Who pays more for the "public good"
[حشد سكان الزمالك للمطالبة في حقهم في حي بدون تعديات وفي حقهم في الادلاء برآيهم في مشاريع قد تآثر على حيهم بصورة سلبية. مصدر الصورة]
دينا لطفي
منذ بداية القرن الماضي وحتي اللحظة، ومن أجل "الهدف الأسمي" و "الصورة الحضارية" و"المصلحة الوطنية"؛ أُغرقت قري بأكملها، وهُجّرت آلاف العائلات، وأزيلت آلاف المساكن، وتم اخلاء آلاف المواطنين بشكل قسري، ولم يتم تعويضهم بالشكل العادل. جدير بالذكر أن هذا ليس محل تقييم لتلك المشروعات، ولا بحث عمّا اذا كان هناك بدائل لتنفيذها بخسائر أقلّ، فكلٍ من المشروعات كان له مؤيديه ومعارضيه، وكلٌ له أسبابه، وإنما هذا تساؤل آخر؛ عن نظرة الدولة للمواطن. فهل حقاً جميع المواطنين بالنسبة للدولة سواء كما تنص الدساتير؟
أنشأ سكان حي الزمالك في أواخر ٢٠١١ مجلس إدارة جديد لجمعية الزمالك، ورغم تعدد أنشطتهم على المستوى المحلي، إلا أن قضية مترو الأنفاق كانت الأبرز. لعل توحُّد سكان حي الزمالك وقيامهم بالحشد وراء مطلب يعتبروه حقاً من حقوقهم هو أمر ايجابي لا شك، فانّ ما يسعي اليه المجتمع المدني والمهتمين بمجال العمران بشكل عام هو تعريف المواطنين بحقوقهم، وحثّهم علي المطالبة بها، وصياغة تطلعاتهم المتعلقة بمناطق سكنهم من أجل مشاركة فعّالة في صناعة القرار المحلي
وقد كان اعتراض سكان الزمالك الأساسي لأسباب فنية جديرة بالفعل بالدراسة، فهناك مخاوف حيال سلامة المباني السكنية القديمة والتي ربما تتأثر سلباً بسبب أعمال الحفر، حيث أن منها مباني كانت قد تأثرت انشائياً جراء زلزال 1992، كما أن ضيق شوارع الحي يمكن أن يتسبب في تكدس مروري شديد حال انشاء محطة، وهذه المخاوف تستدعي القلق والمطالبة باجراء دراسات متعددة التخصصات لضمان سلامة السكان، أو محاولات لطرح بدائل، أو ربما تستدعي بالفعل الاصرار علي فكرة التراجع عن المشروع برُمّته. أما اعتراض البعض علي أن هذه المحطة ستؤدي الي سهولة وصول الطبقات الأكثر فقرا لمنطقة الزمالك، فربما تغيب عنهم حقيقة "المدينة" والتي تكمن في فكرة الالتقاء ومشاركة المكان، وربما يغيب عنهم أيضاً حقيقة أن أغلبية سكان المدينة من الطبقة الفقيرة، وبالتالي فإن الالتقاء ومشاركة فراغ ما، أو وسيلة ما، هو أمر حتمي لا يمكن منعه
في يناير 2014 صرّح رئيس الهيئة القومية للأنفاق بالتوّصُّل الي "حلّ وسط" مع سكان حي الزمالك من خلال الابقاء علي مرور المترو أسفل الزمالك، وإلغاء افتتاح المحطة وترك أمرها للأجيال القادمة التي ربما تغيّر رأيها وتطالب بافتتاحها. وبعيداً عن تقييم هذا الحل، فإن اشراك السكان في مرحلة صناعة القرار؛ بدايةً من دعوتهم في مطلع 2012 بساقية الصاوي من قِبل هيئة المترو لعرض المشروع، ثم استجابة السلطة لرغبتهم في نهاية الأمر؛ هو أمر ايجابي علي آية حال
[سكان حي المنيب يعانون لسنوات طويلة من عدم توفير الدولة اي نوع من الخدمات او باقل حق لهم في المدينة. هل تعامل الدولة سكان المنيب وسكان الزمالك على سواء؟]
ولكن .. ما هو موقف السلطة تجاه تكاتف وحشد سكان المناطق الأكثر فقراً سعياً لتحقيق مطالبهم وطموحاتهم المتعلقة بشكل حياتهم. هل سيتم دعوتهم لعرض اي من المشروعات المتعلقة بمناطق سكنهم قبل اتخاذ اي اجراء؟ هل ستُعقد جلسات نقاش مجتمعي متعددة؟ هل سيُسمع لهم اذا ما اعترضوا علي المشروع؟ هل ستُجري محاولات جادة للتوصُّل لحلول تُرضي المواطنين؟ هل سيكون رد فعل السلطة تجاههم هو نفسه؟ أم سيختلف قليلا؟ في مطلع القرن العشرين أنشئ خزان أسوان من أجل التوسع في زراعة القطن لخدمة مصانع النسيج أثناء الاحتلال البريطاني لمصر. ارتفع منسوب المياه خلف السد حوالي 100متر ما أدّي الي غرق عشر قري نوبية دون سابق انذار، الا أن النوبيين اختاروا البقاء وأعادوا بناء منازلهم علي المرتفعات القريبة من القري الغارقة، فجاءت التعلية الأولي للخزان عام 1912 لتغرق ثماني قري جديدة، ثم التعلية الثانية عام 1933 والتي أغرقت عشر قري أخري. أدي خزان أسوان الي اغراق النوبة القديمة بمساكنها وآثارها وتاريخها، ومعاناة وتشريد آلاف الأسر، وقد قدمت الحكومة آنذاك تعويضات "لمنكوبي الخزان" كما وصفتهم، الا أنها كانت تعويضات هزيلة لا تضاهي المأساة التي تعرّضوا لها. تشتتت الأسر النوبية وهاجر العديد الي الشمال بحثاً عن الرزق بعد ما حل عليهم من فقر وجوع، الا أن حلم العودة ظل مع كل مغترب
أثناء الحقبة الناصرية بدأ التفكير في انشاء سد جديد يُستخدم في توليد الكهرباء لزيادة الانتاج، وتخزين المياه بسعة أكبر من خزان أسوان الذي لم يعُد يلبي تطّلُعات المرحلة الجديدة. بعد وضع أساس السد العالي عام 1960 ألقي جمال عبد الناصر خطبته الشهيرة أمام أهالي النوبة لطمأنتهم علي مصيرهم بعد اغراق السد لقراهم ومساكنهم مرة أخري، ووعدهم بعملية "تهجير" منظّمة، وتنمية زراعية وصناعية كبري ورخاء، وجمع شمل أهل النوبة في القري الجديدة بعد الشتات الذي عانوا منه سنوات طويلة. تم تهجير أهل النوبة في أكتوبر 1963 الي مدينة كوم امبو "الصحراوية" بعد أن كانت حياتهم علي ضفاف نهر النيل، وفوجئوا بأن المساكن الجديدة لم تكن مُعدّة لاستقبالهم، كما أنها لم تكن ملائمة لظروف معيشتهم من حيث المسطحات ومواد البناء المستخدمة، وهناك روايات متعددة تحكي عن معاناة الأهالي في مرحلة التهجير التي استغرقت حوالي مائتي وأربعين يوماً. اليوم وبعد مرور 51 عاما علي الهجرة لا يزال حال أهل النوبة كما هو، فلم يروا تنمية ولا رخاء ولا مقابل لتضحيتهم الكبري، بل أنهم لم يجدوا الا تجاهلا وتهميشاً، وما زالوا يحلمون بالعودة علي ضفاف نهر النيل. قدمّت الحكومات المتعاقبة منذ السبعينات وعوداً للنوبيين بالعودة الي مناطقهم القديمة علي ضفاف بحيرة ناصر، ومازالوا حتي هذه اللحظة يطالبون بحقّهم في العودة
[الارضيات البلاط هي كل ما تبقى من بيوت عائلات كثيرة تم تهجيرها قصريا واستغلال اجهزة الدولة الامنية لتخويفهم حتى يتركو بيوتهم كجزء من مشروع محافظ الاقصر لتحويل المدينة لمتحف مفتوح]
في عام 2006 بدأ التفكير في مشروع قومي لتحقيق تنمية شاملة في مدينة الأقصر وتحويلها الي متحف مفتوح، ومن أجل ذلك كان لابد من تنفيذ بعض الازالات و نزع ملكيات العديد من الأراضي التي كانت تعترض المشروع، الا أن السلطة لم تقم بتعويض المواطنين بشكل عادل حينئذ. بعد عدة سنوات وعقب ثورة الخامس والعشرين من يناير عام 2011 قام المتضررين بتنظيم مظاهرات حاشدة مطالبين بصرف التعويضات المالية للأضرار التي لحقت بهم جراء التطوير، وبعد عدة سنوات واستجابة للضغوط المستمرة من المتضررين؛ وتحديداً في مارس 2013؛ تم اعتماد 100 مليون جنيه لهذا الغرض
في عام 2007 أصدر مجلس الوزراء قرارًا بعدم تجديد عقود إيجار أراضي جزيرة "القرصاية" للأهالي أصحاب الحيازة القانونية، فيما اُعتبر تمهيدًا للاستيلاء عليها لصالح استثمارات خدمية وسياحية، تبعه محاولات السلطة استخدام القوة لإخلاء الجزيرة من أهلها بشكل قسري. لجأ الأهالي للقضاء الاداري وبالفعل في 2008 نجحوا في إلغاء القرار الوزراي، الا أن الحكومة قامت بالطعن علي هذا القرار، وفي 2010 تم رفض الطعن مؤكدةً على أحقية الأهالي في أراضي الجزيرة. وفي نوفمبر 2012 قامت القوات العسكرية بالانتشار في الجزيرة في محاولة جديدة لنزع الأرض من السكان وتم القبض علي عدد من الأهالي ومنهم من حوكم عسكرياً. وفي أغسطس 2013 أصدرت هيئة مفوضي الدولة تقريراً يوصي بأحقية الأهالي في الأرض
في أكتوبر 2011 أصدر محافظ القاهرة قرارا باستيلاء المحافظة على أرض رملة بولاق تمهيدا لتنفيذ اتفاق تعاون بين صندوق تطوير المناطق العشوائية ومحافظة القاهرة لتطوير المنطقة، وصنّف ملكية الأرض بها كـ"أملاك دولة"، الا أن محكمة القضاء الاداري قضت في أغسطس 2013 ببطلان هذا القرار
برغم الاختلاف بين طبيعة مشروع المحطة وبين هذه المشروعات، الا أن هذه الأحداث وغيرها تعاقبت واحدة تلو الأخري أثناء قراءة خبر استجابة الحكومة لسكان الزمالك. استجابت الحكومة بعد جولات ومشادات وحشد، وفي مواضع أخري قامت بمقاضاة المواطنين من أجل طردهم من مساكنهم أو نزع ملكية أراضيهم، زعما بأن ذلك من أجل الصالح العام، أمّا مشروع انشاء "محطة مترو"؛ والذي بالنظر في "صورته الأكبر" يشمل خدمة أصحاب المصلحة من سكان وطلبة جامعات وعاملين وزائرين للأنشطة الخدمية والتجارية والسياحية والمراكز الثقافية المنتشرة في أرجاء الحي؛ اضافة الي تأثيره علي السيولة المرورية؛ كان أمراً يحتمل عقد جلسات عدة من النقاش المجتمعي، واجراء محاولات للتوصّل لحلول وسط، ثم التراجع في نهاية الأمر
بعد الموافقة علي دستور 2014 الذي ينص صراحة علي "حظر التهجير القسري" (المادة 63)، و"كفالة الدولة للحق في المسكن الملائم" (المادة 78)، والتزام الدولة "بحق المواطن في حياة آمنة وتوفير الأمن والطمأنينة" (المادة 59)، الا أنه وبتاريخ 18 فبراير 2014 تمت عملية ازالة مساكن واخلاء سكان "عشش التوفيقية" بعزبة النخل، وما زال الأهالي في انتظار كشوف الحصر التي تضم الأسر التي ستحصل علي وحدات سكنية بديلة، وفي 19 فبراير 2014 شنت مديرية أمن كفر الشيخ حملة مكبرة ضمت آلاف الجنود والجرافات في لإزالة منطقة "منشية فؤاد القبلية" بمدينة كفر الشيخ، والتي يقطنها آلاف الأسر من العاملين في تجميع «الخردة» و«القمامة» والـ« روبابيكيا»
علي مدار سنوات ما يزال المسئولين يُصرّون علي تكرار نفس الأساليب القديمة مع مواطني الطبقة الكادحة، ويقدمون حلولاً غير مستدامة لتحقيق مصلحة يزعمون أنها "أشمل"، وتتم عمليات الازالة بشكل مُفاجئ لا يراعي آدميتهم، كما أنها تتم "قبل" طمأنة الأهالي علي مصيرهم بشكل واقعي وجاد، ثم تنتشر مصطلحات مثل "50 متر أحسن من عِشّة"، "هما أصلا بانيين مخالف"، "بيشوّهوا المنظر"، "بيتعدّوا علي الأرض الزراعية"، "المفروض يحمدوا ربنا" علي تلك البدائل التي لا تراعي عددهم، ولا أسلوب حياتهم، ولا التأثير النفسي عليهم، ولا الحد الأدني من الحياة الكريمة، وكأن ليس من حقهم أن يحلموا بأكثر من ذلك، وإن لم يستطيعوا التأقلم مع هذه البدائل المفروضة عليهم؛ فهُم المُـلامين، لأن ليس في الامكان أفضل مما كان
ربما يتصادف أن "المشروعات القومية" التي تتطلب تضحيات كبري دائماً ما تتعارض مع "الفقراء والمُهمَّشين"، وبالتالي فإن عليهم التنازل من أجل "الصورة الأكبر"، والتي يتصادف أيضا أنها لا تشمَلهم أبداً








