُّ أَطْرَافَ رُوحِي عَضًّا، وَالْأَوْجَاعُ تَنْهَشُ قُطْبَ جِرَاحِي نَهْشًا.
تَحْضُرِينَ، فَيَجِيءُ مَعَكِ بَرْدٌ آخَرُ، وَكَأَنَّكِ حِينَ صِرْتِ بَعِيدَةً حَمَلْتِ عَنِّي الدِّفْءَ، وَرَمَيْتِ فِي حِجْرِي كُلَّ مَوَاسِمِ الصَّقِيعِ، فحَتَّى حُضُورُكَ -إِنْ حَضَرَ- صَارَ بَارِدًا، يُزَاحِمُ بَرْدَ الشِّتَاءِ، يُشْبِهُ نَافِذَةً نُسِيَتْ مُشرَعَةً فِي لَيْلٍ قَارِسٍ، يَدْخُلُ مِنْهُ الْبَرْدُ أَكْثَرَ مِمَّا يَدْخُلُ الضَّوْءَ، بَرْدٌ يُشْبِهُ يَدًا تَعْرِفُ أَيْنَ تَضْغَطُ كَيْ تَتَأَكَّدَ أَنَّ الْجُرْحَ مَا زَالَ حَيًّا، كَأَنَّمَا قُدِّرَ لِي أَنْ أُبْتَلَى بِفَقْدِ الدِّفْءِ، وَأَنْ أَتَجَرَّعَ الْبَرْدَ فِي كُلِّ أَشْكَالِهِ؛ بَرْدَ الطَّقْسِ، وَبَرْدَ الْغِيَابِ، وَبَرْدَ الْقُلُوبِ الَّتِي لَمْ تَعُدْ تَحْتَمِلُ أَكْثَرَ.
جَسَدِي، ذَلِكَ الْمُسَافِرُ الَّذِي أَضَاعَ خَرَائِطَهُ، لَمْ يَعُدْ يَعْرِفُ مِنْ أَيْنَ يَبْدَأُ احْتِمَالُ الْأَيَّامِ، وَلَا بِأَيِّ كَتِفٍ يَسْنِدُ مَا بَقِيَ مِنْهُ، فَاللَّيْلُ طَوِيلٌ، وَالْخَيْمَةُ ضَيِّقَةٌ، وَالصَّبْرُ يَتَنَاقَصُ كَمَا تَتَنَاقَصُ مِسَاحَةُ الضَّوْءِ فِي آخِرِ النَّهَارِ.
أَصْبَحَ جَسَدِي مُنْهَكًا، صَارَ أَشْبَهَ بِسَاحَةٍ أَنْهَكَتْهَا الْمَعَارِكُ، لَمْ تَعُدْ الرُّوحُ فِيهَا تَحْتَمِلُ جَوْلَةً جَدِيدَةً، وَلَا الْجَسَدُ بَقِيَتْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى تَثْبِيتِ رَايَتِهِ. كُلُّ مَا حَوْلِي يَخْتَبِرُنِي؛ الرِّيحُ الْعَابِثَةُ، وَالْخَيْمَةُ الْهَشَّةُ، وَالسَّمَاءُ الْمُثْقَلَةُ، وَاللَّيَالِي الثَّقِيلَةُ، وَالْعَتَمَةُ الَّتِي تَتَّسِعُ كُلَّمَا ضَاقَ صَدْرِي، وَظِلَالُ اللَّيْلِ الَّتِي تُشْبِهُ أَفْكَارًا لَمْ أَعُدْ أَقْدِرُ عَلَى طَرْدِهَا، كَأَنَّ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا قَرَّرَتْ أَنْ تَتَحَالَفَ مَعَ الْغِيَابِ ضِدِّي.
وَكَأَنَّ الصَّبْرَ جَيْشٌ يَعُودُ مِنْ مَعْرَكَةٍ لِيَجِدَ أُخْرَى فِي انْتِظَارِهِ، وَمَا مِنْ اخْتِبَارٍ إِلَّا وَأَدْلَى بِسَوْطِهِ عَلَى ظَهْرِي، حَتَّى لَقَدْ صِرْتُ أَخْشَى أَنْ يَنْفَدَ مِنِّي الْجِلْدُ قَبْلَ أَنْ يَنْفَدَ الْبَلَاءُ.
وَمَعَ ذَلِكَ، مَا زِلْتُ أَتَشَبَّثُ بِخَيْطٍ دَقِيقٍ مِنْ الْأَمَلِ، كَأَنَّمَا هُوَ نَصْلُ ضَوْءٌ فِي آخِرِ النَّفَقِ، أَوْ مَطَرٌ يَأْتِي، فَلَا يُخِيفُ، بَلْ يَهْبِطُ عَلَى الْقَلْبِ كَمَا تَهْبِطُ يَدٌ تَعْرِفُ طَرِيقَهَا جَيِّدًا إِلَى وَجَعٍ سَكَنَهُ اللَّيْلُ وَطَالَ.