غسان كنفاني.. 46 عاما من الاستحواذ على عقولنا
لماذا قتلوا غسان كنفاني؟ إنه السؤال الذي لا يٌسأل، ولا إجابة عليه، وهو أيضا السؤال الذي يُسأل في كل وقت، ويجد الإجابات الكبيرة والواضحة جدا عليه.
إنه سؤال اليوم، كما كان قبل، سؤال العام 1972، والاجابة ما زالت هي الاجابة لم تتغير.
لا يغتال الاحتلال الاسرائيلي إلا من يُزعزع أمنه واستقراره، لكن غسان لم يطلق النار على الاحتلال، لم يفجر به عبوة ناسفة ولا شارك في خطف طائرة أو جنود، لم يقتحم موقعا عسكريا، كان يكتب، فهل إلى هذه الدرجة أخاف قلم وفكر غسان كنفاني الاحتلال ومخابراته –الموساد-، كان وما زال أدب كنفاني المظلة الحامية للقراء الذين لم يجدوا أصدق منهم قولا وتعبيرا عن القضية، وستظل أفكاره وروحه قادمة من زمن القلق والرعب الاحتلالي من الكلمة والموقف الفلسطيني الثوري.
حين لا تهدأ ولا تستسلم ولا تتراجع، يكون مصيرك سيارة مفخخة أو كمين أو طلقة من كاتم صوت، ليعلو صوتك في الجبال والوديان والتلال والأرياف والمدن وأزقة المخيمات، في الأدب والكتب والأغنيات.
لم ينفجر جسد غسان كنفاني في بيروت وحدها، ولم تتناثر أشلاءه في الحقول والبساتين القريبة، بل إنها تعدت كل الأسلاك الشائكة وأبراج المراقبة والنقاط الحدودية وإجراءات التفتيش وتعدت أعين المخبرين لتصل إلى فلسطين، كامل فلسطين.
حين لملموا ما تبقى من جسده على الأشجار المحيطة، طالبت زوجته "آني" بالبحث عن خاتم الزواج، الذي وجدوه صامدا في اصبعه الذي تطاير فوق شجرة قريبة.
لعله السؤال الكبير: كم كان سُيعطي غسان كنفاني لو أنه وصل سن الستين أو السبعين، أو عاش إلى اليوم وأصبح عمره 82 عاما، أو لو أنه على الأقل عاش عامًا آخر، وهو الذي كان يُصدر في العام الواحد كتابين أو ثلاثة.
أورثنا كنفاني ما لم يورثه لنا أحد، في الوعي والفكر والأدب، اغتالوه لأنه أفرط في حب فلسطين، ولأنها كانت انشغاله الأول. هل يمر يوم دون أن يكتب فلسطيني أو عربي عن غسان كنفاني، أو يتردد اسمه في فعالية أدبية أو مناسبة وطنية؟ هل يتحدث أحد عن أدب المقاومة والاحتلال والظلم دون أن يأخذ غسان مكانه، في المقدمة دوما.
أستشهد غسان لأن قلمه كان بندقية، بندقية مستقيمة لم تُوجه فوهتها يوما إلا لصدر العدو، وقفل الوطن، لتفتح طريق البرتقال ومراكب الصيادين.
اعتمدت الجبهة الشعبية على كنفاني لاصدار بيانات مفصلية وتاريخية تحتاج الى وعي سياسي رفيع، قائد سياسي تفوق في الوصول الى حركات التحرر العالمية والقوى الثورية العالمية، خاصة في النرويج والسويد والدنمرك، وكان تاثير غسان واضحا على الكثيرين من الكتاب والصحفيين، أمثال الكاتب السويدي ستافان بكمان، واستطاع غسان تغيير وجهات نظر الكثيرين إلى الصراع، كما حدث مع الصحفي الدنماراكي المؤيد والمدافع عن الاحتلال يانس نانتروفيه، الذي زار غسان في مكتبه وحاوره بطريقة استفزازية، ليقوم غسان بتحميله مراجع تتحدث عن جرائم الاحتلال ومجازر دير ياسين وكفر قاسم، ليعود يانس بعدها بأيام ويتغير شكل الحوار، وبعده بأسابيع قليلة تنشر وكالات الأنباء ما كتبه يانس حول جرائم اسرائيل ضد الفلسطينيين. وكنفاني أول من عرف الجمهور العربي بشعراء فلسطين العام 48 (محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد) وهو من رواد السرد والنثر الفلسطيني والرواية الفلسطينية بالمعنى العميق.
شقيق غسان، الكاتب عدنان كنفاني، قال ل"وفا": عندما يصبح فعل الكلمة كفعل الرصاصة أو أشد تأثيراً، تصبح الأولوية التي ينتهجها العدو قتل الكلمة، وبالتالي يحاول قتل الوعي وروح المقاومة كثقافة ونهج حياة.. ولأن الشهيد غسان كان النموذج والرمز في هذا المجال، قتلوه.
في 1972 قبل استشهاد كنفاني قامت الجبهة الشعبية من خلال مقاتلين يابانيين بعملية فدائية في مطار اللد أسفر عنها قتلى وجرحى فقررت إسرائيل الانتقام من الجبهة الشعبية واختارت غسان كنفاني هدفا لها فقد كان الناطق الرسمي باسم الجبهة. إنها الحرب في الداخل والخارج هل يضيف المرء إلى هذا أن أدب غسان كنفاني خلق عشرات المقاتلين.
وتقول آني كنفاني، زوجة غسان في احد الحوارات التلفزيونية معها: اغتالوا غسان وناجي العلي وغيرهم من الشهداء والمثقفين والمفكرين الكبار فان كتاباتهم ورسوماتهم ما زالت ترافقنا وما زالت على قيد الحياة، اغتالوهم لأنهم شكلوا خطرا كبيرا على هذا الاحتلال.
وبحسب كتاب " غسان كنفاني القائد والمفكر السياسي" لبسام ابو شريف: فإن اغتيال كنفاني كان بدوافع سياسية أولاً، كون كنفاني أبرزَ رموز الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في ذلك الوقت، الحزب الراديكالي آنذاك، ويحضرُ دوره الإعلامي اللافت ومهماته التنــظيمية وعلاقته الشــخصية بجورج حبش.
وعن يوميات غسان كنفاني يقول بسام ابو شريف: يعمل، ينتج، يقرأ، يكتب، يغرز في جسده إبرة الأنسولين قبل الأكل، وبعد أكثر من عشر ساعات من عمل، يبدأ غسان نمطا آخر من العمل، يلتقي الكتاب والأدباء والصحفيين ليتحاور معهم وليعبر عن تحديه للحياة، على الأقل حياة الغربة عن الوطن، ثم ينشغل ليلا ليقرأ، وعندما يكن منهكا يلجأ لمشاهدة فيلم لا يتطلب تفكير أو دقة ملاحظة، فيلما سخيفا ليرتاح.
من رثاء محمود درويش لكنفاني: "لم تمتَشِق إلا دمكْ. كان دمُكَ مكشوفاَ من قبل أن يُسفَكْ. ومنْ رآكَ رأى دَمَكْ. هوَ الوحيدُ الواضحُ. الوحيدُ الحقيقيُّ والوحيدُ العربيُّ. دقَّ سقفَ الهجرةِ وعادَ كالمطر الذي يهطل فجأة من سماء النُحاسِ على أرضِ القصدير. فهل سمعنا رنينهُ؟ هل سمعنا صداه؟ سمعناهُ يا غسان، فكيف نثأر له؟. وحين نقول فلسطين، فماذا نعني؟ هل فكَّرنا بهذا السؤال من قبل؟ الآن نعرفُ: أن تكون فلسطينيا معناه أن تعتاد الموت، أن تتعامل مع الموت... أن تُقدِّم طلب انتسابٍ الى دمِ غسان كنفاني. ليست أشلاؤك قطعا من اللحم المتطاير المحترق. هي عكا، وحيفا، والقدس، وطبريا، ويافا. طوبى للجسد الذي يتناثر مدنا. ولن يكون فلسطينيا من لا يضمُّ لحمه من أجل التئام الأشلاء من الريح، وسطوح منازل الجيران، وملفات التحقيق.
اذهبوا إلى إسم غسان كنفاني واسرقوه، أطلقوا اسمه على أي شيء وعلى كل شيء. أطلقوا اسمه عليكم واقتربوا من أنفسكم، من حقيقتكم، تقتربوا من الوطن."
من رثاء بسام أبو شريف لكنفاني: "أنت تعرف كم أعشق كلماتك، كم سرت معك، خلفك، خلفك. كم تمنيت أن أكون أمامك مرة واحدة، أرحل قبلك كي تكتب في رحيلي كلمة واحدة، حرفا واحدا، ولكن لماذا ضننت علي بهذا يا غسان؟"
أصدر غسان كنفاني ثمانية عشر كتاباً. وكتب مئات المقالات في الثقافة والسياسة وكفاح الشعب الفلسطيني. في أعقاب اغتياله تمّت إعادة نشر جميع مؤلفاته بالعربية، في طبعات عديدة. وجمعت رواياته وقصصه القصيرة ومسرحياته ومقالاته ونشرت في أربعة مجلدات. على الرغم من أن روايات غسان وقصصه القصيرة ومعظم أعماله الأدبية الأخرى قد كتبت في إطار قضية فلسطين وشعبها فإن مواهبه الأدبية الفريدة أعطتها جاذبية عالمية شاملة.
كان يكتب بأسماء عديدة، منها: أبو العز، فارس فارس.. لكن كل كتاباته واسمائه المستعارة كانت تتجه صوب فلسطين.