كلّما ازددتُ نضجًا، أدركتُ أن الكتب ليست أشياءً تُصفّ على الرفوف، بل أرواحٌ مؤجلة تنتظر يدًا تعرف كيف توقظها. هناك كتبٌ لا نقرؤها بعيوننا، بل بجراحنا؛ نفتحها فنظنّ أننا نفتّش عن فكرة، فإذا بنا نجد أنفسنا جالسين في آخر السطر، كأن الكاتب كان يعرف وجعنا قبل أن نولد.
أحبّ الكتب لأنها تمنحني حياةً لا تكفيني الحياة الواحدة لأعيشها. في كل روايةٍ عمرٌ آخر، وفي كل صفحةٍ نافذةٌ تطلّ على إنسانٍ لم أكنه، وحزنٍ لم أعشه، وحكمةٍ لم أصل إليها إلا حين صارت بين يديّ حبرًا. أقرأ، فأغادر مكاني دون أن أتحرّك، وأعود من الرحلة أثقل معرفةً، وأخفّ وحدة.
الكتاب لا يرفع صوته، ومع ذلك يهزم ضجيج العالم. لا يطرق الباب، لكنه يدخل إلى أعمق مكانٍ فيك. لا يفرض عليك عزاءه، لكنه يترك جملةً صغيرة في قلبك، فإذا بك بعد أيامٍ تتكئ عليها كأنها كتف. وهذا سرّ الكتب العظيمة؛ أنها لا تغيّرك دفعةً واحدة، بل تعيد تشكيلك بهدوء، كالماء حين ينحت الصخر دون أن يعلن انتصاره.
في حضرة الكتب يصبح الصمت فخمًا، والوحدة أقل قسوة، والأسئلة أقل خوفًا. أشعر أنني بين السطور لا أهرب من الناس، بل أعود إلى نفسي؛ أرتّب ما تبعثر، وأسمّي ما كان غامضًا، وأتعلّم أن الإنسان لا يكبر بالسنوات وحدها، بل بالمعاني التي تمرّ من خلاله وتترك فيه أثرًا.
لذلك أحبّ الكتب؛ لأنها لا تعدني بالسعادة السهلة، بل تمنحني ما هو أعمق: عينًا أوسع، وقلبًا أهدأ، وروحًا تعرف كيف تقف أمام الحياة دون أن تفقد دهشتها. وما القراءة في النهاية إلا أن تجد في العالم بابًا سرّيًا، كلما ضاقت بك الحياة فتحته… فوجدت داخله نفسك، ولكن أرقى.