اعتذروا من جاكي شمعون
وزير التربية والرياضة في حكومة تصريف الأعمال فيصل كرامي يطلب التحقيق مع المتزلّجة اللبنانية جاكي شمعون (22 عاماً). رئيس اللجنة الأولمبيّة اللبنانيّة جان همام، يستنكر في بيان تصرّفات موفدة لبنان إلى أولمبياد سوتشي، ويعتبرها لا «تمثّل الصورة الحقيقية للرياضيين اللبنانيين»، مذكّراً أنّنا مجتمع «متحفّظ»، بحسب تعبيره. هل حقاً هنالك متزلّجة تمثّل لبنان في الألعاب الأولمبيّة الشتويّة؟ لماذا مرّ الإعلام على خبر مشاركتها، وزميلها ألكسندر مخباط، بشكل عابر؟ وما الذي ارتكبته، كي تستحقّ التحقيق؟ هل تعاطت المنشّطات؟ هل تواصلت مع لاعبين إسرائيليين؟ هل كانت تعدّ لعمليّة إرهابيّة في عقر دار الروس مثلاً؟ كلا، لا شي من هذا القبيل. كلّ ما فعلته جاكي، أنّها وقعت ضحيّة «خبر» يبدأ بكلمة «فضيحة». لا يحتاج ما حصل بعد تلك الكلمة / التهمة إلى سرد وتفصيل. كان جميع اللبنانيين شهوداً بالأمس، على تحوّل شمعون من حيث لا تدري، إلى «راقصة تعرٍّ». كلمة واحدة، رميت من دون أيّ إحساس بالمسؤوليّة، حوّلت المتزلّجة الأولمبيّة المحترفة، إلى «بائعة هوىً»، «وممثلة أفلام بورنو»، إلى المرأة الزانية، تأهّبت «ثقافتنا» و«مجتمعنا» و«قيمنا» لرجمها، ومحاكمتها علناً، ما يشكّل خرقاً لحقوقها المدنيّة، وتشويهاً لصورتها، وتشهيراً مجانياً بها. كلمة واحدة، أتاحت للجميع حقّ «التحفّظ» على «أخلاق» جاكي، طبعاً بعد التحديق بصدرها العاري. كلمة «فضيحة» كانت كافية ليقرّر أحدهم ابتكار حساب على «تويتر» يحرّض على قتل جاكي وأهلها، وتحذريها من العودة إلى لبنان. كلمة واحدة كانت كافية لخلق أزمة وطنيّة من دخّان، تضخّمت سحبتها لتطغى على دخان الشعلة الأولمبيّة، بعد اتهام جاكي بتشويه صورة «لبنان في الخارج».
كلّ ما فعلته شمعون، أنّها تصوّرت قبل عامين شبه عارية، فوق ثلوج فاريّا، لروزنامة رياضيّة متخصّصة. تلك «الفضيحة أم حناجل»، تبرّع بتفجيرها موقع «الجديد أونلاين»، ومواقع إخباريّة أخرى، بعد العثور على اكتشاف «من ذهب»: فيديو يعود إلى العام 2012، يبيّن جلسة الإعداد لروزنامة نمساويّة، ينجزها سنوياً المصوّر والمتزلّج Hubertus von Hohenlohe. على صفحات تلك الروزنامة، متزلجون ومتزلجات من جنسيات مختلفة، من بينهم زميلة شمعون اللبنانيّة شيرين نجيم. ربما نسيت جاكي تلك التجربة تماماً، حين كانت تستعدّ لخوض سباق التعرّج الطويل في سوتشي. ولكن، كان هناك من أراد تذكيرها بذلك، وحتى الدعوة لحرمانها من تمثيل لبنان. «مصدر أولمبي» قال بالأمس لوكالة «فرانس برس» إنه لن يتم إيقاف شمعون «لأنّ ما قامت به يتعلّق بحياتها الشخصية، خصوصاً أن التقاط الصور لم يتمّ خلال الألعاب، بل قبل سنوات». لكنّ ذلك لم يقنع بعض المواقع العربيّة، التي راحت تنقل أخباراً خاطئة عن «المتزلّجة اللبنانية التي تعرّت في سوتشي».
المحزن في الأمر، أنّ شمعون التي لم ترتكب ذنباً يستحقّ كلّ تلك الهستيريا، خرجت لتعتذر، عبر صفحتها الرسميّة على «فايسبوك» (قفز عدد المعجبين بها من 4 آلاف مساء أمس الأوّل، إلى أكثر من 23 ألفاً مساء الأمس). كتبت جاكي: «أريد أن أعتذر إليكم جميعاً، فأنا أعلم أن لبنان بلد محافظ وهذه ليست الصورة التي تعكس ثقافتنا، وأتفهم تماماً إن كنتم ترغبون في انتقادي أو انتقاد الصور». وأضافت: «كل ما أستطيع أن أطلبه هو التوقف عن نشر (تلك الصور) وتداولها، مما سيساعدني حقاً في التركيز على ما هو أهم: تدريبي وسباقي».
هل ارتكبت شمعون ما يستحقّ الاعتذار؟ لماذا تعدّ صورها فضيحة، في حين يصفق السيستم الإعلامي والسياسي بأكمله لملكة جمال لبنان، وهي تمثّل بلادها بالبيكيني في «المحافل الدوليّة»؟ لماذا تستفزّ صور شمعون رغبة الدولة في المحاسبة، والتحقيق، في وقت كادت صور جمجمة منال العاصي المطحونة، تمرّ مرور الكرام، لولا تحرّك بعض الجمعيّات ووسائل الإعلام؟ أليس هذا فصاماً، وقصوراً في تعريفنا لمفهوم الفضيحة؟
لا فضيحة في صور جاكي شمعون. تستحقّ المتزلّجة الأولمبيّة أن نعتذر منها، لوضعها في زاوية الدفاع عن ذنب لم ترتكبه. في المنحوتات والرسومات الإغريقيّة القديمة، صُوِّر الأبطال الأولمبيون الأول في التاريخ، عراة، إلا من جمال أجسادهم. الجمال المجرّد، الكامن في قدرة الإنسان على تحدّي ضعفه، ومواجهة قسوة الطبيعة، والسعي للارتقاء إلى كمال الآلهة. لا تتردّد الصحف الرصينة حول العالم، في عرض صور المتزلّجات، والسباحات، ولاعبات الجمباز، والعدّاءات، وهنّ شبه عاريات، تأكيداً على أنّ الرياضة قيمة أخلاقيّة، تسمو بالجسد فوق ثقافة السيليكون والبوتوكس والمؤخرات المنفوخة. تحويل صور جاكي شمعون إلى خطر «على ثقافتنا»، هو الفضيحة الكبرى، لأنّه تحطيم بشع لعزيمة رياضيّة وصلت إلى مسابقة دوليّة، من دون دعم رسمي على الأرجح. عوضاً عن تتفيه مشاركة رياضيّات لبنان في الأولمبياد، من الأجدى البحث عن وسيلة لتحفيزهنّ، واحتضانهنّ. تستحقّ جاكي شمعون أن نعتذر منها، لأنّ «ثقافتنا» لم ترتقِ بعد إلى مرحلة تقدّس فيها الرياضة والرياضيين. تتلهّى «ثقافتنا» حالياً بالبحث عن فضائح أخرى، من خلال التعدّي على المزيد من الحريّات الفرديّة. تجهد «ثقافتنا» حالياً في اختراع مبرّرات شرعيّة للتستّر على مغتصبي الأطفال، وخاطفي القاصرات، ومعنّفي النساء. كلّ ما تستحقّه «ثقافتنا»، هو ميداليّة ذهبيّة في التفاهة.












