واشتعلَ القلبُ غيرةً
كمن يحملُ قلبَه بين كفّيه في ممرٍّ ضيّق من الزجاج، نمضي نحنُ في حبّنا بوعيٍ خفيّ، نخفّف خطوَنا لا خوفَ الطريق، وإنما خشيةً على ما نحمله، ندرك أن الارتطامَ ليس شرطًا للكسر، وأن بعض الشروخ تُولد من رجفةٍ عابرة، لذا تعاهدنا — دون أن نتلفّظ — ألّا نوقظ الوجعَ في قلوبنا عمدًا، وألّا نختبر الغيرةَ اختبارَ العابثين، فالغيرةُ نارٌ إن اشتعلت بلا حكمة، أحرقت سكينةَ الروح قبل أن تضيء دفأها.
ومع ذلك، لا أنكرُ ذلك الزهوَ الخفيّ الذي يمرُّ بي حين أرى ثورةَ الياسمين في عينيكِ.
تغارين، فتضيقُ حدقتاكِ كأنّكِ تحاولينَ طيّ العالم عني، ويغدو صمتُكِ لغةً أخرى، قصيدةَ عتبٍ ناعمة لا تُلقى، بل تُحسّ.
في تلك اللحظة، أحبُّ تحوّلَكِ المفاجئ؛ كيف تصيرين طفلةً تخشى فقدانَ لعبتها الوحيدة، وأنثى كاملة تستميتُ في الذودِ عن موضعها في القلب. غِيرَتُكِ لم تكن يومًا قيدًا، بل الإطارُ الذي يجعلُ لصورتي في عينيكِ معنًى واحدًا لا يقبل النسخ.
أما غيرتي أنا، فهي ليست شكًّا، وكيف أشكُّ فيكِ وأنا أراني فيكِ امتدادًا لثقتي بنفسي؟ لكنها يا حبيبتي ثورةُ الكبرياء حين تستيقظُ خلاياها.
أغارُ عليكِ من فراشكِ، وسادتكِ، لباسكِ، مرآتكِ، أريكتكِ، ومن مشط شعركِ.
أغارُ عليكِ من كل عينٍ نظرتْ إليكِ وأنتِ تسبلين عينكِ دوني، ومن كل أذنٍ سمعت صوت أنفاسك دوني، ومن كل أنفٍ تسلل إليه عبق عطركِ، ومن كل مقود بابٍ صافح يديكِ، ومن وكل حرفٍ لامس قلبكِ ولم يكن حرفي.
أغارُ عليكِ أنْ يأسِرَكِ أنينُ الكمانِ، فيخطف انتباهَكِ منّي.
أغارُ عليكِ مِنْ نومٍ يسرقُ جفونَكِ، فيحبسُ عيونَكِ عنّي.
أغار من نسيمٍ يلامسُ وجهَكِ أكثر مما ينبغي.
أغارُ على ملامح وجهك الصافي كالمرآة، أن تكسرها حِدَّةُ عيونهم.
ليتكِ تتزملين بي، فأحجبُكِ عن العالمين دوني.
أغارُ عليكِ جدًا وألفُ جدًا ....
فترفقي بي حبيبتي، فكما أنني لا أحتملُ وجعَ قلبكِ، كذلك لا أحتملُ سهمَ غيرةٍ خرج من قوسكِ أردتِ به أن تستفزي شعوري فأدمى قلبي.
أنا أضعفُ ما أكونُ أمامَ وجعٍ يطالُ قلبَكِ، وأجنُّ ما أكونُ أمام شعورِ غيرةٍ ينتابني تجاهكِ.
فلا تُشعلي بقلبي نارين، نارًا تلفحُ قلبَكِ فتلفحُ قلبي، ونارًا تسكنُ روحي بمزحةٍ عابرة.
أحبُّكِ حدّ الجنون الذي يفوق جنونَ مجنون ليلى حين أنشد شعره قائلا:
"أغارُ عليكِ من عيني ومنّي.. ومنكِ ومن زمانِك والمكانِ"
"ولو أني خبأتُكِ في عيوني.. إلى يوم القيامة ما كفاني"
يا نبضي الذي لا يبرحُ خافقي، نحن لا نستفزّ الغيرةَ لأننا نخشاها، بل لأننا نحترمُ أثرَها، الحبُّ عندنا أكبرُ من أن يُختبر بأساليب الصبيان، وأصدقُ من أن يُقاسَ بردود أفعالٍ مصطنعة، ومع ذلك وبصدقٍ لا يخلو من دهشةٍ، نحبُّ تلك اللحظات النادرة التي تتقدّم فيها غيرتُنا لتتحدثَ عنا، لا لتديننا، بل لتؤكد أننا، رغم الاعتياد والثبات، ما زلنا نرى بعضنا حدثًا لا يتكرّر.
ودائمًا ما تهمسينَ لي، بشقاوةٍ تعرف حدودها: «لو كنتَ أمامي الآن، لعلّمتُك كيف يكون الاستفزازُ فنًّا»، تقولينها وأنتِ قادرةٌ على إشعال فتيل غيرتي لو أردتِ، لا لشيء إلا لتعيشي تلك النشوة الخاصة، وأنتِ تراقبين اتساعَ عينيّ واحتدادَ صوتي، كأنّكِ تقرئين فيهما نصوصًا غير مكتوبةٍ عن تعلّقي بكِ، وخوفي عليك، ورغبتي الفادحة في أن أحتويكِ كلّك لي وحدي، لكنّكِ — برغم ذلك الدلال — تَرفِقِين بقلبي، وتكبحينَ جماحَ شقاوتكِ احترامًا لهذه الجغرافيا القاسية التي تفصلُ بيننا؛ كأنكِ تقولين بصمتك: "يكفينا وجع المسافات، فلا نضيف إليه وجع الغيرة"، تدركين أن نار الغيرة في البعد لا يطفئها سوى اللقاء، وأنا هنا، لا أملك إلا صوتًا يعبر الأثير متعبًا، وقلبًا يتقاسمُ اشتعالَه بين الحنين والغيرة معًا.
هكذا تنتهي غيرتُنا دائمًا كما بدأت: بكلمةٍ خافتة، واحتواءٍ يمحو الظنون، وطمأنينةٍ تعيد الأشياءَ إلى مواضعها الصحيحة، فنعودُ بعد كلِّ ارتجافٍ إلى يقينٍ بسيطٍ لا يحتاج برهانًا: أننا لبعضنا، لا لأن الغيرة قالت ذلك، بل لأن السكينة — حين تعود — تعرفُ طريقَها إلينا… وكفى.
✍️ وائل عيسى














