جسر القمر (video)
إنْ غَلَبَني التأثّر فما جدوى الكلمات، وإنْ ساررتُ فلا تَصْدُق الكلمات. إنْ أردتُ أن آخذك بين أضلعي فلا تكفي الكلمات. وإنْ أردتُ أن آخذحياتك فبأيّةِ كلمات؟ ولا تحدّثني عن التصوير والنحت ولا عن الرقص. ولا حتّى عن المسرح. السينما، هذا السلاح الفعّال، أكانت تكون ذلك السلاح لولا الموسيقى؟ربّما ليست الموسيقى، ليس الصوت هو القويّ، بل الأذن هي الضعيفة. أقصد الضعيفة بمعنى الأشدّ رهافة، القناة الممكن بواسطتها السيطرة على السامع. موصولةٌ رأساً بالجهاز العصبي، بالعمود الفِقَري، تنتقل منها ذبذباتُ الصوت إلى الكيان كلّه كتلةً واحدة، كعاصفةٍ تكوّمت وانتشرت في العروق. يغدو السامع فريسة، فريسة سعيدة لنوع محدود من الأصوات وفريسة شقيّة للأكثريّة الساحقة من الأصوات. نُمسي هنا في حالةٍ من التأثير المغناطيسي الصرف. تقول إحدى النظريّات إنّ حياةَ الكائن تنتظره قبل أن يولد وعندما يولد تنتقل إليه. هكذا قُلْ عن الحواس وعلاقاتها وعن الميول والحساسيّات. لم يتمكّن منّي صوت إلّا كان فيه شيءٌ من الرَقْوَة. سحر الصوت المزدوج الطبيعة، أحضانه خصبة رؤوم فيها هدهدةُ الأمّ وحماية الأب. أجنحةٌ تُعيد إلى الصدر الأجنحة. خَدَرٌ أقوى من الحلم، أرحم من الغفران، أنعم من نظرات الملائكة. لا تتوقّف الرعشة تحت تأثير أصوات كهذه، رعشةٌ تُجمّدُ أوصالك، تشلّ حركتك، تريحك من وعيك. رعشةٌ تُبارك حاسّة السمع، فترى وتلمس وتَسْبح وتشفى وتنجو بأذنيك. هذا ما وجدته في صوت فيروز صيف 1962 على أدراج بعلبك يوم ظهرتْ في «جسرالقمر» وهذا ما رحتُ أبحث عنه وأجده في كلّ ريبرتوارها. جيلُ اليوم يجهل مع الأسف القسم الأكبر من ريبرتوارها، وهو البادئ في خمسينات القرن الماضي، ومنه كنوز لا شكّ أنّ تغييبها جريمة موصوفة، ويشكّل سبباً رئيسيّاً لاعتقاد البعض بأنّنا نبالغ حين نتكلّم عن صوت فيروز.
"لِنَتَوَقَف و نُقدّم لِفيروز الشُكر في جميع العالم، لأن صَوتَها راعي الرَعشَة، لأنَهُ هُوَ الرَعشَة، و هُوَ نارُ الحُبِ الأخيرَة المَمشوقَة كَعروسٍ فَوْقَ الماء."
- أنسي الحاج













