الإنسان بين أوهام الفلاسفة وأنوار الحقيقة
الإنسان، ذلك المخلوق الحائر المحير، ذلك الكائن الذي أتعب نفسه وأتعب كل الكون من حوله، الإنسان باكورة الخلق ومحل التكليف، المكرم والمهان، الطائع والعاصي ، الطيب السهل ومحل الشر صعب المراس. الإنسان !
في هذا العصر المتزاحم والمكتفى حتى الثمالة بالأفكار والمذاهب والأديان والمعتقدات لم يزل هذا الإنسان حائراً تائهاً رغم كثرة الموارد والمشارب، فمع تناقض مذاهب القوم وتضادها لا يمكن الجزم بصحتها جميعا فذاك عكس منطق الأشياء، فالحق ليس له إلا وجه واحد ظاهر لا جدال فيه ولا يعمى عنه إلا عميان البصيرة، أما الباطل فله ألف وجه ويأتي للإنسان من كل وجه.
بيد أن عصرنا الحديث والذي وصل الإنسان فيه من العلم والفهم غاية التقدم ومنتهى المعرفة إلا أن حقيقة الإنسان ونفسه الحائرة لم تستقر ولم تهدأ ولم يستطيع العلم الحديث الارتقاء بالنفس البشرية لدرجه الكمال أو أن يرشدها لطريق لا اعوجاج فيه.
وفلاسفة الغرب، كمثال على الأفكار الحديثة، عندما تصدروا المشهد وتقدموا الصفوف لقيادة القطعان البشرية سقطوا في خمسة أخطاء مدمرة تهدم بنيانهم من الأساس.
* الخطأ الأول:
أنهم أهملوا حقيقة الدين وخبر السماء وأعتبر أغلبهم أن الدين حاجه بشرية اخترعها الإنسان لغاية ما، وأنتهي أمره وحل محله الفلسفات الحديثة والتي بنظرهم تقدم تفسيرات أقرب للواقع لكل أسئلة الإنسان المحيرة.
* الخطأ الثانى:
أنهم تعالوا على النتاج الفكري لكل الثقافات المغايرة من باب أنهم امتلكوا الحقيقة المجردة بفلسفاتهم على الرغم من أن الصينيين كمثال قد سبقوهم بألف عام أو يزيد ووضعوا تعريفات عامة وخاصة للنفس في رأيي أنها أفضل وأدق وأعم من خرافات فلاسفة الغرب.
* الثالث:
أنهم ورغم علمانيتهم الظاهرة إلا أنهم لم يستطيعوا الفكاك من موروثهم الثقافى الوثني المتعالي والذي يضع الإنسان معادلا لرب السموات والأرض، تعالى الله عن ذلك، فأفلاطون مثلا عندما قدم مثاليته أو في بحثه عن الفضيلة جعل الغاية العظمى هي أن يتشبه الإنسان بالإله الخالق "حسب فهمه ومعتقده هو عن الإله" وأن الإنسان عندما يصل لتلك المرتبة من التشابه فهو حقيق بأن يكون فاضلا، ومدينته التي حاول إنشائها كان جوهر سندها هذا المبدأ وإن توارى خلف مصطلحات وكلمات جميلة رنانة. وعلى الرغم من جمال الصورة المبهرة للفكرة من حيث أن صفة أفعال الإله هي غاية الكمال إلا أننا لا يمكن أن نهمل ذلك التأصيل الوثني بفكرته والتي تحتمل تصوير الإله بصورة ذهنية محسوسة من ناحية ومن ناحية أخرى ذلك التعالي والذي لا يمانع من معادلة الإنسان بالله - تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فذلك الأحمق والذي ضل وأضل من بعده لا يعلم أن غاية الإنسان على الأرض ليس التشبه بالإله فذاك محال بل تنفيذ مراد الله فيه من خلال إفراده سبحانه بالعبودية الخالصة بالطاعة الكاملة في المنع والعطاء، ولله الأمر من قبل ومن بعد .
* الرابع:
أنهم اعتبروا آلامهم الشخصية شأنا عاما، فما يؤلمهم لابد أن يؤلم غيرهم وما حدث معهم لابد وأنه حدث مع كل الناس لكن بدرجات متفاوتة، فما يشعرون به فكل البشر مثلهم لذلك كانت تعريفاتهم في الغالب خاصة شاركوا بها العالم، أنت مثلا عندما ترى ما تركه "سيجموند فرويد" عن النفس تتعجب من غزير علمه وكيف استطاع تشريح النفس بهذه المهارة، أما إن كنت شديد الملاحظة وتعرف سيرة حياته وأسرارها لعلمت أنه يتكلم عن نفسه بكل أمراضها وعقدها النفسية. أو ذلك المعقد "سارتر" أستاذ الوجودية الناقم على الحياة بكل ما فيها والذي يراها منتهى العبث رغم الهالة البراقة حول منطقه، والأمثلة على ذلك كثيرة جدا ولكن تكفى الإشارة لتصل العبارة .
* الخامس:
أن أمرهم قد تجاوز حقيقة آلامهم إلى أمنياتهم وعُقد نقصهم فأغلب من تكلم عن أي شيء وبرع فيه فهو أصلا مفتقده وهذا يقدح بمصداقيتهم المجروحة أصلا فالفيلسوف "كارليل" والذي وضع خلاصة فلسفته الخاصة بالرجولة والفحولة
كأناشيد ترددها الفتيات ويشعر الرجال منها بالنقص والغيرة، عندما مات اكتشف العالم كله أن زوجته لا زالت عذراء، و"روسو" الفيلسوف الفرنسي الذي ملأ الدنيا صياحا وعويلا أنه من كثرة أبنائه لا يعرف عددهم وقد أرسلهم جميعا للملاجئ، كان عاجزا جنسيا !! ولا يمكن أن ننسى أفضل من تعمق في الأدب المسرحي المتعلق بالجنس، العبقري الإمريكى"تينسى ويليام" هذا الرجل لم يكن يؤلف مسرحياته العجيبة إلا وهو يرتدى ملابس النساء ويتبرج مثلهن تماما، ومع ذلك فكتاباتهم عما افتقدوه تجذب العقول وتضل القلوب. والحمد لله على نعمة الإسلام .
الشاهد مما مر ذكره أن الحضارة الحديثة أجهدت النفس البشرية أيما إجهاد وعملت تلك الفلسفات على تغريب النفس دون تسكينها، لذلك إن أردنا أن نتكلم عن الإنسان وأردنا سلامة العقل ووسيط المنطق فعلينا إهمال ما تركه لنا الفلاسفة عن النفس وما خربوه عمدا أو جهلا، علينا أن نحتمى بصحيح ديننا ونضع نقطة ومن أول السطر
.....
هذا المقال جزء من فصل الأنسان بكتاب حقائق واوهام النفس البشرية والأذى الشيطاني












