"إنه يوم جديد" قال وهو يحتسي قهوة الصباح إستعدادا للمشي, ككل يوم إذا ما إستثنينا أيام المرض, يخرج في الصباح ليتمشى في وسط المدينة أو شريانها كما يحب أن يسميه, حيث يحلو له الإعتقاد بأن الناس كرات دموية يوزعها الشريان نحو أعضاء الجسد (المجتمع).
الوجهة غير محددة سلفا كما حرص (أو ربما توهم), لا يهم كثيراً أن يذهب يساراً أم يميناً, المهم ألا يطيل النظر فوق لكي لا يتعثر ويسقط و ألا يظر تحت تجنبا لإصطدام بالمارة.
فور خروجه من البيت, يسرع الخطى لكي لا يصادف أحد يعرفه لأنه يؤمن بأن من يعرفنا يذكرنا بمن نحن وما طقس المشي إن لم يكن كل شيئ يفعله إلا محاولة لتجنب ذلك... يتخلص من تلك الأفكار تلقائيا فور عبوره حيه ليدخل في تيار من البشر ساعة الذروة ليستحوذ عليه الخارجي بألوانه و روائحه التي لا تنتهي.
لمح العجوز رثة الملابس هناك على بعد خطوات منه ثم أشاح بنظره بعيدا... يمكن أن يتحمل أي شيئ يمكن أن يُرى في الشارع إلا نظرة تلك العجوز التي تولد إحساسا بالشفقة يكاد يصبح إحساسا بالذنب, لم يتجنبها في الماضي بل كان يتكرم بإعطائها ما يحمل في جيبه لكنه وبالتكرار عرف أنها لن تبرح مكانها ولو وهبها كل ما يملك. ثم أن في تجاعيد وجهها قصصا... وهو لا يريد أن يرى وجوا تحمل قصصأ لذلك إختارهذا الشارع بالذات حيث يغنيه هذا التنوع الهائل من البشر المنهمكين فيما يفعلون حد الغياب...بشر لا تحمل وجوههم قصص... بشر لو كان لهم من لون لكان رماديا.
إنتزعه بائع متجول من أفكاره بمحاولة لإيقافه وبيعيه شيئا لن تتضح قيمته أو عدمها إلا بعد الشراء... ُمكمِلا مشيه دون إكتراث وهويحاول تذكر مقال قرأه عن النظر في العين مباشرة, وهو مافعل البائع, المقال يشرح نظرية مفادها أننا ننظر أعين من نحب أو نحارب فقط... فسأل نفسه أأعانق البائع في المرة القادمة أم أكسر أنفه؟ ففطن إلى أن ما فعل وهو عدم الإكتراث كان أفضل.
بعد وقت ليس بطويل رأى مقعدا يغري بالجلوس و التدخين, فدخن نصف سيجارة على مضض ورمى بنصفها الثاني بعصبية ليكمل المشي وهو يحس بدوار طفيف في النصف الأيمن من رأسه. لعن السيجارة ونفسه وقال " أكان علي حقا التدخين ؟ ثم وها قد فعلت, مذا إذا!! قد تركت السيجارة والكرسي كذلك ربما إحساسا أقرب إلى الغثيان" وتذكر أن الرغبة في الجلوس والتدخين ككل الرغبات... مرغوبة فقط في غيابها.
لم ينتبه إلى أنه وسط الطريق تقريبا وأن إشارة المرور حمراء إلى أن سمع صفارة منبهة مؤنبة في الوقت ذاته من شرطي المرور, فأسرع ليكمل قطع الطريق وقد تسارعت دقات قلب وتوتر مما وقع ثم بعد خطوتين أو أكثر وقف مفاجئة ليقهقه بأعلى صوت من فكرة أن الشرطي حارس للشريان! وأنه كان يسمح لكريات دموية أخرى أن تعبر نحو عضو ثان من الجسم-المجتمع! وأن الأرض التي تحمل الكل, كروية!!!
تابع مسيره منتشيا حيث أن تلك الأفكار كانت كفيلة ببث السرور داخله.
قد كانت النزهة وسط الزحام كما قدر لها أن تكون, مهربا من أسئلة ملحة أراد أن يعلقها إلى أن يصبح غير قادر على الحركة فقال في نفسه وهو يضحك فقط لكي لا يبكي " إن لم أستطع المشي ربما تكورت جانب النافذة أراقب الكرات وأنا أنتظر نهايتي, فالنهاية أرحم من أن يواجه المرئ عقله".