#الأباكاليبس_الرمضاني
كان الخبر هائلا . فحين تناقل الناس عبر وسائل التواصل أن التلفزيون الرسمي سوف يذيع بيانا عاجلا في اللحظات القادمة ، وقع في ظنهم أنه بيان عن تعديلات وزارية جديدة ، أو كلمة عن بعض الأحداث الخارجية الراهنة ، بل تمنت جماعة منهم أن تكون زيادة في رواتب الموظفين الحكوميين . وكانوا يقلّبون على عجل قنوات التلفزيون عبثا يبحثون عن القناة الرسمية للبلاد . وظهرت صورة المذيع وهو متقطب الوجه ، وقد خلع نظارته بحيث يبدو لمن يشاهده أنه لم يكن مستعدا لإذاعة البيان . "جاءنا البيان التالي" . قال المذيع ذلك ثم سكت . كأنه يدع الفرصة للمشاهدين أن يتجهزوا لتلقي الخبر . عم السكون جميع البلاد وأرعى الناس سمعهم وحبسوا أنفاسهم . نظر المذيع في الورقة التي في يده ثم رفع رأسه . وتابع: "عقد المجلس الأعلى جلسة طارئة مساء هذا اليوم الخميس . وبعد اطلاعه على جميع ما ورده من الجهات المعنية ودراسته ، وبناء على قراره رقم خمسة وثلاثين تقسيم هاء: الحمدلله على كل حال . لقد تم رصد بقع سوداء هائلة على قرص الشمس ، وإن هذه البقع السوداء إنما هي في الحقيقة عواصف شمسية . إن هذه العواصف الشمسية حين تصطدم بالغلاف الجوي لكوكبنا الأرضي سوف تتسبب في تعطل تام في الأقمار الاصطناعية ، ينتج عنه انقطاع البث التلفزيوني . وذلك ليس إلا مجرد البداية ، فالعاصفة سوف تؤثر على المناخ العالمي ، وسيلحق الضرر بالنبات والمحاصيل الزراعية . وأنه بحسب تقدير العلماء والفلكيين إن العالم سوف يعاني من مجاعة ونقص شديد في الموارد الغذائية . وتدعو اللجنة العليا المواطنين إلى ضبط النفس. ولله الأمر من قبل ومن بعد." . وظهر أسفل الشاشة بالبنط العريض الأحمر : "عاجل: عاصفة شمسية قادمة".
ما أن أُذيع النبأ حتى اضطربت الأمور . وأصاب الناس الهلع من الأمر الشنيع . وشُغلت خطوط الاتصال وتعذّرت المكالمات الهاتفية . وخرج كثير منهم من البيوت ، وصارت المدينة وطرقها مملوءة من السيارات . وجرى الحديث عن إجازة طويلة . وفي الشبكة العنكبوتية هاجت وسائل التواصل الاجتماعي . وطرح كثير من الناس تحليلاته ونظرياته التي يحلف عليها سبعين يمينا . وأُطلقت الأحكام المسبقة والآراء المتسرعة . طبعا ، كان معولهم الاكتفاء بالحدس فقط . كأن الأمور كانت بتلك البساطة .
هل هذه هي النهاية؟ ليس بالضرورة . إلا أنه في كل مرة كان يظن الإنسان عبر التاريخ أن العالم بأجمعه ينهار . وهو لم يكن ينهار إلا من حوله في ذلك المكان وفي ذلك الزمان . هذا في حين أنكر عدد كثير من الناس وقوع ذلك ، واستبعدوا حدوثه ، فلابد أن تكون الرؤية إلا خطأ وتوهم . لقد كان حقا أمرا غير مألوف في زماننا هذا . فإن الناس قد اطمأنوا أن عصر المعجزات والأمور الخارقة للعادة قد ولّى . ونحن الآن في زمان العلم وسيطرة الإنسان على الطبيعة والأرض . وظن أهلها أنهم قادرون عليها . ولكن هيهات .
وذكر أحد مشاهير مواقع التواصل على سنابة ما ملخّصه: "إن هذه العواصف الشمسية لها دورات تحدث كل عدد من السنين . ويمكن اعتبارها أحد مظاهر النظام الشمسي. ربما ليسترد النظام الشمسي الحالة الأولى ، قبل أن يغيّرها بنو الإنسان ، باختراعتهم وقنابلهم النووية وغازاتهم الدفيئة. أجل . فكما أنه من المعلوم أن الأرض تنظّف نفسها من الغازات والإشعاعات الضارة والتلوث ، فكذلك ربما كانت تفعل الشمس مع كواكبها السيارة. إنها عملية تعقيم هائلة".
بحسب بعض الأرصاد المسجلة للعواصف الشمسية ، فإن زمن وصول العاصفة يستغرق في العادة ما بين يومين إلى أربعة . ولكن لأسباب مجهولة لم يتمكن العلماء من معرفتها فقد كان سير العاصفة بطيئا . وكيفما كانت الحال ودارت القصة فقد كان من غرائب الاتفاق وعجائب المصادفات أن يجتمع انقطاع البث التلفزيوني وحدوث الأزمة الغذائية والمجاعة بدخول رمضان ، فها هو شهر رمضان قد أظل الناس .
رمضان . ما هي إلا أيام يسيرة حتى يحضر . وكانت التجهيزات لأجواء رمضان قد بدأت باكرا . فقد علّقت الفوانيس على كثير من مداخل المراكز التجارية وممراتها ، وألصقت لوحات يزيد طولها على ثلاثة أمتار في جدران المولات الضخمة تُهنئ بالشهر الكريم . في ناحية من الشارع صاحب دكان حلوى شرقية ينصب عند الباب طنفا مزخرفا يروق العيون منظره بخطوطه وتعاريجه وزخرفته. حينا بعد حين تنفجر المفرقعات والألعاب النارية ، وتُشاهد الصواريخ تنطلق ثم تتلألأ من بعيد . ولن يلبث أن ينصب أصحاب الأفران في كثير من الشوارع الطبليات أمام دكاكينهم ، لينضدوا فوقها أصناف الكعك والخبز . ويقيم البسطات بائعو السوبيا وشراب الزبيب ، الذي يباع في الأكياس . وتجري في الحواري مباريات كرة القدم الحامية الوطيس على ضوء المصابيح المتدلية من حبل كهرباء ممدود ، وقد تعالت الصيحات والهتافات المتكررة .
وفي منظر رائق علّق بعض أهل البيوت على الأبواب فوانيس النحاس والأهلة المضيئة . والواقع أن مثل هذه المظاهر قد اندثر أو كاد ، لكنه عاد فجأة على أحسن ما يكون ، وصار يجمع بين العراقة بروحانيتها وبين الحداثة بحماسها . لو كنت تتجول قبل مغيب الشمس في أحد الأحياء على قدمك أو بدراجة ، على سبيل التريض ، وكنت نسيت في أي شهر من السنة أنت ، فلن يخطئ أنفك المدرّب روائح المائدة الرمضانية ، التي تفوح من كل بيت . وبعد كل ثلاثة بيوت أو أربعة ، يقف بالباب عائلة ، التي تحل ضيفا ، تنتظر أن يفتح لها الباب . ولابد أن أهل البيت مشغولون ، فربّة البيت تحضّر الطعام في المطبخ ، والأولاد ينقرون على أجهزتهم اللوحية ، والأب مستلق على الأريكة يتأمل في ملكوت الله .
وتعود الحياة إلى المناطق التاريخية . ففي ساحات البلد نُصبت المركازات والمقاعد ، ليجلس عليها الناس في الأمسيات الرمضانية ، ويثرثروا في مجموعات . وقد علقت البلدية على الأعمدة المصابيح الصفراء والشرائط المرفرفة . ونُصبت تحت الأضواء الراقصة ، بسطات الكبدة والبطاطا المقلية مع الخل ، وعربات البليلة والترمس . والواقع أن كثيرا من هذه المظاهر ، التي صارت من عبق الماضي ، ما هي إلا إحياء للتراث . فلن يكون مسحّراتي ولا حكواتي ، ولن يجتاز بائع بليلة ويصيح: "يا بليلة بللوكي ، سبعة جواري خدموكي" . وقد تزايد إقبال الأنشطة والمجموعات في السنوات القليلة الماضية ، لزيارة الأحياء القديمة والمطاعم الشعبية والبيوت التراثية ، خاصة بعد أن صارت تقام بها فعاليات خلال شهر رمضان . وإن إلتقاط الصور وإرسالها عبر وسائل التواصل ، بعبارات من قبيل "رحلة شلة.. " و"الفطور السنوي لجروب.. " ، وبخاصة "إنستجرام" و"سنابشات" ، سيكون على أشده.
ذلك في الأيام العادية ، وتلك كانت تكون الأحوال لو صارت الأمور صيرورة طبيعية . ولكن مع خبر العاصفة الشمسية فقد تبدّلت الحال ، وما الناس بالناس الذين مضوا . فالناس في السلام غير الناس في الحرب ، والناس في النعمة والرفاهية غير الناس في البؤس والفقر . كان للخبر وقع شديد في أول الأمر ، لكن سرعان ما ألف الناس الخبر وتعايشوا معه . إن قدرة الإنسان على التأقلم والتكيف مع أشد الأحداث أكبر بكثير مما نتصور . وكما قال داروين: "ليس البقاء للأقوى ولا حتى الأذكى ، وإنما البقاء للأكثر تكيفا مع التغيير" .
بل شوهدت ظواهر من أغرب الظواهر: فإذا كان الإنتاج العالمي للمواد الغذائية سيتوقف ، ويصيب الناس مجاعة ، فإن أول ما يخطر على البال هو تأمين الطعام ، وشراء المواد الغذائية وتخزين كميات كبيرة منها . وهكذا انخرط الناس في عمليات الشراء والتخزين . وقد خلص الناس إلى أن الأمور لم تكن سيئة إلى هذا الحد . إذ أصابهم نهم شديد لشراء ما يحتاجون وما لا يحتاجون . وإنه لرد فعل مفرط . فإذا كان هذا هو نهاية عصر الرفاهية والدعة ، فلتكن خاتمته سعيدة إذن ، ولنعش الحاضر ونظل أسرى للظروف . وها هي عربات المشترين وهي تطفح بالمشتريات . وكان المشتري يجيء لشراء مقاضي أو أغراض ، فيرى جمهور المشترين الهائج ، فيبادر مسرعا خوفا أن يفوته شيء ما في السوبرماركت . ويبدو أن الناس أصروا على تسمية ذلك "مقاضي رمضان" أو "لوازم رمضان" أو "المجاعة الرمضانية" ، نظرا لأنه صادف شهر رمضان . وانتشر هاشتاق بمسمى #الأباكاليبس_الرمضاني . وقد عمل كثير من الناس مخازن وسراديب تحت الأرض أسفل بيوتهم للتخزين . ومن يجيء من بلاد بعيدة ويشاهد صنيع الناس لا يشك أن حدثا جسيما سوف يقع . ومنهم من اضطر إلى الاستعانة بالبطاقات الإئتمانية واستنزاف المدخرات والاقتراض من غيره .
لكن بقيت مسألة أخرى واجهها الناس ، هي أن هذه المواد الغذائية لها تاريخ صلاحية محدد . ويجب استهلاك جميع هذه المواد الغذائية قبل أن تفسد ، فلن تكون موجودة بعد مدة. لقد كانت تلك لحظات عارمة بالانفعال والحماسة . إذ أصبح الناس يتفنون في المأكولات والمشروبات وتوسعوا فيها . حتى انقلب الشهر مهرجانا للأكل والشراب . كان الناس يصنعون ضروب الأطعمة والأشربة ، ومن الغذاء ما يفضل عن مقدار الحاجة ، ويطبخون من الأكل ما يكفي العشرة والعشرين ثم يرمى ببقايا الطعام .
وبعد ، فقد جرت هذه الظاهرة مجراها المعهود كغيرها من الظواهر الاجتماعية . إذ تنافس الناس في ابتكار ضروب المأكولات والأطايب وأكل أكبر كمية منها . وصار ذلك من البرستيج والمفاخرة والمباهاة . في أول الأمر نشر أحد الذوّاقة الذائعي الصيت مقطعا على يوتيوب . والذوّاقة هو شخص يكرّس وقته لاكتشاف مطاعم المدينة ، وتذوق الأطباق التي تقدمها ، فمن ثم التقييم والتوصيات عليها . كان الذوّاقة يجلس على طاولة الطعام وقت الإفطار أمام الكاميرا . وراح يعدد بحماس رصين الأطباق: جالونان من السوبيا الحمراء . جالونان من اللبن . 20 سمبوسك جبن . 15 سمبوسك لحم مفروم . وعاء كبير من حساء عدس . وعاء كبير من حساء الشوفان . طبقان كبيران من المعكرونة بالبشاميل . طبق كنافة . ثم أعلن أنه أول ما يؤذَّن للمغرب فسوف يلتهم كل هذه الكمية . أذّن المؤذّن وشرع فعلا في الأكل . بعد دقائق يسيرة أخذت أنفاسه تعلو ، وصار يأكل ويأنّ من الامتلاء . كان المشهد مقززا وهو يحاول أن يمسح كل طبق . وفي آخر الأمر أتى على جميع الأطباق . قال ناس إن هذا مستحيل وجنون . ولابد أن في الأمر غش واحتيال على المشاهدين . فمقدار تلك الكمية من الأكل لا تقل عن ثمانية آلاف سعرة حرارية . والجدير بالذكر أن الحد اليومي لا ينبغي أن يتجاوز ألفي سعرة حرارية إلى ثلاثة آلاف . ومهما يكن فسرعان ما أعقب ذلك المقطع مقاطع أخرى لذوّاقة آخرين على سبيل التحدي . ولم يلبث أن شاعت هذه المقاطع على موقع يوتيوب . ثم انتشرت الظاهرة شيئا فشيئا في أوساط الناس . وتأدى الأمر إلى تنظيم مسابقات وعروض مباشرة . إن ذلك كان ليبدو تبذيرا في ظروف أخرى ، أما في هذه الظروف الراهنة ، فإن هذا هو ما تقتضيه الحكمة . إن المائدة الرمضانية لعامرة هنيئة .
ما كانت لتفوت الفرصة على التجار وأصحاب الدكاكين والمحلات . وجريا على عادة من غلب عليه الجشع والطمع أو حتى المكر والخديعة ، سواء كان في الحروب والأزمات والكوارث ، أو في المناسبات والمواسم والأعياد ، فقد زاد كثير منهم في الأسعار وتلاعب بها . لقد كانت مسألة شطارة وأكل عيش . وكانت ظاهرة رائجة أراد التجار التماشي معها . وعلى كل حال فمن غير المنصف أن نطلق القول . ومنهم من كان يفكّر إن الناس قد داخلها من الفزع أنها كانت تشتري كميات هائلة من كل شيء . وهذه فرصة له لبيع البضاعة التي تكاد تفسد من تخزينها طوال العام . وفتحت أبواب المخازن والمستودعات التي علتها الأتربة . واُستنفرت الشاحنات من أجل نقل البضائع إلى الأسواق والمتاجر . كانت البضائع من كثرة العدد بحيث لم يكن لها مكان على الرفوف ، فوضعوها على المناضد وغصّت الممرات في الدكاكين والمتاجر بالسلع المتراكمة .
كان كثير من تجار المواد الغذائية يواجه مشكلة حقيقية ، فإن أكثر البضاعة يوشك أن تنتهي صلاحيته ، فضلا عما قد فقد قيمته الغذائية . ولابد أن يشتريها الناس ، لابد من التخلص من هذه البضاعة ، وإلا فإن حجم المبيعات سيتعرض لضربة موجعة. وكانت الحيلة هي العروض الترويجية . وكانت بشعارات من قبيل "تخفيضات وعروض رمضانية". وانتشرت اليافطات العملاقة في الشوارع ، مكتوب عليها بأحرف كبيرة ، "المنتج الغذائي يتمنى لك إفطارا يصيبك بعسر الهضم" أو "مع المنتج الغذائي تحلو الجَمعة والتخمة" وما أشبه ذلك .
وتلقى الناس بطيبة خاطر جميع هذه العروض والإعلانات . فهم غير قادرين على التخطيط المسبق ولا تنظيم للشراء ولا يملكون أي ثقافة استهلاك ، ولكن سرعة التصديق والاندفاع المنقطع النظير . الحق إن أغلب تلك التخفيضات لم تكن حقيقية . وإن الجواب المحفوظ عن ظهر قلب حين يُسأل البائع عن تخفيض سلعة هو إن تلك السلعة لا يشتمل عليها عرض التخفيضات . فكانت الحيلة سهلة وهي أن العرض لا يشتمل سوى على السلع الردئية أو القديمة . أما السلع الجديدة أو المرغوبة فأسعارها أكثر ثمنا . إن أبسط عملية حسابية يتبين منها أن أغلب العروض غير دقيق . ومع ذلك فإن هذا هو ما جرى . ففي زحمة التسوق العشوائي وانبهار الناس بالعروض كان أن تخلص التجار من السلع التي على الرفوف ، والبضائع المتكدسة غير المرغوب فيها ، والبضاعة الرديئة . إنها لأيام الحصاد والتعويض عند التجار .
كانت المطاعم والمقاهي واللاونجات في هذه المدينة تقوم مقام "يونيفرسال ستديوز" و"متحف مدام توسو" ، وتسد مسد "شواطئ الكاريبي". ولا يكاد يخلو نشاط يمارسه الناس فيها من الأكل ، سواء كان ترفيهيا أو اجتماعيا أو ثقافيا . وإذ أن تلك المطاعم سوف تغلق فقد اعترى الناس الذعر . أضف إلى ذلك انتشار موجة الجنون والتفنن في المأكولات . والمطاعم ، بطبيعة الحال ، تمتلك قدرات معتبرة في ذلك . وقد جهدت المطاعم في تحقيق رغبات لم يكن يحلم بها الناس . حتى إن المعاين ليعجب من شدة حبهم للشهر الكريم وخشوعهم له وتقديرهم للتراث .
من هذا المنطلق صارت المطاعم تعمل بنظام البوفيهات المفتوحة أو الست منيو ، وأطلقت عليها اسم "الخيام الرمضانية" . وهي تشمل إعداد قوائم طعام خاصة لوجبتي الإفطار والسحور ، ويقوم على تحضير الطعام فريق من أبرع الطهاة أصحاب الخبرات العالمية ، ويتضمن تشكيلة واسعة من الأطباق الشرقية والغربية ، مطعمة بنكهات رمضانية أصيلة وشهية تناسب جميع الزائرين وتعكس تنوع ثقافاتهم . وتشهد الخيمة أجواء روحانية وضيافة عربية أصيلة ، مع التركيز على الخدمة الراقية . وتقدم الخيمة أطيب المخبوزات الساخنة والطازجة ، إضافة إلى ركن الحلويات الرمضانية والشرقية . وبعدها إلقاء ما تبقى من الطعام في المزابل وصناديق القمامة . كل ذلك من أجل منح الزبائن لحظات لا تنسى في الشهر الفضيل . وهي على كل حال عليها أن تتخلص من الأكل .
لا شيء أسوأ من بوفيه مفتوح وإفطار صائم . فقد كان المفطر يملأ طبقه من كل صنف وهو يرى أنه يمكنه أن يأكله جميعا فلا يبلغ نصف ذلك . ولا يفرغ من الطعام حتى يجيء بالحلوى ، التي لولا أنه أخرها بعد ساعتين . وعلى إثر ذلك كانت أجسام الناس تنخض بالكميات الهائلة من الأكل المفاجئ . ولم يكونوا يكترثون ففي نهاية المطاف سوف يفتقرون إلى جميع هذا الطعام وتصيبهم المجاعة المتوقعة وتعود أجسامهم كما كانت . لو افترضنا رسما بيانيا لمعدل السكر والأنسولين في الدم ، لرأينا كيف يطيش منحنى السكر طيشا دراميا ، ثم يطارده الأنسلوين ، المغلوب على أمره ، عبثا يحاول أن يلحق به . ولو كان تناول الأكل موزعا على عدة حصص صالحة من ساعة الإفطار حتى السحور ، لكان منحناهما متناغمين مثل عاشقين يرقصان في ضم وتقبيل وشم . ومهما يكن فقد كان عدد من أصابه داء السكري مهولا بحسب إحصاءات وزارة الصحة.
والحق إن الأمر يبدو مغريا ، وكانت هذه المطاعم تولي من العزم في تحقيق الرغبات الشيء الكثير ، وقد عرفت كيف تجذب الناس ، وتضرب على وتر الجوع ، فالجائع يشتهي كل شيء ويسيل لعابه له . إن الرغبة الهائلة في أكل كل شيء سوف يحققها بوفيه مفتوح ، فيه ضروب المأكولات والمشروبات . وقد طارت هذه المطاعم بأسعارها إلى السماء كالصواريخ . ومع ذلك فإن طاولاتها وكراسيها قد حُجزت بالكامل . فهي لا تخشى أن يقاطعها الناس مثلا ، فالناس لن تتاح لهم الفرصة لاحقا . بل قد راقت فكرة البوفيه حتى للكافتيريات والبوفيات . قلنا إذن سرعان ما برز المستفيد الأكبر من حالة الفوضى التي وقعت .
وإذ أن البث التلفزيوني سوف ينقطع ، ويمضي عصر التلفاز ، أو يتوقف بضعة شهور حتى رمضان المقبل في أفضل الأحوال ، فقد اتفق رأي القائمين على القنوات التلفزيونية والمخرجين على أنه يجب أن تكون نهايته مشرّفة وكما يليق به ، ولو على حساب رمضان . ويجب تكاثف الجهود لإنتاج أكبر عدد من المسلسلات والبرامج . كان الوقت ضيقا ، حيث كان كل ذلك مفاجئا - نعني العاصفة الشمسية - ولم يتسع الوقت لبناء دراما حقيقية . وكان الحل لا يكاد يخلو من أحد ثلاثة أشياء: إما تكرار الأفكار مع بعض التغييرات اليسيرة . وإما اختيار موضوع جاهز مما يجري في المجتمع ويكون التمثيل ارتجالا . وإما أن تُبنى أحداث المسلسل كلها على شخصية ممثل كبير .
كان كثير من الناس مهموما بخبر العاصفة ، وقد ضاقت صدورهم لما هم مقبلون عليه . لم يرض المخرجون بذلك ، فلابد من تخفيف حالة الاكتئاب التي عمّت الناس ، وجهدوا أن يبعدوا المشاهدين عن كل ما يذكّرهم بالفاجعة . وكان ذلك بالمسلسلات الفكاهية الهزلية أو مسلسلات التغابي . هذا هو التعبير الدقيق . كان كثير من تلك المسلسلات بروعة عرض بهلواني من فعاليات الصيف في مدينة جنوبية أو مفاجآت إجازة الربيع في مدينة ساحلية . وقد حرص جماعة من المخرجين أن يضفوا جوا ملائما من الترويح عن النفس . وذلك بالخروج عن الآداب العامة وببعض التهتك واللهو ، وفي نهار رمضان بمرأى من الصائمين ، أو في لياليه التي هي مظنة التعبد والتقوى . كانت كمية المسلسلات غزيرة مثل الإسهال .
أصاب الناس لوثة من الكم الهائل من المسلسلات والبرامج . فقد كانت جداول القنوات غاصة بالبرامج والمسلسلات . وكان يجب أن تُشاهد جميعها ولا يفوت شيء . وإذ أن كثيرا من المشاهدين لا يملك أي روح نقدية فقد كانوا يشاهدون كل البرامج والمسلسلات . فالمخرج ليس مضطرا أن يبني دراما ولا ينبغي أن تكون الفكرة غنية . لأن المسلسل أو البرنامج إذا كان على قناة واسعة الانتشار فلابد - ببساطة - أنه يستحق المشاهدة . وانشغل الناس عن كل شيء خوفا أن تفوتهم فرصة مشاهدة آخر الأعمال التلفزيونية . ومنهم من اختار أن يحمّلها ويخزّنها على أقراص خارجية ، من أجل متابعتها على راحتهم فيما بعد . كانت النتيجة المتوقعة لجميع ذلك أنه ازدادت معدلات المشاهدة التلفزيونية أضعافا . وبحسب بعض الإحصاءات المذكورة فإن واحدا من كل ثلاثة كان يشاهد في اليوم نحوا من ثلاث ساعات إلى خمس . وكانت الساعتان اللتان تليان الإفطار أعلاها مشاهدة .
في مقابل ذلك كله ، كان يبدو أن هناك أشياء تجري خلف كواليس المسلسلات والبرامج . ولم يكن يعرف عنها أغلب المشاهدين أكثر من تذمّرهم من كثرة الإعلانات . فإن معدلات المشاهدة العالية تعني العائدات الإعلانية الضخمة لأصحاب القنوات ومؤسسات الدعاية والإعلان . كان العمل التلفزيوني حين يذاع يراه الملايين في نفس اللحظة . وما الذي تطلبه شركة إعلان أكثر من مشاهدين على مساحة جفرافية مترامية تمتد من الخليج إلى المحيط في وقت محدد . وعليه فقد صارت الإعلانات بجنون . وضربت القنوات التلفزيونية العُرف بعرض الحائط دون أدنى مراعاة لحقوق المشاهد . فالقاعدة المتبعة في سائر العالم هي اثنتان وخمسون دقيقة للمادة التلفزيونية المعروضة في مقابل ثمان دقائق للإعلان .
كان ذلك شيئا كريها ومزعجا ، ولا يجوز أن يستمر على هذا المنوال ، وأثار الاستهجان في شبكات التواصل ، وتكلمت الصحف وكتاب المقالات . وما كان من القنوات التلفزيونية إلا أن أصدرت بيانا موحدا بررّت فيه: "أن ذلك بسبب ارتفاع تكلفة شراء حقوق المسلسلات ، وأنه بغير هذا القدر من الإعلانات لن نستوفي ما دفعناه في شراء المسلسلات". إذن هو زيادة سيطرة دافع الربح على سلوك القنوات . هكذا فهم الناس الكلام .
ها هي العشر الأواخر قد حضرت . وتتابع على ذلك النحو تسلسل الأحداث . وقد قدمنا لها وصفا لا بأس به . بالتحديد كان اليوم التاسع والعشرين من رمضان . تلك الساعات المشحونة . حيث يترقب الناس إعلان العيد السعيد. وهل ستقام صلاة التراويح أم لا؟ وتُعلن حالة الطوارئ في كل بيت . وتدعو الأمهات أن يُؤخّر العيد يوما إضافيا. وتسود في كل الشوارع الاختناقات المرورية الجنونية . وإذا ما أٌعلن العيد فسيزداد الزحام أضعافا. والناس يقبل بعضهم على بعض في كل عام ، وقد اتسعت عيونهم إلى آخرها ، ويصيحون: لم يلبث أن حضر الشهر حتى كاد ينقضي !
كانت المدينة في عصر ذلك يوم تحمل آثار ما تركته الليالي الماضية من صلوات ودعوات وتبتّلات . غير أن حياة كانت ستنتهي مع مغيب الشمس ، وأخرى كانت ستبدأ بعده ، ولاسيما إذا ما أُعلن العيد . وكان بطلنا الذي تأخّر ذكره في بيته الكائن في حي من الأحياء في المربّعة الفلانية بالتحديد مثل كل أحد . إنه مستلق الآن على الأريكة بين النائم واليقظان . وكانت قد حانت ساعة تفقد المواقع والتطبيقات: يبدأ أولا برسائل الواتساب غير المقروءة . لن يشعر بالطمأنينة حتى تختفي الأرقام من مربعات التنبيهات . ثم ينتقل إلى إنستغرام . لا يراعي بعضهم أن الناس صائمون . يليه تويتر . يشعر بالملل من تويتر هذه الأيام . وأخيرا بعد أن فرغ من توتير يفتح سنابتشات . بينما كان في ذلك ، جاءت أمه وهي تصيح عليه لتزعجه وتوقظه ، ظنا منها أنه كان نائما: "يا نايم وحّد الدايم" .
- لست نائما .
- لا قرآن ولا عبادة! أيش الصيام ده!؟
لم يقل شيئا ، واقتصر على التحديق في الشاشة . قالت له:
- قم احضر لنا كعك قبل الآذان . والله يرضى عليك ، الليلة عندنا أنا وأخواتك مشاوير كثيرة ولابد أن نفرغ منها .
- ولكن أنا عندي أيضا مشاوير.
وجرى بينهم جدال طويل لا يخلو من الاحتجاجات والمساومات . وكان الحل أن يمضي إلى السوق ليتركهم فيه فمن ثم يذهب هو إلى محل الشكولاتة ومنه إلى الخياط ليستلم الثياب قبل أن يلتف حول دوّار "الكرة الأرضية" وصولا إلى الفرع الآخر من المتجر القابع في المول . فأخته تحتاج أن تذهب إليه لعدم توفر المقاسات المطلوبة .
خرج ليحضر ما طلبته منه أمه ، وقد دنا وقت الإفطار ، وما هي إلا ساعة حتى يؤذَّن للمغرب . ولكن ما أشد زحام الشوارع ! وإنه لزحام شرس تجري أحداثه في شوارع المدينة . وكلا . فهو ليس بالعادل . بل فيه كثير من التعدي والانتهاك . كان الناس يفرّون من زحام ويقعون في زحام آخر . وعبثا يحاولون أن ينعطفوا من زقاق إلى زقاق ولا تزداد الحالة إلا سوءا . إذ حتى الأزقة والممرات ، التي يمكن سلوكها كحيلة لتجنب الازدحام والإشارات ، قد فُطن لها وتزاحم عليها الناس . إن من الحكمة أن يلزم المرء الطريق الذي سلكه من البداية ولا يبدّله . وكان آخرون أحسن إلهاما فوقفوا سياراتهم بعيدا ، وجاءوا مشيا على الأقدام . والآن السؤال الذي يطرح نفسه . هل يخالف الأنظمة كما يفعل الأخرون أم يلتزم بها ؟ عكس الشوارع ، أو ركوب الأرصفة ، أو الصف الثاني من السيارات في اليوتيرن ، أو السير على كتف الطريق . فضلا عن الصراع والشجار والتهديد بالإفطار على الآخرين على أتفه الأسباب . أقل نزاع يأخذ أبعاد مضخمة قد ينتهي بمأساة . إن اللائحة تطول حقا . ربما هذه المرة يحتاج إلى القفز فوق المبادئ .
طط. رن جواله ، تنبيه على "واتساب" . كان أحد أصدقاءه:
- "يا شباب بيان عاجل عما قليل." .
رد عليه:
- "متأكد" .
- إيه على و.ا.س . انظر الرابط.
ضغط على الرابط وفتح صفحته. "يوم الخميس التاسع والعشرين من رمضان العام الجاري الموافق التاسع عشر من تموز (يوليو) ، و.ا.س . وصلتنا برقية عاجلة من المجلس الأعلى بخصوص البيان الذي أُذيع آخر الشهر الماضي عن رصد ما يشبه البقع السوداء على قرص الشمس:
بيان من المجلس الأعلى . بسم الله وبه نستعين. إن الآفاق والأجواء المحيطة بالكرة الأرضية يكثر فيها الأبخرة والغازات والسحب الدخانية على اختلاف أنواعها . مثل الدخان وبخار الماء والضباب والغبار . وتشتمل هذه الأبخرة على غازات مثل الكلور الناتج عن تبخر مياه البحار والمحيطات ، وأول وثاني أكسيد الكربون المنبعثين من احتراق الوقود في السيارات والطائرات ، وثاني وثالث أكسيد الكبريت اللذين تنفثهما محطات توليد الطاقة الكهربائية ومعامل تكرير النفط . الجو اليوم مملوء من هذه الأشياء . ولا يخلو في هذه اللحظة أفق أو ناحية من السماء ، مهما ظهرت صافية ، من آثار هذه الغازات السابحة في جو السماء .
إضافة إلى جميع ما ذُكر مما يدعو إلى الشك في الرؤية ، يدخل عامل آخر مهم يُعرف بالتلوث الضوئي . وهو النور الذي ينتشر في الأجواء فوق المدن ، من المصابيح التي في الشوارع والأحياء والطرقات السريعة والمصانع ونحو ذلك . إن ذلك يؤدي إلى إحداث توهج في الفضاء. وكذلك أيضا الألوف من الأقمار الصناعية التي تدور حول الأرض ، وهي مصنوعة من مواد معدنية مصقولة ولامعة تعكس الضوء.
وإذ قد ذكرنا جميع ما سبق ، فقد ثبت عندنا قطعا مع الاطلاع على آراء كثير من المراصد الفلكية المرموقة في العالم ، وبعد الاستماع إلى آراء الفلكيين الموثوقين ، استحالة رصد بقع سوداء على الشمس في ذلك الوقت . وإن تلك الرؤية لا يمكن أن تكون إلا خطأ وتوهم واشتباه . وقد باشرت الجهات المختصة في عمل ما يلزم . ولله الحمد والمنة. " .
وحين انقضى اليوم الذي لا آخر له كان قد حضر رمضان وذهب رمضان .










