من أجمل المعاني في قلب المؤمن عند البلاء أو الحرمان أن يشعر بجمال حكم الله النافذ عليه وعلى كل شيء، وأن يستمتع باستشعار معنى اسمه القدير الذي يقدر الأمور، والعزيز الذي يحكم فلا معقب لحكمه!
حتى لو لم يكن من بلاء الله غاية -وهو ما نعلم أنه غير صحيح- وحتى لو لم يكن من بلاء الله أجر ونفع -ونحن نعلم أنه غير صحيح- فيكفي جمالًا أن تشعر بقوة الإله الحكيم الذي لا يفعل إلا ما يشاء ولا يوجد شيء يشاؤه إلا ويفعله. وأن تشعر من ثم بأنك راضٍ عن كل ما يحكم به، ليس لأنه بالضرورة نافع لك، ولكن لأنك في حضرة ملك قوي لا يوجد معقب لحكمه ولا راد لقضائه!
أن تكون عبدًا لصاحب هذا الجبروت والملكوت والكبرياء والرحمة، لهو أجمل من أي شيء يتمناه المرء ويريده!
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: والحمد على الضراء يوجبه مشهدان:
أحدهما: علم العبد بأن الله - سبحانه - مستوجب لذلك، مستحق له لنفسه، فإنه أحسن كل شيء خلقه، وأتقن كل شيء، وهو العليم الحكيم، الخبير الرحيم.
هذه من أجمل المعاني عند البلاء، الصبر على المحنة ولكن صبر قويّ، صبر مستمتع بجمال حكم الله النافذ!
صبر شجاع إن صح هذا التعبير.
وقيل للبطال رحمه الله ما الشجاعة؟ قال: صبر ساعة!
وما يكون الصبر على أمر يريده الإنسان في الدنيا بجوار صبر سوف يتجرعه كل أحد على عقاب الله في الدنيا والآخرة ولا يجد سوى الاحتمال حلًا له! سواء عليهم أصبروا أم جزعوا ما لهم منها من محيص!
وقال زياد مولى ابن عياش رحمه الله: للصبر اليوم عن معاصي الله خير من الصبر على الأغلال في نار جهنم!
ثم كل ما يريده الإنسان يدل على أمرين، الأول/ كم النعم السابقة، والثاني/ كم الحرمان القليل!
لو كنتِ تتمنين الإنجاب مثلًا وحرمتي منه.
فلو لم يكن الله رزقك بالطعام والشراب والمأوى والأمن والزواج والاستقرار الأسري هل كنت لتطمعين في الإنجاب؟
معنى أنك تريدين ذلك أن رزقك الحمد لله واسع وإلا فلو كنتِ تجاهدين للقمة عيشك ما تمنيتي طفلًا.
ومعنى أنك تريدين ولدًا أن الأمور بينك وبين زوجك طيبة وإلا فلو كنت تجاهدين لاستقرار زواجك لما تمنيتي طفلًا.
ومعنى أنك تريدين أن تنجبي أن لكِ ظهرًا تنامين عليه وسقفًا فوق رأسكِ.
كل هذه نعم وحاجات أشد أساسية من الإنجاب قد رزقك الله إياكي، ولولا ذلك ما طمعتي فيما هو أقل منها وأقل أساسية منها.
ثم معنى أنك تريدين شيئًا أنك غير محرومة مما هو أهم!
فلو كان بك مرض عضال لتشتت تفكيرك عن أمر الإنجاب فقط لتتمني الصحة.
ولو كان زوجك على فراش الموت لتشتت تفكيرك عن أي شيء آخر.
وقال شُرَيح رحمه الله: إنِّي لأصاب المُصيبة، فأحمَدُ الله عليها أربعَ مرَّات، أحمدُ إذ لَم يكُن أعظم منها، وأحمَدُ إذ رزقَني الصَّبْر عليها، وأحمدُ إذ وفَّقني للاسترجاع لِماَ أرجو مِن الثواب، وأحمَدُ إذ لم يجعلْها في ديني.
كل هذا يدفع المرء للرضا عن الله وأيضًا شكره وتمني المزيد من عطائه لا لأن المرء محروم أو أن زرقه قليل ولكن لأننا لا غنى لنا عن عطائه سبحانه ولا عن بركته ولو ملكنا الأرض جميعًا فكل ما يأتي من عند الله جميل.
ليس طمعًا أن تطلب من الله ما تشاء، ومن لم يسأل الله يغضب عليه.
ولكن الطمع أن تطمع في حياة لا بلاء فيها!
حتى ارتاب يومًا خالد بن الوليد لأجل ذلك من امرأة له فطلقها، ثم أحسن عليها الثناء، فقيل له: يا أبا سليمان لأي شيء طلقتها؟ قال: ما طلقتها لأمر رأبني منها ولا ساءني، ولكن لم يصبها عندي بلاء!
لا يمنع الله البلاء قط إلا في من لا رجاء منه، وأما المؤمن فالله يصفيه دومًا من ذنوبه ويرفع دومًا من درجاته بالتضييق والكروب! فإن لم يكن فبالسراء والرغد (وهو أصعب والله وأشد!) وعن هلال بن يساف قال: كنا قعودا عند عمار بن ياسر رضي الله عنه، فذكروا الأوجاع، فقال أعرابي: ما اشتكيت قط، فقال عمار: ما أنت منا، إن المسلم ليبتلى ببلاء، فتحط عنه ذنوبه، كما تحط الورق من الشجر، وإن الكافر يبتلي ببلاء، فمثله مثل بعير أُطلق فلم يدر لم أطلق، وعُقل فلم يدر لم عقل.
ثم أجمل ما يراه الله في قلبك عند البلاء أن تريه أنه أهل لهذا البلاء! أهل لأن يبتليك ويختبرك، أهل لأن يضيق عليك لو شاء وأن يحرمك لو شاء، وأهل لصبرك ورضاك بعد هذا كله!
وعن يزيد ين تميم قال: لما أدخل إبراهيم التيمي رحمه الله سجن الحجاج رأى قومًا مقرنين في الأغلال يقومون جميعًا ويقعدون جميعًا، فقال: يا أهل بلاء الله في نعمته، ويا أهل نعمته في بلائه، إن الله قد رآكم أهلاً أن يختبركم، فأروه أهلاً أن تصبروا له.
فقالوا: من أنت رحمك الله؟
قال: من ينتظر من البلاء مثل ما نزل بكم.
قالوا: ما نحب أن نخرج من موضعنا!
وقال أبو عبد الرحمن المغازلي: دخلت على رجل مبتلى بالحجاز، فقلت: كيف تجدك؟
قال: أجد عافيته أكثر مما ابتلاني به، وأجد نعمه علي أكثر من أن أحصيها.
فقلت: أتجد لما أنت فيه ألمًا شديدًا؟
فبكى، ثم قال: سلا بنفسي عن ألم ما بي: ما وعد عليه سيدي أهلَ الصبر من كمال الأجور في شدة يوم عسير.
قال: ثم غشي عليه، فمكث مليًّا ثم أفاق، فقال: إني لأحسب أن لأهل الصبر عند الله غدًا في القيامة مقامًا شريفًا، لا يتقدمه من ثواب الأعمال شيء إلا ما كان من الرضا عن الله جل وعز.
ولا أجمل من ذلك الرجل المريض بالجذام والذي سمعه خلف يقول: إن كنت إنما ابتليتني لتعرف صبري فأفرغ علي صبرًا يبلغني رضاك عني، وإن كنت إنما ابتليتني لتثيبني وتأجرني وتجعل بلاءك لي سببًا إلى رحمتك بي، فمَن مِن عبادك أعظم نعمة ومنة مننت بها علي إذ رأيتني لاختبارك لها أهلاً، فلك الحمد على كل حال، فأنت أهل كل خير وولي كل نعمة.
قال: فلما كان بالعشيّ مات.
د. مهاب السعيد














