ما لا ينتبه له كثيرون أن الانسان و قلبه و روحه خُلقا لغايةٍ واحدة ، فإن لم يجد الانسان طريقه إلى الله و ضلّ عن فهم اسباب خلقته ، تعلّق بما دونه لا محالة.
فالقلب لا يحتمل الفراغ ؛ إمّا امتلأ بنورٍ يرفعه، أو ازدحم بشهواتٍ تثقله .
حين ينصرف الإنسان عن محبة الله و هي الغاية ، لا ينجو من الحب .. بل يبدّله.
فتراه يعلّق قلبه و روحه بأشياء زائلة، ويطلب منها ما لا تملك أن تعطيه :
يطلب من المال طمأنينةً لا تُشترى، ومن الجمال قبولًا و قوّة لا تجدي نفعاً ، ومن العظمة و السّلطة بقاءً و خلوداً لا يُمنح لبشر، و من العشق اكتمالاً لا يمنح لمخلوق ..
وكلما ازداد تعلّقه، ازداد تعطشه اكثر فاكثر ؛ لأن ما يتعلّق به محدود،
بينما حاجته في الأصل غير محدودة… ممتدة إلى ما لا يفنى .
الشهوة هنا ليست مجرد رغبة، بل هي تعويض ؛
تعويض عن فراغٍ أعمق، عن معنى غائب، و عن سكينةٍ ضائعة ،
ولهذا ترى المبالغة: لأن الداخل لا يهدأ، فيُكثر الخارج من الطلب ،
يُزيّن، ويجمع، ويُفاخر… لا لأنه اكتفى، بل لأنه لم يكتفِ ابدا ،
فإذا رأيت إنسانًا يفرط في تعظيم مظهرٍ من مظاهر الدنيا،
فلا تنظر إلى ما بين يديه، بل انظر إلى ما في صدره؛
ستجده غالبًا قلبًا يبحث ، لكن في الاتجاه الخاطئ ،
ويحاول أن يملأ نقصًا لا يملؤه إلا ما أعرض عنه ،
ولذلك ليست المشكلة في الأشياء ذاتها،
فالمال نعمة، والجمال زينة، والمكانة أثرٌ من آثار السعي، اذا اقترنت بالعبادة الصحيحة
لكنها حين تكون هذه الشهوات الحُب الوحيد في قلب الانسان و الغاية الاولى ، تكشف خلل البوصلة ..
القلب الذي عرف الله، يأخذ من الدنيا بقدر، ولا يتعلّق بها بقدر،
أما القلب الذي فقد وجهته،
فيُثقل نفسه بما لا يرويه… ويظلّ رغم كل ما جمع ، يشعر بأن شيئًا ما ما زال ناقصًا .