oncanvas: Molly Bounds Evening Wear,2018. Flashe and wax pastel on wood panel. 18 x 24 in. (45.72 x 60.96 cm)
tumblr dot com
Three Goblin Art
KIROKAZE
h

@theartofmadeline
Not today Justin

祝日 / Permanent Vacation
2025 on Tumblr: Trends That Defined the Year

★
i don't do bad sauce passes

#extradirty

titsay
"I'm Dorothy Gale from Kansas"

roma★
Mike Driver
Show & Tell

tannertan36
Stranger Things
One Nice Bug Per Day
Lint Roller? I Barely Know Her
seen from United States

seen from Malaysia
seen from United States

seen from Netherlands
seen from United States

seen from France

seen from United States
seen from Ireland
seen from United States

seen from Türkiye

seen from Thailand

seen from United States
seen from United States
seen from Romania

seen from Malaysia

seen from Indonesia
seen from United States

seen from Finland

seen from United States

seen from Canada
@farahon
oncanvas: Molly Bounds Evening Wear,2018. Flashe and wax pastel on wood panel. 18 x 24 in. (45.72 x 60.96 cm)
permchaos: Z by Sharon Sprung ⊕
ولو في نص دين العزلة المعزولة
3 ديسمبر 2018
كيف أعيش في مدينة سوى القاهرة؟
من تفهمني مثلها؟
حادةُ المزاج، متطرّفةُ الطباع، عُشاريةُ الأبعاد، وساذجةٌ حد الوقوع ألفَ مرة في ذات البلاعة على طريق البيت.
من تربيني بقسوةٍ مثلها؟
وتمنعني؟ وتُعجزني؟ وتُرهقني بأسئلة وإلحاحات؟ وتزعقُ بي بأعلى صوت ثم تصمتُ حين أرفع صوتي حتى لا نتكسّر سويًا؟
من تُغدقني بالبشر واللقاءات مثلها، تعدني بحب وصُحبة، ثم تأخذني على غفلةٍ فتُبعدني عن كل ما يمكن أن يُطمْئن القلب أو يمنح الحب؟ من تكسرني رويدًا رويدًا، ثم تبنيني رويدًا رويدًا، ثم تكسرني، ثم تبنيني، ثم كلما اندمل جرحي تسلخُ عنه جلدي وترميني في مأزقٍ جديد؟ ثم تمنحني شمسًا مفاجئةً وسماء زرقاء وفرصةً أخرى للحياة، ثم تكون هي، ولا شيء غيرها هي، سُمّي وترياقي وقاهرة الجميع.
الخامسة والستون
الساعة الآن الخامسة والتاسعة وخمسون دقيقة صباحًا. عيد ميلادك كان أول أمس، أو هذا هو اليوم الذي تحبين الاحتفال فيه. في كل سنة أرتبك هل أعيّد عليك في يومك المختار أم في التاريخ الذي أفضّله؟
وُلدت بعد منتصف الليل بوقت بسيط يوم 22 تموز/يوليو، وأنا ابنتك مثالية الحسابات، لا يمكنني إغفال معنى أنك قد وُلدت في اليوم التالي، الثالث والعشرون من تمّوز. أو ربما، أنا ابنتك التي تؤمن قليلًا بالأبراج، أفضّل أن تكوني من أصحاب برج الأسد على السرطان. وأنتِ يا ماما أسدتي المفضّلة.
عيد ميلادك الذي تفضّلينه كان أول أمس، وعيد ميلادك الذي أفضّله كان أمس، ومع أنني اعتزمت الكتابة لك في اليومين لم أستطع. الآن فقط، وصباح اليوم الثالث على ميلادك ينشق من شباكي أكتب.
نمت في الواحدة والنصف صباحًا، وصحوت في الخامسة والنصف، وهذا ليس طارئًا يا أمي. فهل يذكرك بشيء؟ في البدء، وأحيانًا حتى اللحظة، كنت أتحجج بشمس الصيف، ثم بصوت العصافير، ثم بقرصات النمل، وانتقلت بعدها لحرارة الجو، ومن ثم إلى برد التكييف، كما تحججت أحيانًا بفراق الحب، وبعدها بانتعاشة حب جديد، لكنني كلما تخلّصت من سبب؛ ظهر غيره، وكلما أفتح عيني في الصباح؛ أفكّر فيك.
أفكّر باستيقاظك المبكّر ونومك القليل، ومشيك السريع في البيت بشبب مزعج، وصوت المسجل/الراديو/الأخبار، ورائحة الطبخ التي تخترق منخاري، ورنة الموبايل أحيانًا، ثم ابتسامة الهدوء التام عليك عندما أصحو وكأنك استيقظت أنت الآن للتو، والتي يتبعها بأقل من دقيقة سؤال متحمّس من مستيقظة مبكرة جائعة عمّا أريد أن آكله. أفكّر بكل هذا وأظن بأني أشتاق لك، وأشتاق لتذمري من كل هذا. لكنك مؤخرًا، وكي لا أظلمك على الملأ هكذا، كثيرًا ما حاولت ألا تصدري هذه الحركات والأصوات حين تكونين معي، بعد أن تحججت بها سببًا لصحوي المبكّر. وفي زيارتك الأخيرة -منذ عامٍ ونصف- كنت تظنّين بأنك نجحت في منحي ساعة أو ساعتين من النوم الزائد بهدوئك المفتعل هذا. لدي اعترافٌ صغيرٌ لك يا حبيبتي، كنت أصحو باكرًا بكل الأحوال، لكنني كنت أختبئ في السرير.
المهم، بعد كل هذه التفاصيل، أنك في كل سنة تكبرين أكبر أنا معك وأصبح مثلك من الداخل ومن الخارج، لكنني لا أكون معك. وعلى عكس طفولتي ومراهقتي وأول شبابي حين كنت أنزعج من تشبيهي بك - لأغراض استقلالية بحتة اكتشفت الآن - أراني يومًا بعد يوم أشبهك في أشياء كثيرة وأحب أني أشبهك.
منذ يومين كانت صديقتي تخبّرني بأن الكارما مصحصحة معي هاليومين لأنني أمارس الكثير من اليوغا. وهي لا تعلم بأنني كلما أسمع كلمة كارما أفكّر بك. هذه الكارما المصحصحة من صنع يدي بالطبع، لكنني لم أكن لأصنع هكذا كارما لو لم تكوني أوّل من علّمني كيف أصنع وألتزم بمبادئي.
الساعة الآن السادسة وخمسون دقيقةً صباحًا، وأنت تبلغين الخامسة والستين ويوم/ين، وأنا جالسةٌ أكتب لك في سريري، ولا بد وأنك مستيقظة تذرعين بيتك الغزّاوي بكل الأصوات والحركات التي أدّعي أحيانًا بأنها تزعجني، وأفكر بأني أشتاق كثيرًا للحديث وللشجار معك، وبأن هذه الكارما الكريمة والحنونة جاءتني من حياة سابقة وتمثّلت أول ما تمثّلت في أنّك أنت من ولدتني.
صباح الخير أيتها "السيدة الجميلة" زينب
how many hours a day are we allowed to be anxious, out of focus, and in despair? how many days a month, months a year, are we allowed to collapse and fall without knowing the way up and forward again? how many years are we allowed to not know what we're doing? or not do what we are ought to be doing? or not do anything at all? when did my very old friend, staring at the ceiling while listening to music, become a stranger?
رسالة إلى الأصوات بداخلي
*نص كتبته ضمن تأملات ومراجعات جماعية لكتابات مترجمة للكاتبة الأمريكية المكسيكية غلوريا آنزالديوا، نشر مؤخرًا ضمن إصدارة كاتبات الخزانة عن اختيار
أنهيت للتو قراءة رسالة غلوريا أنزالديوا لنساء العالم الثالث عن الكتابة. قرأتها على الكمبيوتر أمامي ومررت على الجمل التي أعجبتني بالتظليل الأصفر. كالشمس النادرة اليوم، تجيء هذه الكلمات لتدفء جلدي الناشف في هذا البرد الزمهرير. البرد في الخارج وفي الداخل كذلك. أفكر بكم في الغرفة الباردة، هل تتسلل الشمس إليكم أيضًا؟ أشعر بالرغبة لأن أتكوّر تماماً بعد أن مسّتني الكلمات. معدتي تنكمش. لو كنت معكم في الغرفة، ربما كان الحديث المرتقب بعد القراءة والكتابة سيُشعرني ببعض الراحة، سيخفف من ثقل الأصوات بداخلي.
سأعترف بأني خفت كثيراً حين قرأت كيف تصف غلوريا “الخوف” و”المقاومة” و”فعل الكتابة”. خفت ليس لأنها لمست موضعاً حساساً بالنسبة لي، بل لأني منذ فترةٍ أكتب نصاً عن هذا الأمر بالتحديد. الصوت بداخلي الآن يخبرني بأنّ ما كتبته زائدٌ عن الحاجة، بأنني لن أقدم أي مزيد أو جديد.
الصوت يقول: “من أنت لتكتبي من وسع عن الخوف وغيرك قد كتب كثيراً؟ ليس ذلك فقط، هناك من كتب ذلك مسبقاً! وربما بشكلٍ أجمل، أوعى، أكثر تعقيداً، أكثر فلسفةً”.
الصوت يقول: “من أنت لتكتبي عن الحب؟ والكثير كتب قبلاً. كثيرٌ من الشعر كُتب عن الفقد، كثيرٌ من الشعر عن البدء من جديد، من سيعطيك منحةً لتنتجي كتابك الأول؟”
الصوت يقول: “لتكتبي عن حياتك، لا بد أن تكون حياتك مهمّة أولاً، لا بد أن تكوني ذات قيمةٍ أولاً”
العالم الذي نعيش فيه قاسٍ، يطالبنا بالخروج عن جلدنا لنكون ونُسمع. هذه الأصوات، أصواتنا الداخلية، لم تأت من لا شيء. الأصوات هذه أستطيع أن أمنحها أسماءً: أبي، أمي أحياناً، جاري الذي يسكن إحدى الطوابق فوقي، وصديقتي التي ترى ما أكتبه بسيطاً لا يرقى ليكون شعراً، وأصوات الكثيرين من الجلادين التي نسمعها بشكل أوضح كل يوم.
أقاوم هذه الأصوات بشراسة، حرب استنزافٍ يومية. أكتب في المطبخ وأنا أعدّ طعامي بنفسي، وأعود لأكرّر فعل المقاومة هذا كل يوم، أشد ذراعي من السرير صباحاً لأجل الكتابة. أتقهقر بعض الأيام، بعض الأشهر، هائنذا مشلولةٌ منذ أسابيع، عبدةً للـ”الإلهاءات” كما تسميها غلوريا.
أكتب عن حياتي، وأكتب مطولاً، ودون خجلٍ، لأنها ذات قيمةٍ لي على الأقل، ولأنني أرغب بالتواصل مع الأخريات والآخرين. لأنني أرغب أن يفهمني الآخر، وأرغبٌ في أن أسمّي الأوجاع والتفاصيل والألوان التي تغزوني وتحيط بي بأسمائها. تُدهشني الكلمات بداخلي، تُدهشني المشاعر التي تصيبني حين أشاهد فيلماً أو حين تلمع في ذهني فكرة، حين يتحوّلُ طعمُ أكلةٍ جديدةٍ إلى نظريةٍ عن الغربة. أشعر بيوفوريا أودّ مشاركتها، أود أن أهزّك من كتفك أنت الذي يقرؤني، أود أن أسألك هل أحسست مثلي بهذا السحر وأنت جالسةٌ على مقعد الحمّام تودعين الخراء بداخلك؟
أيتها الأصواتُ بداخلي، أكتب لكي أُحرجَك وأكشف على الملأ افتقارك للمعنى.
لأنّ حياتي ومحاولاتي تستحق أن تُعاش مجدداً عبر الكلمات.
لأني لا أعرف لوني تماماً، ولا امتيازاتي تماماً، ولا حرماني تماماً، لكني أعرف أنني موجودةٌ.
لأنّ الكتابة تساعدني على الفهم، ولأنها تستدعي كتابةً أخرى.
لأنّ الكلمات هي أمتع ما يُفاجئُني، لأنها أشجع من يتحداني ويسير عكس مُخطّطي.
لأنها تساعدني على لملمة أشلائي، على التماسك، أنا التي تمزقت وأعدت بنائي لغةً وهويةً في ست مدن وعدّة علاقاتٍ ووظائف وقراءاتٍ وشجاراتٍ ونجاحاتٍ وانهزاماتٍ وكتاباتٍ أيضاً، وحدها الكتابة حقاً من تساعدني على فهم اللهجات التي تتلعثم على لساني، وتساعدني من جديدٍ ومرةً بعد مرةٍ على التقاط الأصوات الجلّادة بداخلي -أنتم- والضحك عليها بصوتٍ مرتفع.
لم نكن نكذب حينما قلنا إننا نحب. لكن حبًا ليس كالآخر، أستطيع أن أزعم أن كل حب يختلف باختلاف المحبوب، واختلاف الزمن الذي يشهده، باختلافك أنت ساعتها، واختلاف قلبك وما يستطيع أن يقدمه.
أحببنا، نعم، لكن حبًا لشخص يجعلنا نشعر أن بإمكاننا التسامح مع العالم ليوم آخر يختلف عن حب لآخر يجعلنا لا نحتمل البقاء حوله أكثر من ساعتين.
والامتلاك؟
إنه موجود، هناك، يدفع الحب بدرجاته وأنواعه دفعًا، يلقيه خارج الإطار تارة، وينتصر الحب تارة أخرى. أستطيع أن أزعم أيضًا أن أقل لحظات شعوري بامتلاك أحدهم، كانت أكثر لحظات شعوري بالرضا عن حبي له. أستطيع أن أقول إن ما دام من الحب هو ما خرج الامتلاك من تجاويفه.
والآن؟
لا أشعر نحوك سوى بالغيظ لأنني لم أعد أحوزك بعد الآن.
الكلمة المستعصية على النطق
نشر النص في مجلة رمّان الثقافية بتاريخ 06 فبراير 2018
استيقظتْ أخيرًا بعد تكاسل ساعتين، على السرير الذي بات لها وحدها الآن، والملاءة الصفراء التي طالما تشرّبت بعرقهما. فتحت عينيها وتسارعت دقّات قلبها لبدء يومٍ جديد. عدّلت وضعية استلقائها، رفعت رجلاً فوق رجل، القدم اليمنى استقرت على الركبة اليسرى. من هنا، كانت ترى كل شيءٍ مرتين، مرةً أمامها ومرة في المرآة الكبيرة على الحائط مقابل السرير. في قدمها اليمنى خلخالٌ بسيط؛ خيطٌ واحدٌ لا رفيع ولا سميك من الفضّة الغامقة، ومربّعٌ صغيرٌ يتدلى بعبارة "امسك الخشب". في هدوءٍ استلقت تتابع دقّات قلبها، يدهشها دومًا كيف يفور الدم في عروقها لحظة أن تفتح عينيها. تقارنه بمولودٍ حديثٍ تأذنُ الحياة لرئتيه بالعمل فور خروجه من الرحم. وهي من رحم النوم، الموت المؤقت والأحلام، تخرج كلّ صباحٍ جاهزةً لأنفاسٍ جديدة. كعبُها هناك آخر الخلخال. كعبها المتعب من مشي الصيف الطويل في بلدٍ غريب. كعبها الذي أخبرها عشاقها السابقون جميعًا بأنه ناعمٌ كخدٍّ حنون، لم يعدْ من السفر الأخير سالمًا؛ خدوشُ الطريق، خشونة القلب، وثقل جسدٍ مُضنى بالجراح والأفكار. كانت ترى كل شيءٍ مرتين. وقف خلفها أمام هذه المرآة مراتٍ كثيرة. في أحيانٍ احتضنها. وفي أحيان، ترك قبلةً على بطنها أو علّق على نقصان وزنها أو اختال بجسده المشدود وصدره الواسع. وفي أحيانٍ، كانت ذراعاه على خصرها، يثبّت وقفتها، صدره المتعرق يبلّل ظهرها، يراقب وجهها، تموء وتتلوّى لما يفعله بها. يتعاقب عليها بتصميم، وهي تلفّ وجهها بكل ما تستطيع من مرونة لتخطف قبلة حيوان هائج. كانت ترى كل شيءٍ مرتين، لكنها تشكّ الآن في ما رأته. هل حدث ذلك أمام مرآةٍ أخرى؟ تتحسس الملاءة الصفراء. تستثيرها نسائم الخريف، هي التي قررت منذ مدّة التخلي عن الملابس الداخلية أثناء النوم. جسدها بحاجةٍ لأنفاس جديدة كل يوم أيضًا. تتحسّس الملاءة الصفراء وتضيق أنفاسها شيئًا فشيئًا. صور قبيحة ترسلها المرآة إليها الآن، تخطر على بالها كلمةٌ واحدةٌ لا أكثر ولا أقل، تفكّر فيها ولا تنطقها أو تكتبها. لأشهرٍ كان هذا أول ما تفكّر به كل صباح. تسأل نفسها عن الكلمة، وتستعجب لأنها لا تجد تعبيرًا آخر عنوانًا لحكايتها. الأصوات الساكنة في الرأس تتجادل. تتفلسف. تتقارع لتحلّل معنى الكلمة، درجاتها، إمكاناتها، ومدى مناسبتها أو مطابقتها لما حدث، لما تشعر به. لكنها وهي تلتقط أنفاسها الضيقة تدرك أنها على حق. مرت سنةٌ وخمسة أشهرٍ على تلك الليلة التي ضاجعته فيها بكلّ ما أوتيت من غضبٍ وحزنٍ وذهول، وعلى نفس الملاءة الصفراء. بكل ما حملته من غريزة الحيوان امتطته وتركت له جسدها ليمتطيها. عضّت شفتيه وغرزت أظافرها في جلده، صرخت حين ولجها. تلك الليلة، كانت تسعة أشهرٍ قد مرّت على وجودهما معًا. تركّز هي في التواريخ والذكريات، وفي الكلمات. تتمنى أحيانًا لو أنها لا تذكر، لو أنها حقًا تنسى أعياد الميلاد وتواريخ المحادثات والزيارات والقبلات المسروقة والمواجهات البائسة؛ تحملها حجرًا ثقيلًا على صدرها. تتمنى حقًا لو أنها تفقدُ تلك الكلمات التي صادفتها يومًا. كلماتٌ كثيرة، كلماتٌ يومية، كلماتٌ بخط اليد، كلماتٌ من نرجسيةٍ صافية تروي تفاصيل خدعة كبيرة. الكلمات تصنع جملًا، والجمل تنحفر على عدستي عينها، وتحملها كحائط صدّ ضد كل محاولات النسيان. كان هو يذكر أيضًا. كان يذكر ما يريد، ولا يحتفظ بالذكرى لنفسه. كان يذكر، ويفرض الذكرى عليها. يعيدها مربعاتٍ إلى الوراء. عليها أن تذكر. عليها أن تظلّ هنا أمام مرآتي المفضّلة ريثما أخرج في رحلات صيدي الطويلة ثم أعود نظيفًا كأن ما جرى شيء. تسترجع تلك الليلة بوضوح في ذاكرتها الآمنة الآن، لم يعد هناك ليُقحم ذكراه عليها. تلك الليلة، كانت تسعة أشهرٍ مرّت على وجودهما معًا. كان يَلجها وكانت تذوب في الذكرى كحضنٍ أخير قبل وداع مهاجرٍ لن يعود. كان يَلجها، وكانت تكرّ الأيام في رأسها. كرّت المرّات الساحرات، الرسائل والهدايا، تجاربها لقمصان النوم الخليعة، زوايا البيت جميعها التي عرفت رائحة الشهوة بينهما. كان يَلجها وكانت تدمع إلى أن انتهى داخلها. كانت تحبّه، تفكّر اليوم وهي تتحسس تلك الملاءة. كانت تحبّه، وكان يصيبها بالذهول مرّةً بعد مرّةً. كانت تحبّه فتكلّمت بهدوءٍ مدروس. كتبت ما ستقوله في اليومين السابقين. تمرّنت أمام المرآة طويلاً لكي لا تضلّ الطريق. كان مرتاحاً بعد لهاثٍ على الوسادة. الضوء أصفر خافت، رأسها بمحاذاة رأسه، عيناها تحدقان فيه، يدها ترتاح على بطنه الحبيب، وقطرات العرق تنحدر منهما، بنفس البطء، على الأصفر الممتد تحتهما. كانت تحبّه فتكلمت بحذر، وكان شاخصًا ومذنبًا فاعتذر. لم تنطق الكلمة حينها. سمّت ما حدث كلّ اسمٍ ممكن عدا تلك الكلمة. أبقتها بعيدةً عن لسانها، قلبها، دموعها، وسريرها، لتبقى هي ويبقى هو. كانت كلمةً واحدةً فقط، لكنها أدركت أن النطق بها سيغير كلّ شيء فصمتت. تلقّت اعتذاره بالدموع. تلقت وعده بالأمل. تلقت قبلاته وولوجه مرّةً أخرى بالسماح. كانت تحبّه فصدقت بالحب أكثر مما صدّقت نفسها. صمتت. صمتت هي وحاولت معه من جديد. وصمت هو ليحتفظ بصورتهما أمام المرآة أطول وقتٍ ممكن. صمت عن الكلمات المكتوبة فقط. لم يكترث حقًا، كما لم تكترث هي، لقلبها. ولمراتٍ ومراتٍ بعدها، ظلّ يغادر ويعود، ويغادر ويعود، مورّمًا شفتيه بشفتيها، معريًا صدره الواسع المكتنز بالأكاذيب. الشمس تستوي في السماء خارج نافذتها، والريحانة تطلّ من نفس النافذة عليها، تطلب الماء والعناية، وهي ما تزال تحدّق في المرآة. تنظر للخلخال. تتبع الظاهر من جلدها. القدمان فالساقان فالفخذان. تتخيل الباقي تحت قميص النوم البنفسجي حتى رأس صدرها. وحدها في السرير هذه المرّة. على نفس الملاءة، امرأةٌ أخرى الآن، دون دموع ودون خوف ودون صمت. تتنفس فقط وتفكّر. مرت سنةٌ وخمسة أشهرٍ على تلك الليلة، ومرت الليالي ليلةً ليلةً على كل ما تلاها. هي الآن بعيدة، تتمدّد في الصباح، وتكتب قصّتها دون حذر. تشعر بالصّدق يملؤها، والتصديق بقلبها شفاؤها. تكتب قصتها باختصار. لا تحتاج لدلائل أو براهين وقلبها موجود. لا تحتاج للإقناع لتحكي ما عاشته. لن تكفي أية تفاصيل لشرح ما حدث. تكتب قصّتها بهدوءٍ ورضا. تسميها "خيانة". وتدرك أنها تصنع النهاية اللائقة بكلّ ما حملته من حبّ وكلّ ما أضاعه من أمل.
ذبابة في السماء
حبيبتي سمر أنهيت لتوي، على طائرة عائدة من ميونخ، سيرة الشاعر تشارلز سيميك "ذبابة في الحساء". نقلتها إلى العربية الشاعرة المصرية الأقرب لقلبي إيمان مرسال. كنت بدأت بالاعتقاد أن هذه السيرة لن تنتهي وأنني لن أقرأ كتابًا آخر هذه السنة. بدأته في بداية فبراير الماضي، حين كانت أمي تزورني في القاهرة، كان وقتًا صعبًا -وما زال-، ولم أتمكن من هجر الكتاب لفرط جماله ولم أتمكن من إكماله قبل هذه اللحظة لفرط تشتتي. على الطائرة اليوم وأنا أقترب من النهاية كان قلبي يذوب، لقد أصبح الكتاب مثل حبيب غائب لا أعرف متى يفاجئني بنفحة حب، والمفاجآت اليوم كانت كثيرة. يتسارع جمال الوصف والتعبير والشعر مع اقترابك من الغلاف، تودين الالتفات للخلف والعودة مرة ثانية، إلى حضن الحب والشعر حتى وإن كان الحبيب غامضًا والشعر عزيزًا. أعلّم تحت بعض السطور، أود أن آخذها معي أينما أكون. أتأمل فيه، في كل قراءاته، في كل اقتباساته من الشعر والتاريخ والفلسفة، تصيبني نشوة، لا، نشوات متتالية، أفكر بأني أريد أن أقرأ هكذا وأن أفهم الدنيا هكذا وأن أكتب شعري وسيرتي يومًا ما هكذا. تصيبني رغبة عارمة بتحطيم الموبايل والانكفاء داخل العزلة. عالمنا معقد جدًا، مُربكٌ جدًا، وأنا في لحظةٍ حرجةٍ تمامًا من تاريخي الشخصي وسط تاريخ قبيح يكتب ويزوّر لهذا العصر. تجاوزت أيام الدراسة والعشرينات من عمري، لكنني بعيدة عن الستينات التي ربما أجلس أثناءها على شرفة وأقرؤ أو أكتب دون خوف. هل سأتخلص يومًا من خوفي يا سمر؟ هل سيزورني الحماس والشغف من جديد ولمدة أطول قليلًا أتمكن معها من تحقيق شيء؟ هل سأكتشف معنى الإيمان يومًا؟ أنا مليئة بالأحلام يا سمر، تتبعها اختناقات صغيرةٌ في عمق صدري لما أدركه من تاريخي المشؤوم في الإفلات بالحلم. سأهبط الآن. اقرأي "ذبابة في الحساء". سأشتري لك نسخة، قد تكفينا نشوة قراءة مثل هذه الكتب في هذه النسخة من الحياة. صديقتك المرهقة والبعيدة معظم الوقت
لأول مرة من وقت طويل عم بقطع بفترة بلاقي فيها صعوبة حقيقية بالتعبير عن مشاعري. مش عارفة أطلّع غضبي، مش عارفة أفرق بين شو بيبسطني وشو بيحزني، مش عارفة أضحك وإذا ضحكت بيحصل الموضوع على غفلة زي كبسة الشتاء. مش عارفة أكتب أو أقرأ، مش عارفة أحب الناس اللي بحبهم منيح ومش عارفة أبعد عن الأذى منيح. مش عارفة حتى أزعل من الناس اللي عم بيزعلوني، ومش عارفة أقول للي خذلوني إنهم خذلوني. عم بنسى كتير، أسماء ووجوه ومواعيد وأماكن. الأعراض كلها بتنبئ بمرحلة انتقالية وتغيير شديد في نظام الحياة والتفكير والأهواء ومعرفة النفس ومعرفة الناس، وبتعلمني كتير عن الصبر لإني يبدو إني أخيرًا عم بفهم إني ما بقدر أتحكم بأي شيء حولي مش طالع مني، ويا دوب أعرف أزبط شوي من اللي بيحصل جواتي. روحي عم تفرفط، وجسمي عم بيفرفط، وبقول: صبرًا جميلًا. وكل ما أنسى اسم أو وجه أو معلومة أو موعد بقول يمكن عم بيوسعوا مكان جديد ونظيف لأسماء ووجوه ومعلومات ومواعيد جديدة. كل ما انحسر الشغف في قلبي تجاه أشخاص أو أفعال عزيزة، بقول ربما هاد الوقت مخصص للملل واللا شغف حتى يغمّض قلبي ويرجع يتفتح على شغف ونشاط وأمل جديد. بقول يمكن هاد هو الممارسة الفعلية لفكرة "عدم التشبث" بأي شيء. ما زلت بحب نور الصبح والكتابة والطبخ واليوغا والرقص حتى لو عندي بلوك حقير، وكل اللي بتمناه إني ما أفقد هاد الحب حتى لو حيوسع لحب جديد.
A short poem about Yoga
yoga comes to you on its own pace and with yoga comes breathing. comes flexibility. comes listening. comes seeing. comes bone. comes muscle. comes calm. comes the ability to live and let live. comes non-judgement. comes humility. comes acceptance. comes letting go. comes freedom from attachment. Yoga wins and with yoga comes love.
تمنحك قصة الحب المثالية كل شئ، إلا الحكمة، تُمنح الحكمة للخاسرين، للبحث عن أسباب خسارتهم، لقضاء العمر في تبرير الهزيمة، ,لم يرى أحد حكيمًا منتصرًا، فالحكمة انتصار لا يحدث إلا في اللغة، فاكهة الذهن الشهية، جمالياتها جماليات الفقر، الحياة الضائقة لكن الأصيلة، والتعب المضني المكلل براحة حقيقية في نهاية اليوم، الجماليات التي لا يختارها أحد، ولا يدخر أحد جهدًا للهروب منها، لكن الجميع سيتفق أنها بالتأكيد حياة أغنى من حياة الثراء البليدة، التي يتمنونها جميعًا، ولسبب ما، يعتبر الناس الحب الخائب هو الحب، والمحبون الخائبون حكماء يجب تصديقهم، لخيبتهم نفسها، الحب الناجح كالثراء السريع، أمر لا تبرير له، أشبه بالجريمة، وتحوم حوله شبهات الغش والرشوة والوساطة، أمر كان يجب له ألا يحدث ليحتفظ بمصداقيته، ولهذا تلتمس الحكمة عند الخائبين، لتمرير عمق خيبتهم إلى خائبين جدد، حتى إذا تمكن أحدهم من مغافلة الجميع، لاحقته النظرات الغاضبة، كما تلاحق الخونة
تدوينة عن الارتباك والقبول: أم وبنت وبينهما معبر رفح*
عدت لبيتي بعد أن أوصلتها إلى المحطة الأولى في طريق عودتها لبيتها. كلتانا تحبان صُنع البيوت، كلتانا تحتفظان بأصغر الأشياء، تقتنيان الشمع، تأكلان ما أعشب في الأرض، كلتانا تحبان الحياة، بل تقاتلان من أجل الحياة.
لا نحب هذا الوداع، فبيتها الصغير كبيتي، ليس في الشارع المقابل، ولا في الحي المجاور، ولا حتى في المدينة الصغيرة على بعد ساعتين أو ثلاث. بيتها هناك، حيث ينصبّ ظلم العالم كله على الحدود وما وراءها بلا هوادة. بيت أمي هناك، في الطابق الخامس من إحدى بنايات شارع اللبابيدي في غزة.
قبلها بعدّة ساعات، كنت تحت الماء الساخن أتأمل بصمت زجاجات الشامبو المصطفة على طرف الحوض. لملمنا كل الأشياء وضغطنا الحقائب لتسع أغراضها القديمة والجديدة. لم يتبق سوى زجاجات شامبو الأطفال الذي تستخدمه؛ لن تأخذها معها. فكرت بأن ذلك أفضل، سأذكر أمي في الأيام القادمة كلما فاحت رائحة الصابون.
وَصلَتْ أمي القاهرة منذ شهر وسبعة أيام، بعد سنتين من الغياب. أربعين ساعةً قضتها بين الانتظار في الباص والنوم على أرض المعبر المصري والتقدم البطيء في الصحراء والتعطّل المتكرر على الحواجز وعبور النيل نحو المدينة المزدحمة البعيدة زمنًا وعذابًا (لا مسافةً)، حيث أسكن أنا، ابنتها. ومنذ يومين، جاءنا الخبر العشوائي دومًا بفتح المعبر، ومعه بدأت طقوس الوداع على عجل.
ليس للفلسطيني العابر من غزة إلى مصر اختيار متى يسافر ولا متى يصل ولا متى يودع أو يعود، مصيره معلّقٌ دائمًا في الهواء. ليسافر عليه تسجيل اسمه ضمن قوائم انتظار طويلة، وترقب دوره، والصلاة للحظة انفراج ما يُفتح فيها المعبر. وعندها فقط، وإذا كان محظوظًا فأتى دوره وكان اسمه ضمن القوائم الموافَق على مرورها من قبل الجهة المصرية، واستوفى جميع المتطلبات وأدى فروضًا باهظة الثمن في أحيان كثيرة، تبدأ رحلته الشاقة؛ يبدأ بالدعاء بأن تكون الرحلة أقل قسوة من توقعاته والأخبار التي يسمعها عن الطريق، وألا يضطر للوقوف لساعات على حاجز «الريسة» في العريش وغيرها من الحواجز، وألا تضيع أشياؤه وأوراقه وتتبعثر في كل مكان نتيجة التفتيش العبثي المتكرر. وأخيرًا، وبعد ساعات طوال، يصل المسافر إلى القاهرة أو إلى طائرة ستأخذه إلى عمل أو علاج أو زيارة مؤجلة للأحبة. وحين يريد العودة، لانقضاء حاجته من السفر أو لاضطرار ما، يبدأ الفلسطيني من جديد حالة الانتظار والترقب والأمل بأن يفتح المعبر. وحين يُفتح أخيرًا، يصلّي هذا المسافر التعس، هو وأحباؤه على الجانبين، أن يصل غزة حيًا سليمًا يُرزق.
تقطع خلوتي حين تحدّثني من وراء ستارة الحمام. أبتسم قبل الإجابة على أحد أسئلتها الكثيرة وغير الضرورية في الكثير من الأحيان. لا تزال بيننا تفاصيل حيّة من علاقة أم بابنتها، لا تزال رائحة عيشنا المشترك القديم قادرة على الانبعاث بين الفينة والأخرى، لكن ذلك لا يشفي ما فقدناه في سنوات البعد الطويلة منذ انتقلت للعيش خارج غزة، وتحديدًا في السنتين الماضيتين، حين لم نتمكن من اللقاء بسبب إغلاق المعبر لفترات طويلة، وصعوبة الطريق، وضياع فرص الخروج النادرة، وارتباطي بالعمل حيث لا يمكنني أن أخاطر بالسفر والغياب لأشهر حتى يُفتح المعبر فأخرج من جديد.
في البُعد، نكون امرأتين مستقلتين في بيتين منفصلين. تختفي موازين القوى وعلامات التاريخ. تعيش كل واحدةٍ في عالمها الخاص، تغوص في تفاصيل عملها، تنسج علاقاتها، تحتفي بنجاحها وتراجع مواضع فشلها، تبني أفكارها ونظرياتها عن العالم والنسوية والمجتمع، وتهتم بقلبها. وفي المساء، ترسل كلٌ منا صورة أو رسالةً قصيرة تطمئن بها على الأخرى في الجهة المقابلة.
في اللقاء، المفاجئ طبعًا بسبب ظروف المعبر، تنكشف مساحة الاختلاف، وينمو الارتباك في محاولة استعادة مؤقتة وغير محددة المهلة لما نذكره عن العيش المشترك والطابع الحسي للأمومة والبنوّة. ندور حول البيت وحول بعضنا البعض بحركاتٍ سريعة متخبطة كلعبة الكراسي الموسيقية، بانتظار صافرة النهاية لتجلس إحدانا وترتاح.
إن تجودي فصليني أسوة بالعاشقين،
أو تضنّي فاندبيني في ظلال الياسمين
منذ رجعت إلى البيت وأنا أدندن الأغنية، مستعيدة الساعات القليلة السابقة. صباح السفر تركتني أمي أوضّب حقيبتها، في اعتراف ضمني بمهارتي المتراكمة عبر سنوات من السفر والارتحال بين المدن والبيوت. جلست هي على الكنبة تكمل الصفحات المئة الأخيرة من رواية واسيني الأعرج الضخمة التي اشترتها من معرض الكتاب، وجلستُ بجانبها أرد على بعض الرسائل. حدّثتها لأول مرة منذ أتت عن نيتي في الكتابة أكثر. راجعنا خطوات اليوم حتى لا ننسى شيئًا، ثم طلبنا السمك المشوي، وأثناء انتظار وصوله استمعنا لصباح فخري يغني. ضحكنا كما كنا نفعل منذ طفولتي على فيديو له وهو يرقص في منتصف الأغنية، ثم بدأنا بالرقص معه. رقصنا سويةً لأول مرة منذ حضرت في احتفاء مكتوم؛ مهارتنا في الرقص لم تتأثر بالبعد إذن. الرقص أيضًا لا يزال يجمعنا.
الشهر المشترك لم يكن سهلًا. في كل مرة نفترق تبعد المسافة أضعافًا، نكبر في البعد أكثر. وهذه المرة كانت الأصعب بعد سنتين من الغياب. أمي كبرت، وأنا كبرت أيضًا. خذ امرأتين قويتين تعيشان بمفردهما، واحدةً في الستين والأخرى في الثلاثين، ضعهما في بيتٍ من غرفةٍ واحدة، بشكلٍ مفاجئ ودون مدة محددة، وانظر ما سيحدث.
في البدء اختبرنا مجموعة من المشاحنات اليومية المكثفة. كنت – ولا أزال – أستغرب من بعض ما تقوله أو تصنعه أمي، من هذه المرأة الستينية في مطبخي؟ في غرفتي؟ أمام مرآتي؟ متى أصبحت تحب المربّى بهذا القدر؟ بلا شك استغربتني هي أيضًا، وإن لم تعبر عن ذلك بوضوح، فمتى أصبحتُ أكره نور النيون لهذه الدرجة؟ لماذا لا أحب المربّى؟ تنازعتني نفسي بين الاختناق من الضيق المفاجئ في المساحة الشخصية وبين طاقة الحب والحنان التي أضاءت قلبي. ولم أنفك عن التعجب والإعجاب والاستفزاز في آن واحد من كم التشابه بيننا.
لقاؤنا بعد غياب أشبه بعملية استعادة جزئية بعد فقد، يتخللها بالضرورة بعض الحداد. في المسافة لا ندرك بالضبط ما الذي فقدناه، المحادثات الهاتفية والصور والرسائل القصيرة لا تكشف المتسرب من الأوصال. يخدعنا التواصل الإلكتروني، أما اللقاء فيعرينا ويعري كل ما جرّبنا، بوعي أو دون وعي، أن نخفيه عن الآخر.
تمضي الأيام الأولى مع أمي في حالة حداد، إنكار وغضب ونشوة وفرح مفاجئ يليه حزن وتخبط. لكن مع الوقت – إن حالفنا بعض الحظ – نستعيد بعض الهدوء وننتقل ببطء لحالة القبول: قبول الفقد، قبول تقدّم العمر، قبول الاختلاف، قبول الطريقة الجديدة في العيش، قبول القرب الشديد والشفافية، مع الهشاشة التي تصاحبه، وقبول علاقة الأم والابنة من جديد. يغدو هنا الحديث أكثر انسيابية، ويصبح العيش المشترك أقل ضغطًا، والطبخ المشترك أكثر متعةً. شيئًا فشيئًا، تبدأ كل واحدة برسم منطقتها وفهم منطقة الأخرى، نبدأ بإعادة الاكتشاف.
إلا أن الوقت دائمًا ما ينتهي قبل أن نصل إلى نقطة «العادية»؛ تعلن السلطات المصرية فجأةً عن فتح المعبر، ويحدث هذا دومًا قبل أن نعتاد تمامًا على الترتيب الجديد، أو المستعاد، بلحظة واحدة. تنتهي حالة الاحتفال والحداد والتعوّد، تختفي الأيام الماضية ويختبئ القلق من الأيام القادمة ولا يتبقى لدينا سوى يوم أخير. امرأتان، صديقتان، أم وابنة، وبضعة ساعات لاكتناز الحب والرقص والأكل والموسيقى والأحاديث وحزم الحقائب.
فجر البارحة، قطعت أمي الصحراء الخطِرة من جديد لتعود إلى منزلها في غزة. ستغرق من جديد في روتينها وعملها الذي ستتمسك به حتى آخر لحظة من عمرها، فهي لا تعرف الجلوس دون حركة أو إنتاج. وأنا بدوري، عدت إلى منزلي في المدينة القاهرة، وسأغرق مثلها في تفاصيل عملي وحياتي، صداقاتي والازدحام وأحلام السفر وغلاء الأسعار. منذ سنوات، عندما اختارت كلّ منا مدينتها، كنا نعتقد أننا على بُعد «سفرٍ» فقط، كنا نعتقد أن غزّة والقاهرة هما أقرب نقطتين لخطّ موصولٍ بيننا. لم نكن نعلم ما ينتظرنا من مسافات مضاعفة وتعقيدات سياسية وطوابير انتظار وتنسيقات ومخاطر طريق.
اليوم هو الثامن من مارس. أفكر أن المعبر انفتح في وقت مناسب لتستيقظ أمي في بيتها وتشارك في احتفالات وأنشطة يوم المرأة العالمي كما تفعل كل سنة. بعد شهر منقطع عن العمل أتخيل صوتها الذي تربيتُ عليه، يصدح في الندوات والاجتماعات والشجارات والحملات المدافعة عن حقوق النساء.
أما أنا، فاستيقظت اليوم وحدي دون صوتها وحركتها، أعددت الفطور الذي أحبه، وغيّرت ملاءات السرير، وجلست أكتب هذا النص، تتنازعني نفسي بين ثقل الصمت والوحدة، وبين الاستقلال بمساحتي الشخصية من جديد، وبين انتظار اللقاء
القادم بكل ما يحمله من شوق وحب وفقد ومواجهة وحداد وإعادة اكتشاف.
نشرت هذه التدوينة على موقع مدى مصر بتاريخ ٨ مارس ٢٠١٧
هائنذا أشاهدنا، كتلة من الجمال والشبق والأحاديث الحميمة المسترسلة، نتفتت شيئاً فشيئاً بفعل البرودة، تُمحى صورنا واحدةً تلو أخرى بفعل المسافة، تتسلل الأيام التي جمعتنا وتلك التي فرّقتنا إلى صحراء خاوية، أشاهدنا من على طاولة مطبخي، أثناء تفاصيل يومي وفي محادثاتنا العابرة المرتبكة، نذوي ونتحول إلى شيء بائس غير محدّد الملامح
لمن يظنّ أن الحب خالٍ من الأنانية
"الحب في جزء كبير منه أناني أو ذاتي بمعنى أدق وفي جزء كبير منه عطاء، لما واحد يكون بيصطفي لنفسه حب من حد تاني وبيمنح نفسه الحق إنه يدوب بهالحب وينتظر منه راحة وأمان وبناء ما، ما بيعمل هيك وبس، بيعمل هيك مع الشخص اللي حاسس إنه حينفع معاه هالشي. والأمر فيه حسابات ذاتية جدا، سواء في البدء أو في الانتهاء. وفي جزء من الذاتية هاي ممكن يكمل لما بعد العلاقة. وفي نفس الوقت التعلق شيء جميل جميل جميل، بس موجع جداً، وعميق ضارب في جذور الروح. إنك تخزن ذكريات مع حد، تقطرها وتحفظها وتكبرها وترجعلها حضن ودفا وفهم وارتياح. وفي الافتكاك من التعلق في طلوع روح من جسد، في وداع وفي احتمالات صعبة، في إعلان بإن الذكريات هاي مش حتكون الأهم، والحب هاد احتمال ميكونش الأهم، والحضن هاد مش حيكون الحضن. وإنك حتطلع من بعيد، من الضفة التانية لنهر العلاقة وتقول ياه وتبتسم بس تكمل في حياتك واختياراتك الجديدة." مقاطع من رسالة كتبتها يوماً ما ولم ترسل ٦ ديسمبر ٢٠١٦
الضحكات التي أهدرناها في محاولات فاشلة للاندماج وسط مجموعات غريبة
الضجيج الذي نصنعه لإلهائنا عن ما لا يمكن الهرب منه، كمن يضع أصابعه في أذنيه اتقاءً لقذيفة تلقى عليه
والحب الذي طالما افتخرنا به كتجربة جميلة وإلم تكتمل، مثلما يفتخر متعارك بندوب معركة لم يحرك فيها حتى يديه
والكلام الجميل، الذي أفلت منا في لحظات خاطئة، ونحن نعلم عدم جدواه، كمن يفشي خطته لعدوه
وحماساتنا المبالغ فيها، لقضايا خاسرة، لا نستطيع التراجع عنها لاعتداد بأنفسنا يجبرنا على المضي كمهزمين أوفياء
وهشاشاتنا التي استعرضناها، أمام الناس، كلوحات فنية، برعونة من لا يملك شيئًأ ليخسره، ودون أن يفطن أحد لما أردنا قوله
وكل أخطائنا الأصيلة، التي استعضنا بها عن هويات لم نستطع التأقلم معها، وأحلام لم نقدر على بلوغها، فدافعنا عنها كما يدافع المرء عن أبنائه المشاغبين