لي سرير كبير، أتمدد فيه أن شئت طولًا وإن شئت عرضًا -بميلٍ بسيط-، يكاد يكون مربع الشكل لولا سنتيمترات حرمته هذه الميزة. يتّسع لأقراطي الثمينة، فلا أخشى وأنا أنزعها وأتركها عليه من دفعي لها غفلة إلى أحد حرفيه فتقع وتنشطر أحجارها الكريمة. يتّسع لبضعة كتب منها ما ترك مفتوحًا، ثمة صفحة عُلّم فيها آخر الأفعال المفضّلة لمعناه الفسيح الذي أحس به: «دام الشيء: إذا دار، ودام إذا وقف، ودام إذا تعِب.» تنام علبتا طلاء أظافر أحمر تضيء به الكف -درجة ٨٠٢ من علامة «مكياجي»- إحداهن منتصفة أستخدمها طبقة أولى إذا ما أردت دكنة للّون، والأخرى شبه ممتلئة تغرف فرشاتها منها بسخاء يجعل الطبقة العليا مصقولة تمامًا، بجانب عدّة توضيب الأظافر. ثمة أيضًا «بنس» شعر كبيرة وكمّاشة شعر صغيرة لست بحاجتها منذ قصصت شعري، وعلبة كريم مرطب كتب عليه «اشراقة الكاكاو»، ودفتر ملاحظات صغير بداخله خربشات متفرقة لا أعرف إلى أي تاريخ تعود أقدمها، وزبدة شفاه بالشوكولاتة والكرز لذيذة الطعم رغم عدم صلاحيتها للأكل. يتّسع لحمولة جارور بقياس متر عرضًا في ثلاثة وأربعين سانتيمتر عمقًا من الملابس، ربما لست بحاجة إلى قول أن الجارور أصفر ولا لقول أن في هذا الجارور فستان ارتديته أول مرة قبل أحد عشر عامًا وما زلت أرتديه متباهية بمراوحتي بين بضعة كيلومترات لا تعيق ارتدائي ملابسي تلك، لكنه كذلك. كما يتّسع السرير لبطانيّة ثقيلة واسعة أخزّنها تحته صيفًا وألتحفها فوقه في الشتاء، أتخيّلها أحيانًا وهي تتحوّل إلى لحاف تيتا من «كالماء للشوكلاتة»، تيتا التي تحيك في ليالي الأرق لحافًا من الصوف، فيما لياليها الأرِقة لا تنتهي فقد أطعمت اللحاف حتى قيست مساحته بالهكتار، وفي إحدى المشاهد استطاعت تيتا أن تغطي بيتها ومزرعتها الشاسعة بمخلوق الأرق هذا، قبل أن يحترقا. يتّسع أيضًا لوسادتين إحداهن بلا وظيفة، ولشرشفي صلاة أحتاجهما معًا حين لا أكون في مزاج رائق يسمح لي أن ألفّ شرشفًا واحدًا بمهارة وعلى زاوية معيّنة تجعلني لا أحتاج سواه لأتغطّى به من رأسي حتى أصابعي. يفسح لمناديل شعر مزهّرة قلت مرة مسوّغة وجودها: حين لا أجد الحديقة في قلبي أضعها بهذه في شعري. يتّسع لخواتمي التي ألحقها أحيانًا بأقراطي التي أنزعها حين أضع رأسي على الوسادة، حين أشعر بثقل مضاعف فلا أحتمل هذه الأطواق الأنيقة حول أصابعي، أنزعها وأنزع أساوري وخلخالي وأكاد أجن لأنني أود أن أنزع كل ما يقع على عظامي وما بين أسوارها، جلدي ولحمي وأحشائي، ولا أستطيع. يتّسع أيضًا لحاسبي المحمول، الذي أدعه بجانبي، مرات لدواعٍ أمنيّة -خوفًا عليه من لصٍ دار بيوت الحارة- وللكسل أحيانًا حين أنسى حكاية اللص. ربّما لو واصلت العيش والتكديس عليه لصار السرير جزيرتي الصغيرة. يتسع للكثير من الأشياء، لكنه لم يتّسع مرة، ولو مرة فقط، لنومة هانئة، طويلة، متّصلة، حتى بعد يومٍ طاحن من الإجهاد.