بلا عنوان
لا أدري متى أصبحتُ هكذا؛ شخصًا يثقل على من يحبّهم بدل أن يكون لهم مأوى وطمأنينة. أشعر وكأنني أحمل في داخلي حزنًا متراكمًا، يتسرّب دون قصد إلى كل علاقة أقترب منها، فيحوّل دفئها إلى برود، وقربها إلى مسافة. كلما حاول أحدهم أن يقترب منّي، انتابتني رهبة خفيّة تدفعني إلى التراجع، فأدفعه بعيدًا وكأنني أسبقه إلى الفقد قبل أن يفقدني. لستُ أهرب منهم بقدر ما أهرب من نفسي، من تلك الكتلة الثقيلة من الكآبة التي تسكنني وتلوّن نظرتي لكل شيء. أُحبّ بصدق، لكنني لا أعرف كيف أحبّ دون أن أؤذي، ولا كيف أتمسّك دون أن أرتبك، ولا كيف أطمئن دون أن أرتاب. لذلك، يبدو الأمر وكأنني مصدر نفور، بينما الحقيقة أنني مجرد روح مُتعبة، اعتادت الخسارة حتى صارت تصنعها بيديها، ظنًا منها أن ذلك أهون من انتظارها.
ومع ذلك، لا يكفّ داخلي عن طرح الأسئلة المؤلمة: هل كان يمكن أن أكون أخفّ، أكثر دفئًا، أقلّ انغلاقًا؟ أم أنّ ما فيّ أعمق من أن يُغيَّر بسهولة؟ أراقب نفسي وكأنني غريبة عن ذاتي، أرى كيف أفسد اللحظات الجميلة بخوفي، وكيف أُثقِل القلوب التي جاءت تحمل لي النور. أشتاق إلى الطمأنينة، إلى علاقة لا أخاف فيها من الانكشاف، ولا أرتجف من فكرة البقاء. لكنني، في كل مرة، أعود إلى الدائرة ذاتها؛ أقترب، أرتبك، ثم أبتعد، تاركةً خلفي أسئلة بلا إجابات وقلوبًا لم تفهمني تمامًا.
وربما، في عمق هذا التناقض، يكمن جزء من الحقيقة التي أهرب منها: أنني لم أتعلم بعد كيف أكون لطيفة مع نفسي، فكيف لي أن أكون كذلك مع الآخرين؟ أنني أطلب من قلبي ما لم يُمنح له يومًا من أمان، وأعاتبه على ما لم يُمنح فرصة ليعرفه. لعلّني لستُ بؤرة حزن كما أظن، بل إنسانة مُثقلة بتجاربها، تُخطئ في الحب لأنها تخافه أكثر مما تجيده. وربما، يومًا ما، حين أتعلم أن أمدّ يدي لنفسي قبل أن أمدّها لغيري، سيتغيّر هذا كلّه، وسأكتشف أنني لم أكن سبب النفور، بل كنت فقط أبحث عن طريقةٍ صحيحة للبقاء.
وقد يكون الطريق إلى ذلك أطول مما أتصوّر، وممتلئًا بمحاولاتٍ غير مكتملة، وتراجعاتٍ تُشبه الهزيمة، لكنها في حقيقتها جزء من التعلّم. سأتعثر كثيرًا، وسأعيد الأخطاء ذاتها أكثر من مرة، لكن ربما في كل مرة سأفهم نفسي قليلًا أكثر، وسأخفف من قسوتي عليها شيئًا فشيئًا. لستُ مطالبة بأن أُشفى دفعةً واحدة، ولا بأن أتحوّل فجأة إلى شخصٍ لا يحمل أي أثرٍ للحزن، يكفيني أن أكون صادقة مع نفسي، وأن أعترف بأنني أحتاج وقتًا، وصبرًا، وربما بعض الرحمة التي لم أعرفها من قبل.
أدرك الآن أنني لم أكن أدفع الآخرين بعيدًا لأنني لا أريدهم، بل لأنني لم أكن أصدق أن أحدًا قد يبقى. كنتُ أختبر رحيلهم قبل حدوثه، وأصنع المسافة بيدي كي لا أفاجأ بها لاحقًا. لكن الحقيقة التي بدأت تتسلّل إليّ بهدوء هي أن البقاء ممكن، وأن هناك من قد يفهم، من قد يصبر، من قد يرى فيّ أكثر من هذا الحزن الذي أعرّف به نفسي. وربما، حين أسمح لنفسي بأن أُرى كما أنا، دون مبالغة في الاختباء أو الهروب، سأمنح الآخرين فرصة حقيقية للبقاء، لا مجرد محاولة قصيرة تنتهي بخوفي.
ولعلّ الأهم من كل ذلك، أنني أتعلم تدريجيًا أن أكون موطنًا لنفسي، أن أحتملها في ضعفها قبل قوتها، وأن أرافقها بدل أن أقاومها. وحين يحدث ذلك، لن يكون الحب عبئًا كما كان، ولن يكون القرب تهديدًا، بل احتمالًا جميلًا يستحق أن يُعاش، حتى وإن لم يكن كاملًا. وربما عندها فقط، سأفهم أنني لم أكن يومًا كتلة من الكآبة كما ظننت، بل قلبًا كان يحتاج أن يُفهم، قبل أن يتعلّم كيف يُحب.
لكن، إن كنتُ صادقة تمامًا مع نفسي، فهناك صوتٌ آخر لا يزال يهمس داخلي بعكس كل ذلك؛ صوتٌ يُصرّ على أنني لن أتغيّر، وأن هذا الثقل الذي أحمله ليس عابرًا بل هو أنا. ربما لستُ في طريق التعافي كما أتوهّم، بل أدور في الدائرة ذاتها، أكتب عن الفهم وأمارس الهروب، أرجو القرب وأصنع المسافة بيدي في كل مرة. كأن كل محاولاتي ليست إلا تأجيلًا لخسارةٍ أعرفها مسبقًا، أو وهمًا جميلًا أتمسك به قليلًا قبل أن ينهار.
أعود لأفكر أنني لم أكن يومًا شخصًا يمكن البقاء معه طويلًا، وأن ما يحدث ليس صدفة ولا سوء حظ، بل نتيجة طبيعية لما أنا عليه. من يقترب يرى ما فيّ من ثقل، من صمتٍ مُربك، من حزنٍ لا يُفسَّر، فيختار الرحيل… أو أجعله يختار ذلك دون أن يشعر. ربما لا أجيد إلا هذا النوع من النهايات، النهايات التي تبدأ مني، وتكتمل بي.
وكلما حاولت أن أكون مختلفة، شعرت بأنني أرتدي شيئًا لا يشبهني، فأعود سريعًا إلى حقيقتي التي أعرفها جيدًا؛ تلك التي تُطفئ أي ضوءٍ يقترب، وتحوّل أي دفءٍ إلى فتور. لا أرى في الأفق تغييرًا حقيقيًا، ولا أملك يقينًا بأن القادم سيكون أخفّ. كل ما أملكه هو هذا الإدراك المُتعب: أنني قد أظل كما أنا، أقترب بحذر، وأبتعد بخوف، وأترك خلفي ما يشبه الفراغ… وكأنني خُلقت لأكون مرحلةً عابرة في حياة الجميع، لا وجهةً يُمكن أن يُستقر فيها.










