واقف أنا .
واقف أنا على أبواب ملكوت السماوات .. خائف أنا مرتجف .. أقترق الأخطاء و أختفي حول مبررات لا متناهيات من الأفكار الصائبة اليوم الكاذبة غدا .. بين اليقين و اللايقين غاية في الوهن .. قادر على قلب كفة موازين الذات تارة نحو الإله الذي كنته قبل تجربتي السماوية و تارة نحو الشيطان الذي كنت خلال ترجبتي بالجحيم .. أبكي أنا ..
أسابق جوادي على أوتار الريح كلما أتيحت لي الفرصة للعبور حيث الملائكة ..
يصهل جوادي "لا تتوقف يا فؤادي ، لا تخف عمق الوادي ، لا تنادي أحدا سواك ، لا تسلك طريق الغالبية .. لا تسلك الطريق كن أنت الطريق و الطريقة .. كن أنت الحقيقة التي لا يعتريها لُبس .. مارس الخطيئة لتدرك لما أنت هنا و راقب مارس و هو ينتصف سماء ليلة باردة من يناير .. يزينها التربيع المتزايد .. تجاوزت يا عزيزي مفاهيم الأضداد و الأبعاد .. صرت اليوم ضدا و بعدا .. أنت الآن عبد نفسك و سيده .. فارتم بأحضان المجهول .. لا حاجة للضمادات .. فلا معنى للجراح هناك .. كل ما يهم : أنت و أنت فقط .. بعيدا عن حقيقة مركبة من عدة أجزاء وهمية .. كما حال الدقيقة بالنسبة الساعة ..
أسابق جواد الريح و أستريح خلال تعبي لا بعده .. تتطاير بقايا الرمال الممتلئة بذرات أملاح مياه البحر ، عاكسة ضوءالشمس لا شروق و لا غروب .. عوام بين ذلك .. تمد كلينا بالطاقة اللازمة للركض بأقوى صورة .. كآياة سورة البقرة .. تتساوى الأمواج في شدة عنفوانها و دقة رقتها .. لا تمل المد و الجزر من الأزل في رقصة سرمدية مع القمر .. أو على الأقل ما دمت أنظر .
بعيدا عن ناظري على قمم السحاب ، أستشعر طاقة مخلوق رهيب الحجم و الهيبة و الجناح .. يسابقنا من بعيد على ارتفاع شاهق يوازي سماوات روحي .. اسمع زفير منخاريه داخل جمجمتي التي تملؤ عروقها الدماء .. ضربات قلوبنا الثلاث متناغمة بكيف عجيب يوازي سحر مثلث الشعلة الإلهية و معجزة الحكمة في نفس الأوان .. تزلزل أرواحنا عروش ملكوت السماء .. فيرد الكون بصوت شجي هادئ حكيم .. انظروا يا سكان أعالي الحضارات .. انظروا يا حراس أبواب كهوف الجحيم .. انظروا لبديع خلقي .. أنظروا لأطفالي الصغار ..
سبحانك يا ذا الجلال
سبحانك يا مسخر ذرات الأوكسجين للرئات .. سبحانك يا خالق الصوء للعيون .. يا مسخر الريح للسحاب .. سبحانك
أتوقف .. واقف أنا .. قف معي .. أنت و تنفس ما تيسر منك إليك .. أنت أنت لا ما تظن .. أنت أنت لا ما يظنون .. أنت لست ظنون أفكارك .. و لا أحكام عيون أقرانك .. أنت فريد جدا من نوعك .. بكل ظلامك و نورك .. أنن عبورك لباقي الضفاف .. أنت زفاف أجناسك .. أنت مناسكك و زلاتك .. أنت
يفتح جلد الرمال نحو جوف الأرض باسم الفاتحة و اهوي سبع درجات نحو القاع .. أسمع أنين مخلوقات الجحيم .. تعادل في طياتها نوطات مخلوقات السماء .. كأنها ترقب ذاتها في المرآة .. كأني المرآة بينهما ..
ألم أكن واقفا قبل قليل بالسحاب و ها أنا ذا ببطن الأرض أنادي ربي بالظلمات أني كنت من الظالمين ظنا مني أنه لا يستقبلني .. على أساس أني وحيد هنا دونه .. ماذا لو كان هو الظلمة .. أو كانت الظلمة جزءا منه .. أليست مخلوق ؟
أما ظلمت نفسي حين سلبتها حق الشك و حرية الرياضيات و حق الخطأ و صلبتها مستعملا سوط الخطيئة دون إدراك .. .. معلقا على صليب المادة و قوانين الفيزياء .. لن أنسى حين أطلت النظر في مشهد قطرات الدماء الممزوجة ببعض الملح و العرق المتساقطة من جسدي .. ظنا مني أنه كان مجرد خيال .. حين ظننت ألا مفر من الغرق في ملكوت الشيطان فأحاول المقاومة و أجرب المساومة دون نتيجة أو هدف أو عنوان و يزيد الخناق ..
أدركته بعدها أن ذاك من صنيع أذرع أنانية نفسي و حربي ضدها بدل عناقها و اعتناق ما كانت توحي لي به حينها و ما ظننته ظِلال الضلال .. دام الحال على ما هو عليه لأعوام إلى أن انتشلني صوت الكمان قائلا بكل حنان : توقف عزيزي .. توقف عن المقاومة .. فالتوقف ليس ضعفا أو وهنا أو خذلان .. توقف حين تشعر أن الأوان حان .. لا تقاوم و ارتم بالمجهول فهو مخلوق تحت رحمة الإله و من أقوى جنوده على الإطلاق .. توقف و أنصت لما تخبرك به رياح الشمال ..
استسلمت لعذب كلمات النغمات .. أغمضت عيوني و انطلقت في الرقص على غير عادتي سواء بخصوص الاستسلام أو الرقص .. فتراءت لي غابة استوائية خضراء بالحياة .. تسكنها أجناس لم أرى لها مثيلات من قبل .. تعجز عن وصفها الكلمات .. ممالك و صروح .. قلاع و أحجار من مختلف الأحجام و الألوان .. محتشمة خلقدف كثيف أرواح الأشجار . أزحت عن ناظري جذع أجوف مليء بالحياة .. فعجب الذي كفر من هول ما رأت عيناي.
شلال من نور يملؤ نهرا من نور حوله مخلوقات من نور .. نزعت نعليّ و همست بربي و اسم ربي الأعظم .. طأطت رأسي مما فوّت على نفسي و عانت من عناد أناي .. نزعت عني لباس الزيف و القناع بهدوء و احتراما لحُرمة المكان و سرت مشية ملطخا أتخبط و متعجبا مما تحملت ..
توقف كل من حول الشلال عما يفعلون .. ينظرون بذهول يتساءلون ماذا يفعل بشري هنا ؟ و كيف دخل إلى هنا بالأساس ؟
سمعت أصواتهم بذواتهم كما علّمني ربي منذ الصغر ..
..
عاري الجسد و الروح ملطخا بذنوب الأحداث .. أتمايل شمالا و يمنة .. مرهقا من طول المسير .. متعجبا من لا واقعية المكان .. غير مدرك لمفهوم الزمن غير آبه لنظرات العيان .. أبكي دون سبب .. بحيادة بين السعادة و الحزن .. أقترب بروية من ضفة نهر النور .. أقف عند الضفة فتخور قواي و أهوي ..
ومضة من نور حجبت مد بصري .....
يظن الناظر أن لحظات سقوطي دالة غير متصلة .. أو هكذا أستشعرها على الأقل .. حيث كاد صوت ارتطام روحي بنهر النور يوقف حركة نسيج الزمكان بالكامل لولا تدخل الأقدار .. عندها بكت الملائكة لهول ما رأت .. فسمعت تسبيحها و أنا على أعتاب المنام .. غبت عن الوعي و أنا بصدظ الغرق .. لم أكن خائفا و لا مدركا حتى لاسم ذاك الشعور ، فأسميته شعور العبور فقط .
عندما قرُبت قاع نهر النور تساءلت هل تكون هذه النهاية ؟ هل هذا ما أسماه الأولون الحقيقة ؟ بهذه البساطة ؟
جاءتني حوريتان .. أسميتهما فيما بعد هاء و واو ، أمسكت الأولى ساعدتي الأيمن و أسندت كتفيالأخرى على الثانية ثم سبحتا بي وصولا لشلال النور ..
كان بمثابة قطرات ندى الفجر من سلاسته و بحرارة بركان من قوته .. استنشقت أول الجرعات فانفجر بداخلي ما يعادل أدرينالين 300 ترليون مجرة مجتمعة .. لم تتوقف دموعي عن الإنهمار.. و ينهار ما ما تبقى بدواخلي من أكدار .. تقيأت بصوت مرتفع و اختناق كل ما يدور بداخلي من سموم الهموم ثم استنشقت ما لم تقدر رئتاي على احتماله من هواء .. كأني أغادر رحم أمي لأولى المرات و ادرك ما يعني تحمل ألم التصاق الرئة ببعضها و تاركا الخديج ..
احتجت لحظات لاستيعاب ما يصير بي من تغيرات .. سمعت دعاء الحوريتين داخل قلبيهما .. فقد شعرتا بحجم الألم داخلي .. لكن صوتا خافتا ثالثا اجتاح رأسي أمرهما بالابتعاد .. فاستجابتا دون تردد .. يتبع











