رسالة منتصف الليل
هنالك العديد من المتع البسيطة في هذه الحياة، كالطعام ، و الشمس ،رائحة العطور الزكية ، اللحاف الدافئ في ليالي الشتاء ، و القائمة طويلة عريضة لا تنتهي . وفي هذا السياق لدي اعتراف بمتعة ستبدو غريبةً للأخرين مألوفة لعدد من الكُتاب، أنت تعلم أنني أميل لكتابة القصص ، لذا أحاول تصيد الالهام أينما كان ، قد يستقر في منظر الطبيعة ، كلمة من قصيدة ، لحن أغنية ، و ربما وجوه العابرين ، لذا تجدني كثيراً في المقاهي أتأمل بعض الأشخاص الذين ينغمسون في محادثاتهم و أعمالهم ، و أتساءل كيف يقضون حياتهم ؟ و ما لذي يشغل بالهم ؟
لا شيء يبدو غريباً حتى الآن صحيح! حسناً دعني أخبرك عن تلك الليلة حيث كان رفيقي الأرق الذي يستمتع بمشاهدتي أبتكر أساليب و طرق جديدة حتى أتملص منه ، و في كل مرة أفشل ، لن أزعجك بتفاصيل المقالات و الكتب إضافة إلى الروتين الذي أتبعته حتى أتمكن من إغراء النعاس ليكون النوم حليفي هذه الليلة ، وجميعها قد باءت بالفشل ، و غادرت السرير لمشاهدة فيلم أو مسلسل و تركته يغنم به ، و حينما كنت أسير مررت قرب النافذة لألمح منظراً أثار فضولي في نافذة البناية الأخرى ، كانت هنالك خيمة تتوسط غرفة المعيشة تزينها فتاة بإضاءات صغيرة ، راق لي المنظر فأخذت أتأملها وهي تبتسم وتغني ، كانت هالة السلام تطوقها حتى تناغم معها سكون المساء و ضياء القمر ، ليتنا صديقتان لا يساورني الشك بتعمق علاقتنا سريعاً فنحن نكمل بعضنا هي تضع الخطط وأنا أتجاوب معها .
ما أزاح غيمة الأحلام عن عيني ظهور شاب يحمل بعض الأطعمة و المشروبات ، بدا كل شيء بديهاً للحظة ، لقد كانت عاشقة فقلة من النساء تتمتع بذلك الضياء حينما تحب ، لان ذلك لا يحدث ألا مع الشريك الصحيح ، مشهد كهذا يبعث على الأمل وهذا كفيل برسم بسمتي ، شعرت بألفه تكونت بيننا ، و حينها غلبني النعاس . سأبدو مثيرة للشفقة حينما أخبرك أنني في اليوم التالي نقلت مكتبي قرب النافذة حتى أتمكن من تبديد شعور الوحدة حالماً أكون معهم ، من حسن حظي أنهما مصاصي دماء مثلي يبدأ صخبنا في المساء ، بعد مدة أخذت أحفظ روتين كل أمسية في الأسبوع ، الاحد : ليلة الشاي تجلب كتبها و تأخذ في القراءة حتى يعود لينضم إليها لاحقا ، الاثنين : أفلام كلاسيكية و فشار ، الثلاثاء : رقص و شموع ، الأربعاء: اطباق إيطالية و كتب شعر ، الخميس: يتجولان في حديقة الحي ، الجمعة : ستائر مسدوله ، و أخيراً السبت : بعد التنظيف و الترتيب يجلسان على الشرفة ليتحدثا وقبل أن تسأل كان السبت هو يومي المفضل يكفيني أستراق السمع لأحاديثهم إذا كنت محظوظة بهدوء الشوارع .
مرت الأيام سريعة كُنت خلالها أَشهد العديد من التغيرات و في تلك الفترة هاجر الأرق بعيداً ، فكُسرت اللعنة و عدت بشرية أسير تحت أشعة الشمس ، أشرب القهوة بدلا من مشروب الأعشاب ، أتحدث إلى العديد من الأشخاص مباشرة و عبر الهاتف . ختمت ملامح وجهي صفحات الكتب الورقية ، فعندما أعود مرهقة أحاول التقاط أخر دقائق بقيت قبل الساعة 12 فيسقط الكتاب على وجهي ، و أذعن طوعاً للنوم . كانت تلك البهجة أحد النعم التي نعتاد وجودها فتتلاشى قيمتها سريعاً . حتى سمعت في أحد الليالي صوت المطر ، كانت تلك القطرات المبهجة ، دعوة لمشاهدة منظراً خلاب . ذهبت إلى نافذتي و بدأت أتأمل هذا الماء الذي يروي هذه الأيام الجافة . اه من جمال المطر يا عزيزي ، أعادني برهة إلى لحظة كنت طفلة ، أخرج يدي من النافذة لتحط تلك القطرات النقية على راحة يدي ، مازالت الرائحة ذاتها رطوبة ممتزجة بالتراب .
لمحت حينها تلك الشرفة التي أنست فيها رفاقي القدماء ، وجدت الفتاة تقف قرب النافذة متدثرة بغطاء أبيض و هي تتأمل المطر . بعض الأشياء تمنحنا الطمأنينة دون كلمات ، و أٌلفة لا تستوحش بها ذاتك ، و كأنك ترى انعكاس روحك من زاوية أخرى ،هذا ما منحته لي تلك الفتاة طوال تلك الفترة .
لا أريد أن أطيل عليك يأ عزيزي فأنا أعلم كم تنغمس في القراءة متناسياً الوقت لذا أختمها باقتباس رافقني الأيام الماضية "إن للكلمات روحاً" وهذا ما جعلني أكتب لك هذه الرسالة .
















