(4)
٢٠١٣
توقفت فترة عن الكتابة لأول مرة منذ بدايتي في تسجيل مقاطع من سيرة أسرتي وسيرتي..
أتشكك دوما في قدرتي على إكمال أي شيء بدأته، تفتر حماستي بعد وقت ليس بطويل وأحبو عائدا إلى أمان اللافعل.
اسأل نفس مرارا:
ماذا يدفعني إلى الكتابة؟
يردد الجميع بنبرة المختصين: حينما تتزاحم بداخلك المشاعر افرغ عقلك بالكتابة لتحصل على راحتك.
هراء.
لم تمنحني الكتابة سوى ألم التذكر.
هل أحاسب نفسي؟ أم أحاكم الآخرين؟
أي ذنب أتبرأ منه وأي صفح أسعى إليه بعد كل ما مضى ؟
لا جدوى.
أدركت أني قد عشت طويلا أتظاهر بالشفاء وأمارس القوة، أقاوم الحنين بالكتمان وأواجه أفكاري بإجباري على النسيان، أشاغل نفسي عن آلامي وأهرب من المواجهة.
الكتابة فعل استسلام لمن أنهكته المقاومة.
سأكتب لأني مُنهك.
لِما نجاهد أنفسنا لنبدو أقوى مما نحن عليه؟
نحن ضعفاء. فلنعترف بضعفنا كي لا نعطي مبررا لمن يقسو علينا بأن يستمرَ في قسوته، حتى وإن كان بداخلنا..
إن كان هناك ثمة حقيقة في هذا العالم فهي الفناء ومنه يجيء الضعف..نحن هالكون، فقط استسلموا ولو إلى حين.
أنا أضعف مما أبدو وأقوى مما أظن.
لم أستشعر قوتي بعد، لكني أدركت ضعفي بعد أن شاهدتها، فاستسلمت للكتابة من جديد.
------------------------------
ظهر اسمها أسفل شاشة التلفاز عريضا: مريم زيدان، أستاذ العلوم السياسية..وخطأي الأكبر.
تجلس بثقة أمام شخص ملتحٍ ممن تمتليء بهم برامج الحوار يوميا، تعلو وجهه ابتسامة مصطنعة ونظرة إلى أسفل، وتتفحصه بعيونها البنية الواسعة. لم انتبه لسياق الحوار، لكني أدركت صعوبة موقف الضيف المواجه حين رأيت حاجباها السواداوان مرفوعان علامتها للهجوم الشرس، فيستوقفها المذيع ويعطي فرصة الرد للضيف. ابتسم عندما ألاحظ انها مازالت تعاني من مشكلة جفاف شفتيها بفعل الكلام الطويل فتبللها بطرف لسانها في حركة غير ملحوظة للجميع سوى من قبّل تلك الشفاه يوما، وعندما ينتهي خصمها، تمرر أصابعها الطويلة بين خصلات شعرها المحير بين البني والأشقر فيظهر وجهها الصغير ذو البشرة الذهبية بنعومة الطفولة التي تضيف إلى ملامحها جاذبية وصفاء. تبتسم حتى تظهر سنتها المعوجة فأشفق على من يحاورها مما يلي تلك الابتسامة. لم يوقفها غير استغاثته بفاصل طلبه من مذيع البرنامج لاستجماع الأفكار التي لن تنقذه.
مازلتِ جميلة يا مريم، لم تنل من طلتك السنون.
جميلة كما أنتِ وإن تمردتي على طول شعرك، جميلة بجرح أنف القديم وسنتك المعوجة، بشامة رقبتك المكتنزة وأذنيك الصغيرتين.
مازلت أراكِ جميلة يا مريم.
غربة طويلة، زواج فاشل، تربية ابنين وحيدة، ثم عودة آملة بتغيير في الأوضاع ولكنك يوما بعد يوم تتعرضين لهجوم يزداد من أنصار نظام جلف تعارضينه ولا تزدادين إلا شراسة في الحُجة والمواجهة.
كفاك قوة وضجيج !
تحملتي الكثير يا مريم، ولكنك لم تحتمليني.
لماذا يا مريم؟..
------------------------------
من الأسباب الرئيسية للقطيعة الكبرى بين أبي وعمي الأصغر "أسعد"، محاولات عمى المتكررة للتواصل مع أبناء عمومته غير الأشقاء من نسل جده "هلال". في البداية تحجج عمي برغبته في صون عضم التربة ولكنه لم يقاوم كثيرا حينما هاجمه أبي وواجهه برغبته الحقيقية في البحث عن أية صلة هشة تؤمن له نصيب من ميراث مزعوم وتحقق له مكسب سريع بدلا من عناء الاستمرار في أي عمل شريف وفره له أبي مراراً ليتمكن من الإنفاق على زوجته وبناته الثلاث.
لم يستمر عمي في عمل له قط. تزوج وعاش في بيت طفولته الذي بناه أبوه "الباشا" بعد أن غادره أشقاءه وتوفى جدي وجدتي، حتى اشتراه أبي مقابل قيمته العادلة من المال ثم منحه عليه شقة ملك بإحدى عماراته ليعيش فيها مع أسرته. لجأ عمي مرارا إلى أبي لاقتراض أموال لن يعيدها وساعده أبي مرارا بالمال والوظائف التي عرضها عليه ولكنه تقاعس عنها جميعا باستهتاره واعتماده على اسم أخيه "درويش الباشا" فأثار حنق الجميع تجاهه بما فيهم أبي، وحينما رفض إقراضه جاهر عمي بحقده عليه زاعما أنه استغل ضيق حاله وسرق منه بيت أبيه الذي كان سببا في ثراءه بعد أن وجد ما في باطن البيت من كنوز حسب زعم عمي.
"لو أبوك فاكر نفسه كبير، فأنا اللي عملته كبير."
غفر له أبي بعد توسط أخواته البنات ولكنه لم يتقبل شفاعة أحد حينما علم بفعلته الفاصلة.
سافر عمي إلى بلدة جده "هلال" وأعمامه المزعومين واستقصى حتى توصل إلى معقل تجارتهم وبيوتهم، استقبلوه بتوجس وعندما علموا من هو واستشعروا نواياه الحقيقية طردوه خارج وكالتهم غير مرحب به. جن جنون أبي حين علم بما فعله أخوه الأصغر واعتبر فعله إهانة لقدره واهدارا لكرامة والدهم في قبره فانهال عليه بالتوبيخ حتى تعالت أصواتهم فخرج عمي غاضبا إلى قطيعة بلا رجعة.
******************************
يتبع.
#على_هامش_سيرة_الباشا












