الاشياء اضعف مما تبدو في المرآة
يبدو ان اللآلام لديها نزعة سادية لأن تقسو عليك اكثر ف الغربة، او هكذا يتهيأ لي الحال..
ربما لأنك تكون وحيدا فلا تجد من يشاركك -فيزيائيا- في ذلك الحيز الذي تشغله من الفراغ فتملأ بوجوده بعض من الثقوب التي حفرها الوجع فلا يتاح لها القوة ان تكون اكثر ايلاماً
وربما لانها تستغل جهلك باللغة التي يتحدث بها الكل من حولك فتجدها فرصة مثالية لتنهال عليك بلكنات ولكمات لم تكن تعرفها من قبل. فلم تعد تدرك ماذا يؤلمك ولا تدري أى لغة تختارها لتسكن نفسك
او ربما لأنك هناك تكون اكثر هشاشة، مجرد من الطبقات العازلة التي كانت تحيط بك في كل مكان في وطنك. هناك تكون انت فقط. بلا سيوف ولا دروع لتدافع بها عن نفسك امامها
وبعد ان تتوالى عليك تلك الضربات حتماً ستستيقظ يوماً لتنظر في المرآة لترى نفسك المجردة بكل عيوبها وهشاشتها، وتراها وهى تبتسم لك في المرآة منتشية بإنتصارها ان كشفتك امام ذاتك
الآن فقط رأيتها، وحيداً في وسط الغرفة على تلك الطاولة فقدت العالم كله ووجدت نفسك، تخلت عنك الطبقات التي لم تكن تدرك قبل الآن انك تحتمي بها وطردتك الآراء من قائمة المتمسكين بها والمدافعين عنها وشاحت بوجهها عنك النوايا كما لم يعد يقرك اى قرار اتخذته يوماً فجأة اصبحت انت فقط انت تلك القوة والصلابة المعتادة منك ماهى الا خداع بصري وقع فيه كل من حولك فشارك بسذاجته في صنع تلك النسخة الأقوى منك، وكلما زاد عدد المبهورين بك كلما اكتملت الصورة اكتر، حتى اصبحت الصورة اكثر حقيقةً منك، فظننتها أنت أنت
وحتى لو افترضنا ان هذه القوة لم تكن لتأتي من العدم وان منبعها بداخلك، فأنت لست المحرك، تفاصيل اخرى هى المتحكمة في كل شيء الشارع الذي تسكن فيه وتحفظه عن ظهر قلب فيستطيع جي بي اسك الداخلي ان يرشدك الى رقم بيتك اذا تهت، دعوة الشحاتة “كريم يارب” واعتياد اذنك على لحنها، ذلك المطب او تلك الحفرة التي حفظتها قدمااك فتبعدك عنها كلما سرت في هذا الطريق، شكل شارع محمد محمود وانت ترى ذاك الوجه المألوف قادم اليك من بعيد فتبتسم تلقائيا فأنت تعرف خطواته وعينك تترجم تلقائيا تلك المشية فيعرف قلبك انه هو فتبتسم لأنه هو.
..............
والآن املأ هذه النقط بكل التفاصيل التي تعرفها والتي لم تكن تعرفها، تلك التي تحبها وتلك التي لا تطيقها، تلك المعتادة وتلك التي تأتي مفاجئة.. وتخيل انك استيقظت في احد الصباحات وقد جردك منها احدهم واعطاك بدلا منها ثقب في حواسك، فراغ، لاشيء.
مضى شهرين ولم انتبه لما فقدته الا الآن، ملأات فراغ تفاصيلي بالتفصيلة الوحيدة التي لم تتخل عني، فلم ارى ضعفي لحظة، لم انظر في المرآة ولم اضطر لأن اوجه وحشة الغربة سوى مرتين عندما تشاجرنا مرة وطلبت منه ان يتركني وحدي وتركني، وعندما اسأت الفهم واعتقدت انه يقول انه سيتركني وحدي وينام اعتدت ان املأ وقتي بتلك التفصيلة الوحيدة التي لم تتخل عني وبقيت معى،
حسنا، من الجيد ان تبكي لأنك وحيد، فهذا يدل على شيئين: انت ما زلت تشعر، لم يسلبك العالم شيئا من طريقة ادراكك للاحداث.
انك تعي الوحدة جيدا، تشعر بثقلها وتحملها على كتفيك وهذا سيعفيك من مخاطر اخرى قد تقع فيها ان لم تعبأ بالوحدة، احدهم على سبيل المثال ان يمر بك العمر وتموت وحيدا قبل ان يدرك عقلك تلك الورطة ناهيك عن القيام بخطوات لاصلاحها.
اعرف ان لم يعدنا احد بأن هناك الم سيرى ضعفك ويحنو عليك، ولكنها فقط الام غير معتادة













