عام تام، وشهرين، وتسعة عشر يوماً، وبضع ساعات، استطيع أن احصيها، لولا أن هذا سيصيبك ببعض الارتباك أو التوتر، هذا لإنني، اتذكر بوضوح كم كانت تشير عقارب الساعة على جدار غرفتي في صباح اليوم الذي تلقيت فيه رسالتك الأولى، اتذكر كيف بدء بها يومي ولم يتوقف هذا من ذلك اليوم إلا لأيام معدودة احفظها عن ظهر قلب، كما اتذكر الرقم الذي كان ينير شاشة هاتفي، حين تبادلنا حديث عابر، للمرة الأولى، بعد لقاءين محفوفين بالصمت، لإنني اتذكر أنني تأخرت عن موعد عودتي للمنزل، للمرة الأولى، دون أن يبدو لهذا أي سبب منطقي، لكنني عرفت السبب، حين وجدتني ألغي كل ما كنت قد خططت ليومي، وما اتفقت عليه مع الأصدقاء، صانعة بذلك موعدنا الأول معا، دون أن يبدو هذا لي، ولو لوهلة، أمرا غريباً ودون أن يساورني للحظة أي شعور بالتهور، كأن هذا أكثر التصرفات عقلانية، كأنه امرًا حدث وما علينا سوى ان ننسال معه كالماء، كأننا كنا نتذكر اشياء نعرفها من قبل، او نكتشف ضلتنا، فجاءة.. واخيرا. أنا المولعة بالتخطيط لكل شيئ، المذعورة من ألا تسير الأمور كما يتخيلها عقلي، المهووسة بالسيطرة على كل ما يجري حولي، وقفت آمنة بجوار رجل لم يعرف أبدا ما الذي يعنيه أن نضع الخطط، ولم يكن هذا يهم على الاطلاق، إليك كل الحبال، سأفلتها جميعاً من يدي، ولتحرك الدفة اينما أردت، سأذهب معك إلي هناك.. حتى لو لم تكن أنت تعرف أيا يقع بالتحديد هذا "الهناك" حتى لو لم تكن واثقاً من أن هذا الطريق الذي سلكته سيقودنا إلي أي مكان، معك، "كل الطرق تؤدي إلى أماكن مدهشة".
عام تام، وشهرين، وتسعة عشر يوماً، وبضع ساعات، مر منها أكثر من ثلاث ساعات بينما اكتب وامحو هذا النص، لإنني أفكر، أن ما يحدث أعقد بكثير من أن افهمه، وربما اسهل بكثير مما أفكر فيه، وأكثر بكثير مما حلمت به يوما، وأنني، انتظر بشغف يساوي كل خوف العالم، أن يعرف من لم يعرفوا بعد، أنني أحبك، وأن هذا الحب هو من جعلني الشخص الذي أنا عليه الآن، أنني اكتشفت معك اشياء، ربما كنت قد افني عمري بحثاً عنها ولا أصل، لو لم تكن هنا.
انتظر، أن نبني بيتًا، يحمل اسمك على بابه وطعام اعدته أنا في مطبخه، بيتًا، لم نتوقف عن تخيله، منذ عرفت للمرة الأولى أن الأمن هو المرادف الأول لاسمك، وأن صوتك، دون كل الاشياء، يملك القدرة التي لا تفنى على تهدئة اضطرابي الدائمة، ونومي غير المنتظم، وذعري من الأماكن المزدحمة، وعصبيتي المفرطة، وبكائي الذي لا ينقطع، ولا يحمل معه الاسباب بالضرورة، وصمتي حين يجب الحديث، وثرثرتي حين لا يكون للكلام معنى، صمتي الذي كان رفيق لم استهجنه يومًا إلا حين يزروني وأنا بجوارك.
عام تام، وشهرين، وتسعة عشر يوماً، وبضع ساعات، تعلمت خلالهم التخلي عن اندفاعي، عرفت كيف نمارس الصبر دون ضجر، تعلمت ماهية الانتظار الحقيقية. وأدركت، أنني في الأصل، لا أهتم إلي أين سنذهب ومتي سنعود وكيف سنصل، كل ما يهم أننا سنتشارك كل تلك الأشياء. تيقنت، أنني لم أعد أرغب أن أفعل الأشياء وحيدة كما جرت العادة لواحد وعشرون عامًا مضت، لأنني، حتى حين باغتني الحب منذ أعوام، لم اعره الانتباه الكافي كي يحمل قوة اخراجي من فوهة الوحدة، أريد أن نتشارك كل الاشياء، قهوة الصباح، وما اعددتهُ من طعام، تبغكَ، والاقتباس الذي اعجبني بشدة، والذي يختلف عن هذا الذي نشرته للناس، سأرسل لك هذا الذي ادهشني مما دفعني للتفكير لساعات، او للكتابة دون توقف، او للبحث، او للبكاء لقلة الحيلة، لإنني على الأغلب، أود ان اشاركك كل هذه الأحوال، وبالطبع سأخفي عنك أنني مدينة لك بعشرات الخطابات التي كتبتها لك ولم اجرؤ على قرائتها من جديد، لكنني سأظل محتفظة بها، بيقين تام أنها ستصلك. وسأخبرك، دون أن تسأل ودون أن يبدو لهذا أي أهمية، عن رغبتي الملحة والتي لا استطيع تجاهلها في تناول قطعة حلوى لم اتناولها منذ وقت طويل، أو أنني سأعد طبقًا كبيرًا بشكل لا يناسب نحافتي من البطاطس المقلية لأن هذا سيحسن من مزاجي الذي لا يعرف ايا منا لماذا تعكر في الأصل، أو عن عدد الساعات التي قضيتها في تصفح عدة مواقع لتعلم وصفة طعام جديدة أريد أن اعدها لك، أو حتى لمراجعة وصفات طهوتها مئة مرة من قبل، لأنني اريدها مثالية حين تختبرها أنت، أن اقراص المنوم فشلت معي من جديد، بينما نجح كوب الينسون في أن يبعث فيّ بعض الهدوء، وسأصاب بدهشة بالغة كونك تكره رائحة الينسون، ربما اتوقف عن شرائه!
أما أنت، فسترسل لي صورة لقميص اعجبك تود شراءة، وسأقسم بأغلظ الأيمان أنني لم ارى من قبل قميصا اكثر اناقة مما اخترته، سأرفاقك للمرة الأولى لمحل ملابس رجالية، بفخر انثوي كامل، سأختار بنفسي قميصك هذه المرة، وسأخجل، دون أن أخبرك بالطبع، من أنه ربما، لم يعجبك بما يكفي، لكن شيئا لا يضاهي فخر انثى تسير بمحاذاة رجل تحبه ويحبها، سنخلق معا عادات لم يكن ليمتلكها احدا منا لولا الآخر. ستملئ الابتسامة وجهي كلما تذكرت الطريقة التي تقدمني بها لأصدقائك، وسيقفز قلبي فرحا، كلما تذكر عناقنا الأول، كيف ازلت عني كل هذا الخوف!
ستسألني، بينما تنظر لهاتقك، كي تتحاشى غرابة ما سيحدث بالنسبة لشخص مثلك، عن رأيّ في أحد تلك الأمور الشخصية جدا، التي لم تعتقد انك ستشاركها أحدا يوما ما، وسيبدو الأمر سهلاً حين تكتشف ان الامر لم يكن بالصعوبة التي تتخيلها حين خرج من رأسك، سأبتسم، بينما أحاول ان اجمع الكلمات، لأنني مصابة بعدوى دهشتك من كل ما يحدث. وسنجد انفسنا، وفجأة أيضاً نتحدث عن عمر قادم، نود، دون أن نبدي أي تردد او خوف، أن نقضيه معا.. سيبدو حديثنا منسابًا للغاية، هادئًا وهنيئًا، كأننا لم نكن نصاب بالرهاب من قبل حين يتحدث احدهم بشأن الزواج.
وسنصمت، لأن كلينا لم يكن هنا من قبل، ولأننا نخشى مواجهة الحقيقة، ولأننا نخشى أن يخدش أحدنا الآخر أكثر من أي شيئ، ولأننا نعرف أن هذا سيمر، وأن حديثًا ما، سيولد بيننا من تلقاء نفسه، وستخلق السعادة نفسها من جديد حين نلتقى.. سنصمت دون أن تصاب أنت بالملل أو أصاب أنا بالرعب.. لأنني اعتقد، أننا اتفقنا ذات يوم، دون أن يخبر أيا منا الآخر، أن كتفًا تتكئ عليه في كل ليلة، يبدو سببًا مقنعًا، لنمضي واثقين في قدرتنا على مواجهة العالم.
عام تام، وشهرين، وتسعة عشر يومًا، ورغبة وحيدة.. ألا ينتهي هذا أبدا، بنفس السهولة التي بدء بها.
15.2.2020










