هذه الليلة، ظلت السماء تمطر لساعات وإن كان مطراً خفيفاً، لكن المطر يبقى مطراً، كما أن نزوله في هذا الجو الصيفي السيئ يجعل لكل قطرة قيمتها. ومنذ بدأ، وكل ما أفكر فيه دون أن أعلم لذلك سبباً واضحاً هو تساؤلي إن كان المطر يمتد إلى فلسطين، وتنزل قطراته على قبر ريم، وعن إذا ما كانت تتأمل المطر مازالت مثلما اعتادت؟ الحقيقة أني لازلت لا أصدق... أعرف أنها كانت مريضة، وأعرف أنها عانت، وأعرف أنها ماتت، لكن كلما سمعت صوتها انفعل قلبي واختنقت أنفاسي وكأنها صديقة قديمة للغاية، بل إنها كذلك وإن لم ألتقِ بها أو أحدثها يوماً. أيكون صوتها السر؟، أيكون صوتها اللعنة التي لن تنفك عني؟...ما أقساها وما أجملها من لعنة. أسمعها "وأعطي نصف عمري للذي يجعل طفلاً باكياً يضحك"، أسمعها "وأصرخ من قاع الروح...يا كرمل الروح، اجلب له هواء بحر حيفا، احضر له نسيم بحر يافا، يلطف برد زنزانته وحرها..."، "الله أصبح لاجئاً يا سيدي"، "ميزان ما أتقلك...هديتلي كتافي". أسمعها مازلت وإن أغلقت كل شيء. لم يكن لأسئلتي أن تهدأ، كان عليًّ أن أجد الإجابة الأسرع، كان عليَّ أن أنبّه نفسي إلى أن موتها كان واجباً، كان مفروضاً، لأنها كانت (ملوَّنة) أكثر من اللازم بعالمٍ رمادي بإخلاص، لأنها كانت جميلة جمالاً سماوياً، مبهجة، كانت مطراً والمطر لا يستمر للأبد، بل لطالما نظرتُ إليه نظرتي إلى المظلوم لأن عمره قصير، لأنها كانت شجرة بجذور بلغت أحشاء الأرض وتمكنت منها فصارت عصية على الانكسار، بل ربما هكذا وُلدت. كانت خيالية كأنها مولودة من رحم فلسطين حرفياً. لكل تلك الأسباب سلمتُ بمنطقية موت جسدها، لكن بطريقة ما، أو ربما بسبب تلك اللعنة -صوتها-أشعر بروحها لاتزال تشع قوة تؤثر عليَّ وكأنني في مجالها. هذا المطر هدية إلى جسدك يا ريم فأكملي غناكِ الذي حرمتِ منه لعامين، أنا أسمعك...سأظل أسمعك ترددين: "كن حنوناً عليه، أنت أقرب مني إليه، يا كرمل الروح إنه وحيد".
#ريم_بنا "rest in power"
















