حين تُؤسَر الحقيقة
في كل عصرٍ يظهر صراعٌ لا يكون بين شخصين فحسب، ولا بين قوتين متقابلتين، بل بين حقيقتين كما يراهما الناس، أو بين حقيقةٍ وروايةٍ تحاول أن تحلَّ محلها. ولعل مأساة الإنسان الكبرى ليست في جهله للحقيقة، بل في يقينه المطلق بأنه امتلكها كاملةً. فالتاريخ ليس مجرد أحداثٍ مضت، بل هو ذاكرةٌ تُروى، والذاكرة حين تقع في يد الرواة قد تُضاء، وقد تُحجب عنها الشمس.
ومن بين أكثر القصص حضوراً في الوعي الإنساني قصة موسى وفرعون؛ قصةٌ تجاوزت حدود الزمان والمكان، لأنها لم تكن حكاية أشخاصٍ فقط، بل حكاية الإنسان حين يواجه السلطة، وحكاية السلطة حين تواجه الحقيقة.
مفارقة المشهد :
تأمل المشهد جيداً…
فرعون يملك القصور والجيوش والذهب والكهنة والسحرة، ويملك فوق ذلك آلةً ضخمةً لصناعة الصورة. وموسى لا يملك إلا عصاه وإيمانه ورسالته.
وبمنطق القوة الظاهرة كان ينبغي أن يبدو فرعون منتصراً في أعين الناس، وأن يبدو موسى مجرد رجلٍ يثير القلق في نظامٍ مستقر. فالقوة دائماً تملك قدرةً هائلة على صياغة الرواية التي تريدها.
لكن السؤال الذي يتجاوز الزمن هو: لو عشنا تلك اللحظة دون أن نعرف نهايتها، هل كنا سنرى الحقيقة بوضوح؟ أم كنا سنكتفي بما يُقال لنا عنها؟
الرواية التي تصنعها السلطة :
حين واجه فرعون موسى لم يبدأ بالسيف، بل بدأ بالرواية.
اتهمه بالسحر، وصوّره خطراً على المجتمع، وأقنع أتباعه أن المشكلة ليست في الظلم القائم، بل في الرجل الذي جاء ليكشفه.
وهكذا تفعل السلطة حين تخاف من الحقيقة؛ لا تحاربها مباشرةً في البداية، بل تعيد تعريفها. تجعل المصلح مفسداً، والناصح عدواً، والباحث عن الحرية مهدداً للاستقرار.
إنها محاولة قديمة تتكرر بأسماء مختلفة: تغيير المعنى قبل تغيير الواقع.
الحقيقة التي لا تحتاج إلى ضجيج :
ومع ذلك لم يكن موسى منشغلاً بالانتصار في معركة الصورة، لأنه كان يعلم أن الحقيقة لا تُقاس بحجم التصفيق.
فالأصوات العالية تستطيع أن تملأ الساحات، لكنها لا تستطيع أن تغيّر جوهر الأشياء.
ولهذا بقيت قصة موسى حيةً عبر القرون، لا لأن صوته كان الأعلى، بل لأن الحقيقة التي حملها كانت أعمق من أن تغرق في ضجيج اللحظة.
أما فرعون، الذي ظن أن سلطانه أبدي، فقد اكتشف متأخراً أن القوة تستطيع إخضاع الناس زمناً، لكنها لا تستطيع إخضاع الحقيقة إلى الأبد.
الدرس الأبقى :
ليست العبرة في قصة موسى وفرعون أن أحدهما غرق والآخر نجا فحسب، بل في أن التاريخ نفسه انقلب على الرواية التي أرادها فرعون.
لقد أراد أن يُذكر إلهاً، فصار مثالاً للطغيان.
وأراد أن يُنسى موسى، فصار رمزاً للتحرر والإيمان.
وهنا تتجلى إحدى أعظم مفارقات الوجود: أن الإنسان قد ينجح في خداع عصره، لكنه يعجز عن خداع الحقيقة إلى الأبد. . .
إن قصة موسى وفرعون ليست قصة الماضي، بل قصة تتكرر في كل زمان. ففي كل عصر يوجد من يملك المنابر، ويوجد من يملك الحقيقة. وفي كل عصر يحاول الضجيج أن يغطي صوت الضمير.
لكن الحقيقة، مهما حوصرت، تظل تشبه النور؛ قد تحجبه الجدران زمناً، وقد تغطيه الغيوم، لكنه لا ينطفئ.
ولذلك فإن الحكمة ليست أن ننحاز إلى الرواية الأكثر انتشاراً، ولا إلى الصوت الأعلى، بل أن نمتلك شجاعة السؤال، وأن نبحث عن الحقيقة حيث تكون، لا حيث يريد الآخرون أن نراها.
فليست كل روايةٍ حقيقة، ولكن كل حقيقةٍ ستجد طريقها يوماً لتصبح روايةً خالدة.
_ سلمى أحمد
















