هذا الرجل تغلغل داخل الكيان ، وخدع مؤسسها "ديفيد بن غوريون"، وظل لغزاً حير أجهزة الأمن حتى بعد موته داخل السجن.
ازرائيل بير..الرجل الذي لم يكن له وجود..
في عام 1938، وصل إلى فلسطين شاب يهودي نمساوي يُدعى "إسرائيل بير".
كان يحمل سيرة ذاتية تبهر أي قيادة تبحث عن الكفاءات وخصوصاً في وضع هذا الكيان .
ادعى أنه خريج الأكاديمية العسكرية النمساوية المرموقة، وأنه بطل اشتراكي قاتل بشجاعة في الحرب الأهلية الإسبانية ضد قوات فرانكو.
انضم فوراً لـ "الهاغاناه"، وعند قيام دولة الكيان عام 1948، أثبت عبقرية عسكرية فذة في التخطيط، وترقى حتى وصل إلى رتبة مقدم وكان قاب قوسين أو أدنى من أن يصبح رئيساً للأركان أو رئيساً للاستخبارات العسكرية.
لكن بسبب صراعات سياسية داخلية،أو هكذا طُلب منه ،ترك الخدمة العسكرية النشطة عام 1950.
وهنا تبدأ ذروة الاختراق تحول "بير" إلى المؤرخ العسكري الأول للكيان، وأسس قسم التاريخ العسكري في جامعة تل أبيب.
والأخطر من ذلك، أن رئيس الوزراء للكيان ديفيد بن غوريون فتن بذكائه وتحليلاته، وجعله مستشاره العسكري الشخصي، ووكّله بمهمة فوق سرية: كتابة التاريخ الرسمي المعتمد لحرب 1948.
هذا التكليف منح "بير" خزنة مفتوحة لكل وثيقة، وأمر، وخريطة، وتقرير استخباراتي دخل أرشيف وزارة الدفاع للكيان.
إلي اليوم لا نعرف متى تم تجنيد "بير" لصالح الاتحاد السوفيتي (الـ KGB) .
المعلومات التي مررها لموسكو كانت بمثابة صدمة استراتيجية غيرت موازين القوى في عز الحرب الباردة، و قد كان أبرز ما قدمه للسوفيت:
خطة العدوان الثلاثي على مصر (حملة سيناء 1956).
فقد امتلك "بير" تفاصيل التحركات العسكرية المشتركة بين إسرائيل، فرنسا، وبريطانيا لضرب مصر.
و نقل هذه الخطط بالكامل للسوفيت قبل الحرب.
و بحكم علاقاته الدولية، سافر "بير" كثيراً إلى أوروبا، والتقى بوزير الدفاع الألماني الغربي آنذاك "فرانز جوزيف شتراوس"، وحصل منه على معلومات بالغة السرية عن البنية الدفاعية لحلف الناتو في أوروبا ومررها للسوفيت.
عثرت أجهزة الأمن في شقته لاحقاً على نسخ مأخوذة مباشرة من المذكرات الشخصية واليوميات السرية لرئيس الوزراء ديفيد بن غوريون، والتي تحتوي على أدق القرارات السياسية والنووية للدولة.
كان السوفيت بفضله على إطلاع بالخطوات الأولى التي تخطوها إزرائيل لبناء منشأتها النووية بالتعاون مع فرنسا.
ومن المفارقات عندما مرر إزرائيل بير خطط الهجوم الإسرائيلي-الفرنسي-البريطاني (العدوان الثلاثي )على سيناء إلى موسكو، قامت القيادة السوفيتية فوراً بتمرير هذه المعلومات والخطط العسكرية الاستراتيجية إلى نظام الرئيس جمال عبد الناصر في القاهرة.
ولكن المفارقة المذهلة هي أن القيادة المصرية حينها لم تصدق تلك التقارير المخابراتية السوفيتية!
ظن القادة العسكريون المصريون أن هذه الخطط "مفبركة" ومبالغ فيها، فلم يأخذوا الاحتياطات الكافية في سيناء بالسرعة المطلوبة حتى وقع الهجوم بالفعل وفوجئوا بالإنزال الفرنسي-البريطاني في بورسعيد وتقدم العدو في سيناء.
و كان "بير" هو المورد غير المباشر لأخطر سر عسكري أنقذ نظام ناصر لاحقاً عبر التدخل السوفيتي الشهير (الإنذار السوفيتي) لوقف العدوان.
ولكن كيف تم اكتشاف هذا الداهية...
جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (الشين بيت) بقيادة الثعلب إيسر هارين (الذي أشرف أيضاً على خطف أدولف آيخمان) كان يراقب الأجواء السياسية بقلق.
في أواخر الخمسينيات، بدأ "بير" يمر بأزمة عاطفية ومالية طاحنة؛ انفصل عن زوجته، وتعرف على فتاة لعوب ذات طلبات مادية باهظة تُدعى "أورا"، مما جعله يستدين بشكل جنوني ويتصرف بغرابة جعلت العيون تشكك فيه .
بدأ الشين بيت يضعه تحت المراقبة اللصيقة.
وفي ليلة 30 مارس 1961، رصدته المراقبة وهو يسير في أحد شوارع تل أبيب المظلمة يحمل حقيبة جلديّة ثقيلة.
التقى برجل اتضح أنه فلاديمير سوكولوف، وهو ضابط مخابرات سوفيتي يعمل تحت غطاء دبلوماسي في السفارة الروسية.
شوهد "بير" وهو يسلم الحقيبة ثم يعود إلى منزله بدونها، ليعود لاحقاً ويستلمها فارغة.
في الساعة الثانية من فجر 31 مارس 1961، طرقت قوة من الشين بيت والشرطة باب شقته، وفتشوا المكان ليعثروا على جبل من الوثائق والمستندات العسكرية الحساسة.
وقع النبأ كالصاعقة على رأس ديفيد بن غوريون الذي رفض في البداية تصديق أن مستشاره المؤتمن هو "أخطر جاسوس سوفيتي" في البلاد.
أثناء التحقيق مع إزرائيل بير، حدثت المفاجأة التي جعلت المحققين يصابون بالذهول.
عندما بدأت أجهزة الأمن تنبش في ماضيه وتتواصل مع النمسا وأرشيف الحرب الإسبانية، تبينت الحقيقة الغريبة و المرعبة..
لا يوجد شخص اسمه إزرائيل بير في السجلات النمساوية!
الأكاديمية العسكرية النمساوية نفت تماماً أن يكون قد درس فيها شخص بهذا الاسم.
قادة المقاتلين في إسبانيا أكدوا أنهم لم يسمعوا به قط.
وكانت الصدمة الكبرى عند كشف الفحص الطبي للمتهم في السجن وجدوا أنه غير مختون!
مما يعني أنه لم يكن يوماً يهودياً، بل كان عميلاً شيوعياً نمساوياً أو روسياً خالصاً، تم زرعه بهوية يهودية مزيفة عام 1938 ليخترق الكيان قبل تأسيسه بعقد كامل.
ورغم هذا كله ، رفض "بير" طوال التحقيقات والمحاكمة كشف اسمه الحقيقي أو الجهة التي صاغت شخصيته الوهمية.
أُدين بتهمة الخيانة العظمى والتجسس، وحُكم عليه بالسجن لمدة 15 عاماً.
وفي 1 مايو 1966، توفي داخل سجن "شطا" إثر نوبة قلبية، وأخذ معه أسراره إلى القبر.
ودفن كجثة بلا ماضٍ حقيقي، مسجلاً واحداً من أعمق وأخطر الاختراقات المخابراتية في القرن العشرين.