الإنسان بطبيعته يحب الجديد والمعلومات الجديدة، وقد يهوى آخر الصيحات و”الهَبّات”، لكن الشرع يركّز على التذكّر؛ لأن التذكّر يحيي القلب ويجدّد الإيمان.
كان الصحابة يحرصون على هذا المعنى، فكانوا يقولون: “اجلس بنا نؤمن ساعة”.
فالصفاء الإيماني يحتاج إلى استدعاء دائم بالتذكّر والمراجعة.
طبيعة الإنسان تحتاج إلى تكرار النظر
خُلق الإنسان من طين، وفيه ثقل وميل إلى الأرض، لذلك فالمعاني العظيمة لا يكفي أن تُسمع مرة واحدة، بل تحتاج إلى مزيد من النظر والتأمل والتكرار.
من أعظم ما يُذمّ به الإنسان الغفلة؛ لأن الغفلة تُعطّل القلب عن وظيفته التي خُلق لها. قال الله تعالى:
﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾
هذه الأيام اختارها الله وفضّلها على غيرها، قال تعالى:
﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾
فالله يفضّل ما يشاء من الأزمنة والأمكنة والأشخاص.
وقد ذكر ابن القيم أن فضل هذه الأيام على سائر الأيام يشبه فضل المسجد الحرام على سائر البقاع.
وفيها اجتمعت أمهات العبادات: الصلاة، والصيام، والصدقة، والحج، والذكر.
﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾
والراجح أن الليالي العشر هي عشر ذي الحجة.
والشفع هو يوم النحر؛ لأنه اليوم العاشر، والوتر هو يوم عرفة؛ لأنه اليوم التاسع.
وجاء القسم الإلهي بالليالي إشارة إلى شرفها، وأنها أوقات للخلوة والوفادة على الله.
«ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام العشر».
فهي أفضل أيام الدنيا على الإطلاق.
“أيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام العشر الأواخر من رمضان، وليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة.”
تأتي هذه العشر بعد أشهر من الانشغال والغفلة، وكأنها موسم رباني لإحياء القلب من جديد.
بل قد يكون العمل فيها أفضل من الجهاد في سبيل الله إلا في الصورة التي ذكرها النبي ﷺ(رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء).
قد يصدق الإنسان في نيته ويعزم على الطاعة، ثم تأتيه الصوارف والعوائق.
لكن الله أكرم وأبرّ من أن يضيّع صدق عبده.
وأعظم ما يصرف العبد عن الطاعة: الذنوب.
ولذلك فإن كثرة الاستغفار من أعظم ما يُستقبل به موسم الطاعة.
من فضائل عشر ذي الحجة أنها خاتمة الأربعين في ميقات موسى عليه السلام.
﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾
في هذه الأيام وعود عظيمة بالمغفرة، في أوقات متعددة، وخاصة يوم عرفة ويوم النحر.
والله يحب من عباده أن يعظّموا ما عظّمه.
والتعظيم الصادق يورث الاجتهاد في العبادة.
من أعظم أعمال هذه العشر كثرة ذكر الله.
﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾
«فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد».
يوم عرفة هو يوم التضرع والانكسار والدعاء.
ويوم النحر هو يوم الجوائز والوفادة على الله،وهو افضل يوم في السنة كلها.
وفي يوم النحر تقع معظم أعمال الحج: الرمي، والنحر، والحلق، والطواف.
كان السلف يجتهدون فيها اجتهادًا عظيمًا.
ومنهم سعيد بن جبير رحمه الله، فقد كان إذا دخلت العشر اجتهد اجتهادًا شديدًا حتى يكاد لا يقدر عليه.
وكانوا يكثرون من الصيام والقيام والذكر.
هذه الأيام تأتي في ختام أشهر الحج، فتجمع معاني الشوق، والتوبة، والرجوع إلى الله.
واستحضار حسن الخاتمة قد يكون سببًا لمحو ما سبق من التقصير.
﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ﴾
وقال سبحانه في شأن الأضاحي:
﴿كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ﴾
وكان الصحابة يرفعون أصواتهم بالتكبير حتى ترتجّ منى تكبيرًا.
اعتياد النعمة يورث الغفلة
كثرة النعم قد تجعل الإنسان يعتادها، فيغفل عن استحضار عمقها وعظيم فضل الله فيها.
ومن هنا تأتي أهمية الذكر؛ ليعيد إلى القلب شعور الامتنان.
تثير هذه الأيام في قلب المؤمن شوقًا إلى الكعبة المشرفة، وحنينًا إلى الطواف والوقوف بعرفة.
ومن لم يكتب الله له الحج، فليشارك الحجيج بقلبه ودعائه وذكره.
من صدق في نيته وحبسه العذر، بلّغه الله أجر العاملين.
فالنية الصادقة قد ترفع صاحبها إلى منازل لم يبلغها بعمله.
لحظة قد تكون سبب مغفرة أبدية
قد تكون لحظة صدق واحدة سببًا لمغفرة لا تزول.
كما كان يوم غزوة بدر، أو شراء بئر رومة، أو بيعة الرضوان.
عيد الأضحى هو عيد الطاعة والعبودية.
وأفراح المؤمن الحقيقية مرتبطة بالقرب من الله.
كما أن أفراح أهل الجنة مرتبطة بأعظم نعيمهم: رؤية الله عز وجل.
قال النبي ﷺ عن أهل الجنة:
«يُلهمون التسبيح والتحميد كما تُلهمون النفس».
فالذكر في الدنيا من أعظم أسباب لذة الذكر في الآخرة.
ومن أعظم نعم الجنة ما يكون في يوم الجمعة، وهو ما سماه العلماء “يوم المزيد”، حيث يتجلّى الله لعباده المؤمنين فيزدادون نعيمًا وسرورًا.
نسأل الله من فضله، وأن يبلغنا رؤيته، والفوز بقربه.