((أن امرأة من خثعم استفتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع [يوم النحر]، والفضل بن عباس رديف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، [وكان الفضل رجلاً وضيئاً .... فوقف النبي - صلى الله عليه وسلم - للناس يفتيهم] الحديث، وفيه: (فأخذ الفضل بن عباس يلتفت إليها، وكانت امرأة حسناء، (وفي رواية: وضيئة)، (وفي رواية: فطفق الفضل ينظر إليها، وأعجبه حسنها)، [وتنظر إليه]، فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذقن الفضل، فحوَّل وجهه من الشق الآخر) رواه البخاري ومسلم.
وفي رواية لأحمد من حديث الفضل نفسه:
(فكنت أنظر إليها، فنظر إليَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلب وجهي عن وجهها، ثم أعدت النظر فقلب وجهي عن وجهها، حتى فعل ذلك ثلاثا وأنا لا أنتهي)
وروى هذه القصة علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، وذكر أن الإستفتاء كان عند المنحر بعدما رمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجمرة، وزاد: فقال له العباس: يا رسول الله! لِم لويت عنق ابن عمك؟ قال «رأيت شاباً وشابةً فلم آمن الشيطان عليهما» رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، ورواه أحمد والضياء في المختارة وإسناده جيد.
(ولو كان الوجه عورة يلزم ستره لما أقرها على كشفه بحضرة الناس، ولأمرها أن تسبل عليه من فوق، ولو كان وجهها مغطى ما عرف ابن عباس أحسناء هي أم شوهاء).
(في الحديث الأمر بغض البصر خشية الفتنة، ومقتضاه أنه إذا أُمنت الفتنة عليه لم يمتنع. قال: ويؤيده أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يحول وجه الفضل حتى أدمن النظر إليها لإعجابه بها، فخشي الفتنة عليه. وفيه مغالبة طباع البشر لابن آدم، وضعفه عما ركب فيه من الميل إلى النساء والإعجاب بهن. وفيه دليل على ان نساء المؤمنين ليس عليهن من الحجاب ما يلزم أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -، إذ لو لزم ذلك جميع النساء لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - الخثعمية بالاستتار، ولما صرف وجه الفضل. قال: وفيه دليل على أن ستر المرأة وجهها ليس فرضاً، لإجماعهم على أن للمرأة أن تبدي وجهها في الصلاة، ولو رآه الغرباء).
الحديث الوارد في صحيح البخاري و مسلم، اشتهر بحديث الخثعمية.
وله عدة فوائد نستقيها منه، ولعل أهم ذلك:
أن وجه المرأة ليس بعورة، حتى وإن كانت جميلة فاتنة، على عكس ما يردده الكثير بوجوب تغطيتها وجهها إن كانت جميلة فاتنة!
فهاهو رسول الله "وليس أحد يزعم أنه أشد تقوى وحرص وغيرة على الشرع ومحارم الله منه عليه الصلاة والسلام" لم يأمر الخثعمية بتغطية وجهها، و إننا صرف وجه ابن عمه عنها..
وهو لم يصرف وجه ابن عمه منذ البداية، وإننا لما لاحظ شدة انتباه وتعلق نظر ابن عمه بوجهها وإعجابه بها، عند ذلك خاف عليه وأن يتعلق قلبه بها.
وعلى ذلك ما يردده البعض من عبارة "إن أمنت الفتنة" عند إجازتهم كشف الوجه، هي "بدعة" و "تنطع" ما قال به الرسول.. فليس من المنطق الديني ولا الشرعي أن أضيّق على شخص "وهنا هو المرأة" لأنها "جميلة" و لأريح الطرف الآخر "وهو هنا الرجل" من عناء تطبيق الشرع "وهو هنا الغض من البصر".
كما أن "الجمال" أمر نسبي" فما يراه زيد من الناس أمر فاتنا جميلا، ليس بالضرورة أن يراه عبيد من الناس كذلك!
والعلة "كما في أصول الفقه" التي يقوم عليها أمر شرعي، لابد أن تكون منضبطة، ولا تترك لأهواء الناس.
والبعض وجد له حججا لنفي هذه الفائدة المستقاة من الحديث "جواز كشف المرأة وجهها حتى وإن كانت جميلة فاتنة"، فتحججوا بعدد من الحجج الواهية، نذكر أهمها مع الرد عليها:
١/ أن هذا الأمر ورد في بداية البعثة وبعد الهجرة وقبل نزول اية الجلباب وآية الإدناء.
فنقول لهم: آيات ماتسمونه "حجاب" ونسميه "الجلباب والإدناء" نزلت في السنوات الأولى بعد الهجرة، بينما هذا الحديث كان في حجة الوداع التي حجها النبي قبل وفاته، والتي نزل بعدها بهنيهة قصيرة "اليوم أكملت لكم دينكم"
٢/ الحجة الثانية هي أن الخثعمية كانت محرمة، لذا كانت سافرة عن وجهها ولم يأمرها النبي بتغطيته.
وهنا نتسائل: هل نسوا أنهم يفتون للمرأة المحرمة أن إحرامها في وجهها بأن تكشفه فإن كانت جميلة وخشيت الفتنة فتغطيه!!!
أيضا نتسائل: إذا كان الوجه كما يقولون "عورة"، فهل أداء العبادات "الحج" يجيز كشف العورة!!
وبعيدا عن هذا كله: فنص الحديث واضح أن هذا الموقف في الحديث كان يوم النحر بعد أن انصرف النبي و المسلمين من النحر وأدوا التحلل الأول. أي لم يكونوا محرمين.
أحاديث أخرى تثبت أن وجوه النساء كانت مكشوفة في العهد النبي، و برضا النبي نفسه وفي حضوره:
١/ عن سهل بن سعد - رضي الله عنه: ((أن امرأةً جاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[وهو في المسجد]، فقالت يا رسول الله! جئت لأهب لك نفسي، [فصمت، فلقد رأيتها قائمةً ملياً، أو قال: هويناً، فنظر إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فصعَّد النظر إليها وصوَّبه، ثم طأطأ رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقصد فيها شيئاً جلست) الحديث رواه البخاري ومسلم.
٢/عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كنَّ نساءُ المؤمنات يَشْهَدْنَ مع النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة الفجر متلفعات بمروطهن، ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يُعرفن من الغلس) رواه البخاري ومسلم.
"ووجه الإستدلال بها هو قولها: (لا يُعرفن من الغلس)، فإن مفهومه أنه لولا الغلس لعُرفن، وإنما يُعرفن عادةً من وجوههن وهي مكشوفة، فثبت المطلوب. وقد ذكر معنى هذا الشوكاني عن الباجي، ثم وَجدتُ رواية صريحة في ذلك بلفظ: (وما يَعرفُ بعضُنا وجوهَ بعض) رواه أبو يعلى في مسنده بسند صحيح عنها"
*مستفاد كتاب الألباني "جلباب المرأة المسلمة"
٣/عن ُسبَيْعَةَ بنت الحارث: ((أنها كانت تحت سعد بن خولة، فتوفي عنها في حجة الوداع، وكان بدرياً، فوضعت حملها قبل أن ينقضي أربعة أشهر وعشر من وفاته، فلقيها أبو السنابل بن بعكك حين تعلَّت من نفاسها، وقد اكتحلت [واختضبت وتهيأت]، فقال لها: اربعي ـ أي ارفقي ـ على نفسك ـ أو نحو هذا ـ] لعلَّك تريدين النكاح؟ إنها أربعة أشهر وعشر من وفاة زوجك، قالت: فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فذكرت له ما قال أبو السنابل بن بعكك، فقال: قد حللت حين وضعت) رواه أحمد من طريقين عنها أحدهما صحيح والآخر حسن وأصله في الصحيحين.
وفي الحديث السابق فوائد كثيرة في بابنا، لعل أهما جواز الاختلاط مع كون المرأة كاشفة متزينة، فهاهي الصحابية سبيعة تخالط "بوجهها و زينتها" الصحابي أبو السنابل، ولم يحرّج عليها رسول الله في ذلك أو يلمها.
مع ملاحظة أن الخضاب في الزمن السابق يعادل الماكياج والصبغات الموجودة في زمننا، فكلهم يعتبر من زينة المرأة و تزينها.
- في كل ماسبق "وغيره كثير في كتب السنة الصحيحة" يتضح أن الرسول تعامل مع أوضاع كانت فيها النساء كاشفات عن وجوههن و كن جميلات فاتنات، وبعضهن كن بزينتهن، فلم يأمر واحدة منهن بتغطية وجهها، لأنه عليه السلام يعلم أنه ليس بعورة، وأن الأولى هو المطالبة بما أمره الله في كتابه بشكل صريح "الغض من البصر".
- وقد يقول البعض: لانختلف في أن وجه المرأة ليس بعورة، لكن ما دخل هذا بشعر المرأة؟؟
وهنا أقول له: وأين الشاهد أنه أمر بتغطية الشعر!! لايوجد أبدا أي أمر الهي ولا نبوي صريح بذلك.
فهو إذن من المسكوت عنه، وكل المسكوت عنه يدخل في باب الجواز، حيث القاعدة الفقهية "لاعبادة إلا بنص" فإذا عدم النص الصحيح الصريح فلا تشريع إذن.
- وقد يحتج بعضهم بحديث ينسب للنبي، في بعض كتب الحديث "عن عائشة رضي الله عنها: أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله ﷺ وعليها ثياب رقاق؛ فأعرض عنها رسول الله ﷺ وقال لها: يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض، لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا، وأشار لوجهه وكفيه"
وهنا نرد عليه بقولنا: إن هذا الحديث في عرف أهل الحديث يسمى "مرسل" والمرسل هو أحد أنواع الحديث الضعيفة
فراوي الحديث عن عائشة "في كل أسانيد الحديث المعروفة" هو "خالد بن دريك" ، و خالد هذا لم يلتقي أبدا بالسيدة عائشة حيث عاش في غير زمنها، فكيف يعقل أن يروي عنها!!!!
و قد رد هذا الحديث كثير من اهل العلم، وهذه فتوى العالم ابن باز فيه:
"هذا الحديث لا يصح عن النبي ﷺ، وأنه ضعيف جدًا من جوه كثيرة، وأن الواجب على من يذكره في أي كتاب أن يبين ضعفه، وأنه لا يصلح أن يحتج به؛ لأن في سنده انقطاعًا وضعفًا يوجب عدم الاحتجاج به، وعدم الاعتماد عليه، فهو من رواية خالد بن دريك عن عائشة ، ولم يسمع منها؛ فهو منقطع، والمنقطع عند أهل العلم لا يحتج به، يسمى ضعيفًا، وفي إسناده رجل ضعيف يقال له: سعيد بن بشير لا يحتج به أيضًا، وفي إسناده قتادة عن خالد، وهو مدلس وقد عنعن، هذه ثلاث علل"
- وقد يقول لي بعضهم الآن: ابن باز الذي استشهدتي به في ضعف هذا الحديث، كان يرى وجوب تغطية وجه المرأة فضلا عن شعرها، فلماذا أخذتي بفتواه في الحديث ولم تأخذي بفتواه في الشعر!!
وهنا أقول له: العبرة بالحجة.
فأين النص الإلهي الصريح "والإله هو صاحب الشرع" أو النص النبوي الصحيح والصريح "والنبي هو المبلغ عن ربه" بوجوب تغطية شعر المرأة!!
أنا أنتظر أن يتفضل علي أحدهم به مشكورا وحينها سمعا وطاعة لأمر الله ولأمر رسوله.
وقد يكون لنا وقفات إضافية في هذا الموضوع.
كونوا بخير و رحمة و رضا من الله 🌹