الطين يملأ الشارع .. الساعة الثانية بعد منتصف الليل .. حيث الوقت متأخر جدا لوجود الأسر و الفتيات و مبكر جدا لوجود مصلي الفجر ..
الطين يملأ الشارع .. و الحثالة و السكارى يبدأون نوبات مجونهم ..
أنا لست حثالة و لست سكير و لكني أيضا لا أسرة لي و لا أصلي الفجر ..
لنسمي حالتي إذا سقط مجتمعي .. أنا جنين مجهض ... أنا أنصاف حلول و أنصاف حالات .. أنا نصف بشر
البشر يخافون مني ...حتى الحثالة و السكيرة ...
عيني الواحدة تلمع في ضوء القمر و فمي المخوخ من الأسنان ينفرج عن ثقب كفم حوت .. أنا ككلاب الشوارع ..
البشر يخافون أما الكلاب فلا
أنا كلب و لكن ذهني لا يزال حاضرا لحسن حظي او لسوئه
تمر سيارة مسرعة يتقاظف منها الصياح وسط علو صوت المسجل ...
تمر محدثة طرطشات في برك المطر و المجاري
يعقبها رجل يسير مهرولا و هو يلتحف معطفه الذي يبدي من تحته ثوب الأطباء ..
هو طبيب إذا عائد من نوبته ليس زبونا
يتقاطع مع هرولته مراهق ينفث الدخان من فمه
جميعهم يمرون و أنا جالس أتحسس جيبي الثمين
يدعونني العراب ... و لكني لست عرابا هذا لقب فقط .. كباقي الألقاب السخيفة التي لا معنى لها
الإسم يفقد المرء هويته .. يحوله من كيان إلى مجموعة أحرف متراصة .. بعكس الأرقام
في السجن يعطونك رقما و سروالا أزرق و قميصا بنفس اللون ...
تتوه وسط دوامات القمصان الزرقاء الأخرى .. و مع ذلك تحافظ على هويتك .. على رقمك ..على كيانك المتفرد وسط باقي السجناء
في السجن حيث تسلب حرية الجسد .. تعود الروح حرة
الفتى المراهق يدور حول نفسه يتلفت يمنة و يسرى .. ينفث دخان سيجارته مرتعدا
أراه يقترب منى ببطئ ممزوج بحذر
يتفحص وجهي مرتعدا ..
"أأنت العراب"
لا ينتظر إجابة و يتابع حديثه متلعثما "أريد شريطي ترامادول"
أخرج من جيبي شريطا واحدا
ينظر إليه و لا يطالب بالآخر .. فقط يقول " لست مدمنا أنت تعلم .. أربده للمذاكرة أنت تعلم"
يكرر أنت تعلم و كأنها حقيقة كونية .. أنا أعلم شيئا .. أنه يلتمس عذرا لنفسه
هنا لا مكان للأعذار .. لا مكان للأحكام .. نحن هنا أخوة .. في عالم بعد منتصف الليل ..هنا لا تسري علينا قواعد البشر نحن حراس الجنان و زبانية جهنم ..نحن كلاب المطر.. نحن العرابون إن شئت أن تسمينا
أومئ له رفعا للحرج و عطفا على وجله .. يعطيني ورقة واحدة من فئة مئتين و بهرول بعيدا



















